ست ساعات تقريبًا تفصل القاهرة عن دار السلام؛ مسافة قصيرة على خريطة الطيران، لكنها تختصر رحلة أطول فى التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.
تمتلك تنزانيا حضورًا خاصًا فى القارة الإفريقية، وتحديدًا بين دول حوض النيل. فهى من الدول القليلة التى اجتمعت لها عناصر القوة الشاملة، المادية والمعنوية؛ إذ تتمتع بجغرافيا استثنائية، وتشرف على واحد من أهم الممرات البحرية المطلة على المحيط الهندى، كما تمثل بوابة طبيعية تربط شرق القارة بوسطها وجنوبها. ووهبتها الأقدار قيادات سياسية تاريخية، فى مقدمتها الرئيس الراحل جوليوس نيريرى، الذى صنع لها هوية وطنية متماسكة، ومنحتها الطبيعة كنوزًا لا تنضب، فتحولت هذه المقومات إلى مشروع دولة يتقدم بثبات، ويجذب المستثمرين والمؤسسات الدولية، حتى استحقت أن توصف بأنها «أرض الفرص الواعدة» فى إفريقيا.
كانت البداية عام 1964، عندما اتحدت تنجانيقا وزنجبار فى تجربة سياسية نادرة، لتولد جمهورية تنزانيا المتحدة، مقدمةً نموذجًا ناجحًا فى إدارة التنوع العرقى والثقافى والدينى، مستندة إلى اللغة السواحيلية بوصفها الوعاء الجامع للهوية الوطنية.
ويظل اسم الرئيس المؤسس جوليوس نيريرى حاضرًا كلما ذُكرت تنزانيا؛ فهو أحد أبرز رموز التحرر الإفريقى، ومن أهم صناع فكرة الدولة الوطنية فى القارة، وصاحب تجربة رائدة فى ترسيخ الوحدة الوطنية، وجعلها حجر الأساس الذى قامت عليه الدولة الحديثة.
ومع تغير العالم، تغيرت تنزانيا أيضًا. فقد انتقلت تدريجيًا من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، دون أن تتخلى عن هدفها الرئيسى فى تحقيق العدالة الاجتماعية. وتعاقبت الحكومات على استكمال مسيرة الإصلاح، حتى دخلت البلاد مرحلة جديدة مع الرئيسة سامية صلوحو حسن، أول امرأة تتولى قيادة تنزانيا. ومنذ توليها المسئولية، تبنت سياسة أكثر انفتاحًا على العالم، وعملت على تحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز العلاقات الدولية، وإطلاق مشروعات كبرى فى البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمى، إلى جانب اهتمام واضح بالتعليم والرعاية الصحية وتمكين المرأة والشباب.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع التنزانى تحولات عميقة؛ فقد توسعت المدن، وارتفعت معدلات استخدام التكنولوجيا والخدمات الرقمية، وتحسنت شبكات الطرق والموانئ والسكك الحديدية، وتزايد الاهتمام بالصناعات المحلية، بما يعكس تحولًا تدريجيًا نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة.
اقتصاديًا، تمتلك تنزانيا مزيجًا نادرًا من المقومات. فهى من كبار منتجى الذهب فى إفريقيا، وتنفرد بحجر «التنزانيت» النادر الذى لا يوجد إلا على أراضيها، فضلًا عن احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعى، وقطاع زراعى واسع، وثروة حيوانية كبيرة، وساحل يمتد لأكثر من 1400 كيلومتر يحتضن ميناء دار السلام، الذى يمثل شريانًا تجاريًا حيويًا لعدد من الدول غير الساحلية فى شرق ووسط إفريقيا. وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد التنزانى يعد من أسرع الاقتصادات نموًا فى القارة، مدعومًا بالإصلاحات الحكومية، والاستثمارات الأجنبية، والتوسع فى مشروعات البنية الأساسية.
ولا يمكن الحديث عن تنزانيا دون التوقف أمام السياحة، التى تمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطنى. فمن جبل كليمنجارو، أعلى قمة فى إفريقيا، إلى سهول سيرينجيتى التى تحتضن أعظم هجرة للحيوانات البرية فى العالم، مرورًا بفوهة نجورونجورو وجزر زنجبار ذات التاريخ العربى والإفريقى العريق، تبدو تنزانيا وكأنها متحف طبيعى مفتوح يجذب ملايين الزائرين سنويًا، ويجعلها واحدة من أبرز المقاصد السياحية العالمية.
ومن هنا جاءت تسمية «أرض الفرص»؛ فنحن أمام دولة تمتلك الموارد، وتطور تشريعاتها، وتستثمر فى الإنسان، وتفتح أبوابها أمام الشراكات الإقليمية والدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافى، ومن الاستقرار السياسى الذى تنعم به مقارنة بالعديد من دول الإقليم.
أما مصر، فقد كانت دائمًا شريكًا حاضرًا فى المسيرة التنزانية. فمنذ سنوات التحرر الوطنى، جمعت الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس جوليوس نيريرى رؤية مشتركة لإفريقيا مستقلة وقوية وقادرة على صياغة مستقبلها بعيدًا عن الهيمنة. واليوم، تستعيد هذه العلاقة زخمها فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، حيث اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية التحتية، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، وبناء القدرات، والاستثمار، إلى جانب الحضور المتنامى للشركات المصرية فى السوق التنزانية، بما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن مستقبل القارة لا يُبنى إلا بالتكامل بين دولها.
وبين القاهرة ودار السلام تتشكل اليوم صفحة جديدة من العلاقات الإفريقية، عنوانها التنمية والشراكة والثقة المتبادلة.
فتنزانيا تمثل بوابة استراتيجية لتعزيز تعاون مصر مع دول حوض النيل وشرق إفريقيا، وهو ما تعمل القاهرة على ترسيخه عبر مشروعاتها التنموية، وتوسيع مجالات التعاون مع الأشقاء، والاهتمام بالاستفادة من الفرص الكبيرة وهو واقع تؤكده المشروعات وحركة الاستثمار والحضور المصرى على أرض تنزانيا الطيبة.


مغامرون فى جبل الكنوز
انتهت الاحتفالات وبدأت الاستعدادات
ما بعد المواجهة





