بطريقته الفريدة، أثار الرئيس الأمريكى ترامب أسئلة جديرة بالاهتمام حول دور الولايات المتحدة فى العالم. من خلال تصريحاته أثناء حملته الانتخابية وبعد إعلان فوزه، وبمجرد تنصيبه، يدفعنا للتساؤل: هل يمكن لأمريكا أن تستمر كقوة عالمية إذا كانت تضع مصالحها أولًا على حساب الجميع؟ وهل يمكن للعالم أن يخلق نظامًا جديدًا أكثر توازنًا واستقلالية عن الهيمنة الأمريكية؟
ربما لن نتحصل على الإجابات الآن، لكن المؤكد أن عهد ترامب سيكون نقطة تحول فى تاريخ العالم. نقطة تجعلنا نفكر فى النظام العالمى الحالى، وفيما إذا كنا على أعتاب مستقبل جديد يتشكل أمام أعيننا.
اقرأ أيضًا| إسلام عفيفى يكتب: بين الفوضى الخلاقة والواقعية السياسية.. أحلام شرق أوسطية «٣»| لهدم الدول وجوه كثيرة
الرئيس الأمريكى ليس مجرد زعيم سياسى مثير للجدل، بل هو شخصية استطاعت أن تهز أركان النظام العالمى بقراراتها وتوجهاتها. من انسحابه من المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية إلى سياساته المتهورة فى أوكرانيا وخليج المكسيك، يبدو أن ترامب أعاد صياغة دور الولايات المتحدة فى العالم، لكن ليس بالطريقة التى كان العالم يتوقعها.
قراراته، التى غالبًا ما كانت تُسوَّق داخليًا على أنها تعبير عن «أمريكا أولاً»، أثارت تساؤلات عميقة حول موقع الولايات المتحدة فى العالم، وعن إمكانية أن تؤدى هذه السياسات إلى عزلة تدريجية للدولة التى كانت تُعد القائد الأبرز للنظام العالمى منذ الحرب العالمية الثانية.
هل تعزز هذه السياسات خلق نظام عالمى جديد؟
عندما تنسحب الدولة الأقوى فى العالم من مسئولياتها الدولية، تترك فراغًا يمكن أن تملأه قوى أخرى. هذا ما بدأنا نراه بالفعل. الصين وروسيا، على سبيل المثال، تسعيان بوضوح إلى تعزيز نفوذهما على حساب التراجع الأمريكى.
النظام العالمى، الذى كان قائمًا لعقود على الهيمنة الأمريكية، بدأ يشهد تصدعات واضحة. لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها بالطريقة التى اعتادت عليها. الانسحاب الأمريكى، سواء كان من أوكرانيا أو المنظمات الدولية، يعزز فكرة أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث تكون الهيمنة موزعة بين قوى مختلفة.
اقرأ أيضًا| إسلام عفيفى يكتب: التغيير واستقلال القرار الوطنى
لكن هذا لا يعنى أن النظام الجديد سيكون أكثر عدالة أو استقرارًا. غياب القيادة الأمريكية يمكن أن يؤدى إلى فوضى أكبر، خاصة إذا لم تظهر قوة بديلة قادرة على تحمل مسئوليات القيادة العالمية.
تصدع التحالفات الغربية
من أهم ما يثير القلق فى سياسات ترامب هو أثرها على التحالفات الغربية التقليدية. خلال فترة رئاسته، أظهر تجاهلًا واضحًا لحلفائه التقليديين فى أوروبا وكندا، وفرض تعريفات جمركية على منتجاتهم، ما خلق توترات سياسية واقتصادية غير مسبوقة. ترامب لم ينظر إلى التحالفات كقيمة استراتيجية طويلة الأمد، بل تعامل معها كصفقات تجارية تخضع لمنطق الربح والخسارة.
هذه السياسات لم تؤدِ فقط إلى ضعف التنسيق بين الحلفاء الغربيين، لكنها أيضًا شجعت قوى عالمية أخرى، مثل الصين وروسيا، على ملء الفراغ فى القيادة العالمية، وهو ما يعزز تساؤلات حول مستقبل الغرب ككتلة متماسكة.
