فى الصميم

حلفاء ولكن.. اذهبوا إلى الجحيم

جـلال عـارف
جـلال عـارف


منذ أن أصبح الخلاف بين الحليفين (ترامب ونتنياهو) علنياً، وبعد حفل الشتائم التى تلقاها نتنياهو عبر الهاتف من الرئيس الأمريكى وابتلعها صاغرًا.. لم تتوقف محاولات رئيس حكومة إسرائيل من أجل اللقاء المباشر مع الرئيس الأمريكى لشرح مواقفه واستعادة ثقته خاصة مع اقتراب الانتخابات الحاسمة فى إسرائيل..

ومع اشتعال الموقف بين أمريكا وإيران ظن نتنياهو أنها فرصة جديدة لرأب الصدع مع واشنطن، لكن الرئيس الأمريكى سارع بالتأكيد على أن إسرائيل ستبقى خارج هذه الجولة من المناوشات العسكرية.

ومرة أخرى لم يكن هناك ترحيب من البيت الأبيض باستقبال نتنياهو بالتزامن مع التصعيد مع إيران تفاديًا لاستعادة ذكريات اللقاء البائس قبل اندلاع الحرب فى فبراير الماضى الذى أسفر عن تورط أمريكا فى حرب مازال الأمريكيون يعتبرونها «ليست حرب أمريكا ولا أولويتها».

يبدو الآن أن نتنياهو ذاهب إلى الولايات المتحدة للمشاركة فى عزاء السناتور «ليندسى جراهام» أحد أبرز داعمى الكيان الصهيونى، مع ترديد أنباء من دوائر إسرائيلية عن احتمال لقائه بالرئيس الأمريكى لم تؤيدها واشنطن رسميًا حتى كتابة هذه السطور.. ومع رغبة أمريكية فى عدم التشويش على زيارة الرئيس اللبنانى عون ولقائه بترامب الثلاثاء القادم، وإدراك كامل فى واشنطن بالموقف داخل إسرائيل قبل مائة يوم من انتخابات تشير كل التقديرات إلى أنها قد تكتب نهاية الحياة السياسية للرجل الذى يهيمن على الحياة السياسية فى إسرائيل منذ عقدين من الزمان.

تقول آخر استطلاعات الرأى إن رئيس الأركان الإسرائيلى الاسبق «إيزنكوت» يتفوق على نتنياهو كرئيس محتمل للحكومة القادمة، وإن حزبه «يشار» يتفوق فى عدد المقاعد البرلمانية المحتملة على حزب «الليكود» وإن استمرار صعود أسهم «إيزنكوت» يضع نتنياهو فى مأزق حقيقى لم يواجهه منذ سنوات.

وبينما يخوض نتنياهو معركة «شخصية» جديدة من أجل ضمان الحماية الأمنية له ولأسرته لخمس سنوات بعد ترك الحكم، يتم تقديم منافسه على أنه القائد العسكرى الذى فقد ابنه فى الحرب فى وقت كان «الآخرون» يتيحون لأبنائهم التهرب من الخدمة العسكرية.

يواجه نتنياهو معركة صعبة فى تل أبيب، لكنه يواجه معركة أصعب فى واشنطن. ومضت تلك الأيام التى كان يستطيع فيها الصدام مع ساكن البيت الأبيض ثم يذهب -بدون إرادة الرئيس الأمريكى- إلى الكونجرس ليستقبل استقبال الفاتحين من نواب لا يملكون إلا الخضوع لما يريده اللوبى الصهيونى قبل أى شىء آخر..

قبل أيام كان هناك تصويت فى مجل النواب الأمريكى حول منع المساعدات السنوية لإسرائيل (٣٫٣ مليار دولار) وتم رفض ذلك، لكن المفاجأة كانت أن نصف النواب الديمقراطيين (١٠٤ أصوات) صوتوا لصالح قطع المساعدات.. وهو أمر لم يكن ممكنًا تصوره حين كان التصويت لصالح إسرائيل يتم بدون معارضة تذكر، وكان الحديث ضدها يعنى «الإعدام السياسى» بكل معنى الكلمة.

الأقسى والأخطر كانت تصريحات نائب الرئيس الأمريكى «دى فانس» التى اتهم فيها إسرائيل بإدارة حملة سرية للتأثير فى الرأى العام الأمريكى وتخريب التفاوض مع إيران بهدف إطالة أمد الحرب وإبقائها مشتعلة إلى الأبد. مشيرًا إلى استخدام إسرائيل «المال السياسى» لتمويل حملات هجومية عليه شخصيًا. مؤكدًا أن رده على كل ذلك هو «اذهبوا إلى الجحيم.. سأفعل ما ينبغى فعله من أجل الشعب الأمريكى أولًا وقبل كل شىء».

ما يقوله «دى فانس» يفسر الكثير فى العلاقة بين واشنطن وحكومة نتنياهو حتى ولو لم يتطرق إلى التقارير الرسمية عن شبكات التجسس على الإدارة الأمريكية والبنتاجون لصالح إسرائيل فى الفترة الأخيرة، ولا إلى علاقة نتنياهو شخصيًا مع حملات اللوبى الصهيونى الأمريكى المعادية لإنهاء الحرب ولو على حساب أمريكا ومصالحها.. لكن الرسالة وصلت بالتأكيد.

نجحت إسرائيل بقيادة نتنياهو فى تحقيق ما كان مستحيلًا تصوره منذ سنوات قليلة الدولة المارقة لم تعد جزءًا من صناعة القرار الأمريكى، ولم تعد مصالحها فوق المصالح الأمريكية، ولم يعد الولاء لها شرطًا لممارسة السياسة فى أمريكا. الرجل الثانى فى أمريكا يقول علنًا لعملاء إسرائيل: اذهبوا إلى الجحيم، ونتنياهو يضطر لإلغاء زيارته لأمريكا.. ويستعد لمواجهة السقوط الأخير.