فى خضم الفوضى التى تعصف بالشرق الأوسط، تتصاعد أصوات القلق بشأن المستقبل السياسى والإنسانى لهذه المنطقة وفى الوقت الذى يعانى فيه العديد من الدول العربية من تهديدات وجودية، تواصل مصر تنفيذ استراتيجيتها الوطنية لحقوق الإنسان، التى تشكل نقطة محورية فى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن.
هذه الاستراتيجية، التى أُقرت فى فترة عصيبة، تحمل فى طياتها رؤى استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية، وهى لا تقتصر على مجرد تحسين الأوضاع الحقوقية، بل تلامس عمق التحولات التى يمر بها المجتمع المصرى والدولة ككل.
عندما استعرض الرئيس عبد الفتاح السيسى التقرير التنفيذى الثالث للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، كان ذلك بمثابة إشعار للعالم أجمع بأن مصر لن تسمح لأى من التحديات الداخلية والخارجية أن تعرقل خطواتها نحو ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان بمفهومها الشامل وفق معطيات واقعية وظروف المجتمع المصرى وإمكانياته وهذا هو المحدد الرئيسى لتوجهات القيادة المصرية التى تتمسك باستقلال قرارها الوطنى بغض النظر عن الضغوط الإقليمية والدولية، تواصل الدولة تحقيق تقدم ملموس فى تنفيذ محاور الاستراتيجية، من تعزيز حقوق المرأة والشباب إلى تحسين أوضاع ذوى الإعاقة وكبار السن.
تستند الاستراتيجية المصرية إلى رؤية شاملة لا تقتصر على الحقوق السياسية والمدنية فقط، بل تمتد إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يعنى أنها تسعى إلى تجسيد مفهوم حقوق الإنسان بما يتلاءم مع الواقع المصري. إنها استراتيجية لا ترى الحقوق كحزمة منفصلة من الوعود، بل كجزء من بناء دولة حديثة تقوم على سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.
فى وقت تسود فيه الفوضى العديد من دول المنطقة، ما بين حروب أهلية وصراعات مع قوى إقليمية ودولية، تبدو استراتيجية حقوق الإنسان فى مصر بمثابة التزام طويل الأمد ببناء دولة مستقرة وآمنة فى قلب هذا الإقليم المشتعل.
ولكن السؤال الأهم: هل يمكن لمصر أن تُحقق هذه الرؤية وسط كل هذا التحدى الإقليمي؟ الواقع يشير إلى أن مصر تعمل فى بيئة شديدة الصعوبة، حيث تتعدد التهديدات التى قد تؤثر على تحقيق هذه الاستراتيجية من التدخلات العسكرية فى بعض البلدان المجاورة إلى الضغوط السياسية والاقتصادية التى تواجهها على الساحة الدولية، فإن الحفاظ على مسار ثابت نحو تحقيق هذه الاستراتيجية يتطلب تجاوز العديد من العوائق.
لكن على الرغم من هذه التحديات، تظل مصر فى موقع قوى من خلال تفعيل الاستراتيجية الوطنية، التى لا تقتصر على تحسين التشريعات فحسب، بل تشمل أيضًا تطوير البنية المؤسسية التى تدعم تطبيق حقوق الإنسان. إن هذا الالتزام بتحقيق الاستقرار الداخلى فى مواجهة الظروف الإقليمية يثبت أن مصر تسير على درب إعادة بناء هويتها الوطنية، من خلال تعزيز الحقوق الأساسية للمواطنين، بغض النظر عن ضغوطات الساحة الخارجية.
من أروع عناصر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان فى مصر هو تركيزها على بناء ثقافة حقوق الإنسان داخل المجتمع. إن تعزيز الوعى بالحقوق والواجبات لا يتحقق بمجرد إصدار قوانين وتشريعات، بل من خلال نشر الوعى فى جميع فئات المجتمع وبناء قدرات العاملين فى أجهزة الدولة وبالتالي، فإن الاستراتيجية لا تقتصر فقط على معالجة التحديات القانونية، بل تشمل أيضًا أبعادًا ثقافية واجتماعية تعزز من مفهوم المواطنة الحقيقية.
عندما يوجه السيد الرئيس بضرورة استمرار الجهود لنشر الوعى بحقوق الإنسان فى مؤسسات الدولة، فإنه لا يتحدث فقط عن التغيير القانوني، بل عن تغيير عقلية المجتمع بأسره. إن إشراك المواطن فى فهم حقوقه وفهم الدور الذى يمكن أن يلعبه فى تشكيل مستقبله السياسى والاجتماعى هو الخطوة الأساسية نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، فلا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقى فى مجال حقوق الإنسان دون أن يكون المجتمع نفسه مستعدًا لتقبل هذه التغيرات.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







