ست ساعات تقريبًا تفصل القاهرة عن دار السلام، مسافة قصيرة على خريطة الطيران، لكنها تطوى رحلة أطول فى التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة، فمصر لم تكن يومًا ضيفًا عابرًا على دول حوض النيل، بل شريك يحمل معه خبرة تراكمت على ضفاف النهر الخالد، ويتحدث بلغة مفرداتها ليست الشعارات، وإنما الطرق والجسور والسدود ومحطات الكهرباء وشبكات المياه، إنها لغة تبنى الثقة الحقيقية بين الشعوب، لأنها تلامس حياة الناس قبل أن تخاطب السياسة، وتؤكد أن ازدهار إفريقيا ليس حلمًا مؤجلًا، بل هدف مستحق يصنعه أبناؤها حين تتكامل الإرادة مع الخبرة، وتلتقى الرؤية بالتنمية.
ولذلك تأتى الزيارة التاريخية للرئيس عبد الفتاح السيسى لتنزانيا وحفاوة الاستقبال من جانب الرئيسة سامية حسن تتويجًا لجهد كبير بذلته مصر من أجل تطوير علاقتها بتنزانيا وكان أثر ذلك ظاهرًا فى كلمات الرئيسة التنزانية خلال المؤتمر الصحفى المشترك، حيث أكدت على تطلعها لزيارة مصر وتعزيز العلاقات السياسية الاقتصادية، مثمنة تواجد وفد من رجال الأعمال مع الرئيس وتطلع تنزانيا لجذب الاستثمارات المصرية فى كل المجالات وزيادة التبادل التجارى بين البلدين.
ووجهت الرئيسة الشكر للشركات المصرية على دورها فى تنفيذ مشروعات الطاقة داخل تنزانيا، وتطلعها للخبرة المصرية فى مجالات النقل والبنية التحتية والصحة والتعليم ونقل التكنولوجيا.
وكان تقديرها واضحًا للحضارة المصرية وأن الخبرات المصرية هى امتداد للمصريين القدماء بناة الأهرامات وهو ما يعكس نجاحًا كبيرًا للشركات المصرية وقدراتها غير المحدودة فى إنجاز المشروعات العملاقة داخل القارة الإفريقية.
والحقيقة أن رؤية الرئيس السيسى تثبت نجاحها خاصة فى ضرورة الانفتاح على إفريقيا وتعميق العلاقات من خلال مشروعات التنمية وانطلاق الشركات المصرية للعمل والتوسع فى دول القارة، وهى قوة ناعمة اقتصادية تستفيد منها مصر ودول القارة.
إفريقيا اليوم تختلف كثيرًا عن الأمس؛ فهى لم تعد تلك القارة المنسية فى حسابات السياسة الدولية، بل أصبحت ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى، فالولايات المتحدة تعود إليها من بوابة المعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد، والصين تواصل ترسيخ حضورها عبر الاستثمارات الضخمة ومشروعات البنية الأساسية، وروسيا بتواجدها التنموى والأمنى، بينما تسعى القوى الأوروبية إلى الحفاظ على نفوذها التاريخى فى مواجهة خريطة عالمية تتغير بسرعة، غير أن هذا المناخ، القائم على صراع المصالح، لا يصنع استقرارًا، ولا يؤسس لتنمية مستدامة.
وفى خضم هذا المشهد، تعود مصر مرة أخرى إلى جوار أشقائها، للمشاركة فى صناعة المستقبل، ودعم حق الشعوب الإفريقية فى التنمية والازدهار، فالقاهرة تدرك أن أحلام القارة لا ينبغى أن تتحول إلى رهينة لصراعات القوى الكبرى، أو إلى ساحة جديدة لاستنزاف الثروات عبر تغذية الانقسامات، سواء داخل الدولة الواحدة أو بين الأشقاء الذين تجمعهم الأرض الواحدة والنهر الواحد والمصير المشترك.
ولا ينطلق الانفتاح المصرى الكبير على تنزانيا وإفريقيا عمومًا من نقطة الصفر، بل يستند إلى تاريخ طويل من دعم حركات التحرر الوطنى، والمساهمة فى تأسيس العمل الإفريقى المشترك، ثم العمل الجاد على استعادة زخم العلاقات المصرية الإفريقية بعد سنوات من التراجع، وما صاحب أزمة السد الإثيوبى من حملات تشويه حاولت تصوير تمسك مصر بحقها المشروع فى مياه النيل باعتباره رفضًا لتنمية الآخرين.
وقد أثرت تلك الحملات، فى مرحلة ما، على الحضور المصرى داخل القارة، لكن القاهرة نجحت فى تجاوزها بالفعل لا بالقول، عبر التوسع فى مشروعات البنية الأساسية، وتعميق شراكاتها مع الأشقاء فى دول حوض النيل، لتؤكد أن الدفاع عن الحقوق التاريخية لا يتعارض مع دعم التنمية، بل يلتقى معها فى هدف واحد، هو أن تحقيق الاستقرار والازدهار حق أصيل لجميع شعوب القارة.
وفى تنزانيا، تتجسد شهادة إفريقية على نجاح النموذج المصرى؛ ذلك النموذج الذى يقوم على أن التنمية ومكاسبها ليست حكرًا على طرف دون آخر، وأن المنفعة المشتركة هى أساس أى شراكة ناجحة، وهذه هى السمة الأبرز فى التجربة المصرية لاستعادة ثقة الأشقاء فى حوض النيل، عبر مشروعات تنموية تعود بالنفع على شعوب القارة السمراء، وتؤسس لعلاقات أكثر رسوخًا واستدامة، قوامها أن المكسب الحقيقى هو المكسب للجميع.
ويبرز سد ومحطة «جوليوس نيريرى» باعتباره شاهدًا حيًا على نجاح الإرادة التنزانية والخبرة المصرية فى تحويل الفرص إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع يغير حياة الملايين، وتحولت الشركات المصرية الكبيرة مثل المقاولين العرب والسويدى من مجرد شركات مقاولات إلى سفراء للتنمية، يجسدون عمليًا رؤية القاهرة بأن الاستثمار فى إفريقيا هو استثمار فى مستقبل المنطقة بأسرها.
وخلال توليه رئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى أن مواجهة تحديات الإرهاب والفقر والصراعات والهجرة غير الشرعية فى إفريقيا لن تتحقق إلا بمعالجة جذور هذه الظواهر، وأن التنمية المستدامة هى السلاح الأكثر فاعلية فى هذه المواجهة. ومن هذا المنطلق جاء التحرك المصرى لتعزيز التكامل الاقتصادى، ونقل الخبرات التنموية، ودعم تنفيذ أجندة إفريقيا 2063 عبر مشروعات حقيقية على الأرض، تترجم الرؤى إلى إنجازات، والشعارات إلى واقع ملموس.
وهكذا تقدم التجربة المصرية فى إفريقيا نموذجًا يستحق التوقف أمامه؛ نموذجًا يحول العلاقات الدولية من معادلة تقوم على المكسب والخسارة إلى شراكات تنموية تقوم على المنفعة المتبادلة، وهى رؤية تعكس إدراكًا عميقًا بأن مستقبل مصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل إفريقيا، وأن الاستثمار فى تنمية القارة هو الاستثمار الحقيقى فى أمنها واستقرارها، وفى مستقبل المنطقة بأسرها.


جرائم إسرائيل.. فوق احتمال آخر الحلفاء!!
هل تستوعب إيران «حكمة السادات»؟
رفعت رشاد يكتب: عمنا محمد عبد القدوس





