بين الفوضى الخلاقة والواقعية السياسية..أحلام شرق أوسطية «٤»

إسلام عفيفى يكتب: نجاحات ملهمة وإخفاقات مؤلمة

إسلام عفيفى
إسلام عفيفى


منذ عقود طويلة، يقف الشرق الأوسط على خط النار، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتصطدم فيه مشاريع الهيمنة بشعارات السلام فى ظل هذا المشهد المضطرب، تتجلى معركة حقيقية بين مسارين متناقضين: مسار شراكات السلام التى تعيد بناء جسور الثقة والتنمية بين شعوب المنطقة، ومسار مشاريع الهيمنة التى تغذى الصراعات وتُفكك النسيج الإقليمي.

الصراع فى الشرق الأوسط لم يعد فقط على الأرض والموارد، بل أصبح صراعًا على العقول وسياسات مشاريع الهيمنة تسعى لتشكيل المنطقة وفق مصالحها، مستغلة الأزمات لإعادة رسم الخرائط وتفكيك الدول. فى المقابل، مصر تُظهر كيف يمكن أن تكون القيادة عقلانية واستراتيجية، من خلال العمل على تحقيق مصالحها القومية مع الحفاظ على سيادة الدول الأخرى إنها معركة لإثبات أن السلام يمكن أن يكون أقوى من الفوضى، وأن التعاون يمكن أن يتفوق على الهيمنة.

فى الجهة الأخرى من المعادلة، تقف مشاريع الهيمنة كعقبة كبرى أمام أى أمل فى تحقيق السلام الحقيقى هذه المشاريع تعتمد على تفكيك الدول وإضعاف مؤسساتها، وتحويلها إلى ساحات صراع تخدم مصالح أطراف خارجية.

الشرق الأوسط لم يعانِ فقط من الصراعات الداخلية، بل من التدخلات الخارجية التى زادت من تعقيد المشهد، التدخلات فى سوريا واليمن ليست سوى أمثلة على كيف يتم استغلال النزاعات الداخلية لتحقيق أجندات إقليمية ودولية. هذه المشاريع ليست مجرد محاولات للسيطرة السياسية، بل هى حروب طويلة الأمد تترك شعوب المنطقة غارقة فى دوامة الفقر والدمار.

 الشرق الأوسط الآن وليس غدا فى أشد الاحتياج إلى المحاولات الجادة لتأسيس شراكات سلمية تهدف إلى تجاوز إرث الحروب والانقسامات هذه الشراكات تتجلى فى مبادرات التعاون الاقتصادى ومشاريع التنمية التى تهدف إلى تحقيق التكامل بين دول المنطقة.

أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو منتدى غاز شرق المتوسط، الذى وضع مصر فى قلب شبكة إقليمية تهدف إلى استثمار الموارد الطبيعية بطريقة عادلة ومربحة لجميع الأطراف هذا المنتدى لم يكن مجرد اتفاق اقتصادي، بل كان خطوة استراتيجية نحو بناء استقرار دائم قائم على المصالح المشتركة.

لكن الإنجاز الأكبر كان فى استضافة قمة G8 فى القاهرة، حيث أظهرت مصر قدرتها على لعب دور محورى فى رسم معالم جديدة للتعاون الدولى القمة لم تكن فقط مناسبة لتعزيز شراكات اقتصادية مع الدول الكبرى، بل كانت رسالة للعالم بأن مصر ترفض أن تكون مجرد ضحية لصراعات القوى، وتصر على أن تكون صانعة مستقبلها بيدها.

مصر تفهم أن دورها يتجاوز حدودها الجغرافية، فهى ليست مجرد لاعب إقليمي، بل وسيط موثوق فى النزاعات الدولية، هى تبنى الجسور وليس الجدران، استضافتها لقمة G8 فى القاهرة، أظهرت قدرتها على جمع الأطراف المختلفة تحت مظلة التعاون المشترك، وتوجيه الأنظار نحو مستقبل يستند إلى الشراكة بدلاً من التنافس، هذا الدور يعكس رؤية مصر لعالم أكثر استقرارًا، ويضعها فى مركز السياسات الدولية باعتبارها نموذجًا للدولة التى تجمع بين القوة والدبلوماسية الحكيمة.

الشرق الأوسط شهد نجاحات ملهمة وإخفاقات مؤلمة فى رحلة البحث عن الاستقرار من جهة، هناك نماذج إيجابية تظهر كيف يمكن للتعاون أن يكون قوة دافعة للتغيير، فقد نجحت مصر فى تحويل تحدياتها الاقتصادية إلى فرص للنمو من خلال مشاريع قومية كبرى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروعات الطاقة.

لكن من جهة أخرى، هناك إخفاقات فى الإقليم تعكس تكلفة مشاريع الهيمنة على شعوب المنطقة 
اليمن وسوريا وليبيا كلها أمثلة على كيف يمكن للصراعات أن تدمر الدول وتحولها إلى كيانات هشة فاقدة للسيادة.

بينما تواجه المنطقة تحديات متزايدة، تبقى مصر ملتزمة برؤية مستقبلية تسعى إلى تحويل الأزمات إلى فرص من خلال مشاريعها القومية وشراكاتها الإقليمية والدولية، ترسل مصر رسالة واضحة: بناء المستقبل لا يكون بالهيمنة والسيطرة، بل بالعمل المشترك والاستثمار فى الاستقرار إنها رؤية تضع المسئولية على عاتق الجميع: الشعوب، الحكومات، والمجتمع الدولي، لتحقيق سلام دائم فى منطقة أنهكتها الصراعات.

فى النهاية، يواجه الشرق الأوسط خيارًا مصيريًا: إما أن يسير على طريق شراكات السلام التى تعزز التنمية والازدهار، أو أن يستسلم لمشاريع الهيمنة التى تغذى الصراعات وتُفكك الأوطان.

قمة G8 فى القاهرة كانت رمزًا لما يمكن تحقيقه إذا اختارت المنطقة التعاون على أساس المصالح المشتركة. لكنها أيضًا دعوة للتفكير فى المستقبل: هل نريد شرقًا أوسط يسوده السلام والشراكة، أم منطقة غارقة فى دوامة الصراعات والمصالح الضيقة؟

مصر، برؤيتها الحكيمة وشجاعتها السياسية، تقدم الإجابة إنها تقف كقوة بناء فى وجه الفوضى، وكصوت للعقل فى عالم يعج بالأصوات المتضاربة الشرق الأوسط يحتاج إلى قادة مثل مصر، قادة يدركون أن السلام ليس فقط غياب الحرب، بل هو وجود التنمية والاستقرار والكرامة للجميع.