اقرأ أيضًا| إسلام عفيفى يكتب: نجاحات ملهمة وإخفاقات مؤلمة
المهاجرون وسياسات الانغلاق الاقتصادى
سياسات ترامب تجاه المهاجرين كانت مثالًا واضحًا على العزلة التى كان يسعى لفرضها. من بناء الجدار الحدودى مع المكسيك إلى سياسات طرد المهاجرين، رسّخ ترامب صورة أمريكا كدولة تضع الحواجز أمام الآخرين بدلًا من أن تكون أرض الفرص، كما كانت تُعرف تاريخيًا، وهى الميزة النسبية التى تتفوق بها واشنطن على كل منافسيها وعواصم العالم.
لكن هذه السياسات لم تؤثر فقط على صورة الولايات المتحدة؛ بل كانت لها تداعيات اقتصادية خطيرة. القطاعات الزراعية، التى تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة، واجهت أزمة كبيرة. ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية كان مجرد بداية لسلسلة من المشاكل التى كشفت أن سياسات الانغلاق قد تضر بالمصالح الاقتصادية الأمريكية نفسها.
تأثير السياسات على صورة الولايات المتحدة عالميًا
قرارات ترامب لم تؤثر فقط على النظام العالمى أو التحالفات التقليدية، بل ألحقت ضررًا كبيرًا بصورة الولايات المتحدة كقائد أخلاقى وسياسى عالمى. على مدار عقود، كانت واشنطن تقدم نفسها كحامية للديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن سياسات ترامب من انسحابه من اتفاقيات المناخ إلى تعامله مع المهاجرين، نقلت للعالم رسالة مختلفة تمامًا. بالنسبة للكثيرين، أصبحت أمريكا تحت قيادة ترامب رمزًا للأنانية الوطنية والانغلاق على الذات، مما دفع العديد من الدول لإعادة تقييم علاقتها بواشنطن والبحث عن شركاء بديلين. هذه الخسارة الرمزية لموقع الولايات المتحدة كـ«نموذج يُحتذى به» ربما تكون من بين أكثر تداعيات عهد ترامب صعوبة على المدى البعيد.
مصر وصياغة علاقات متوازنة فى محيطها الإقليمى
وسط التحولات الكبرى التى يشهدها النظام العالمى، تبرز مصر كلاعب إقليمى يسعى إلى صياغة علاقات متوازنة تعكس رؤيتها للحفاظ على الاستقرار فى محيطها. آخر خطواتها فى هذا الإطار تمثلت فى توطيد علاقتها مع الصومال، عبر شراكات استراتيجية تهدف إلى تعزيز التنمية والأمن فى منطقة القرن الإفريقى، التى تعد محورًا حيويًا فى معادلة الأمن القومى المصرى. امتداد التأثير المصرى فى الإقليم لا يقتصر على الصومال فقط، بل يشمل تعزيز الحوار مع القوى الإقليمية ودعم حلول تعاونية تضمن المصالح المشتركة وتحقيق الاستقرار.
وما تقدمه مصر فى تفاعلها مع التطورات السورية يمثل خطابًا متوازنًا لمعادلة معقدة. فقد أبدت مصر قدرة لافتة على تقديم خطاب سياسى متوازن، حيث لم تتردد فى التواصل مع «سلطة الأمر الواقع» لنقل شواغلها الأمنية والسياسية. الموقف المصرى واضح وثابت: ضمان عدم تحول سوريا إلى منصة لاستضافة التنظيمات الإرهابية، مع التأكيد على أهمية عدم إقصاء أى طرف من المعادلة السياسية السورية. هذه الرؤية تعكس إدراكًا عميقًا من مصر بأن استقرار سوريا هو جزء لا يتجزأ من أمن واستقرار المنطقة بأكملها، ما يجعلها حريصة على إيجاد حلول تحترم وحدة سوريا وتضمن مصالح الجميع.


مغامرون فى جبل الكنوز
انتهت الاحتفالات وبدأت الاستعدادات
ما بعد المواجهة





