الروائية ندى أعور جرار| الحرب الأهلية اللبنانية.. برواية «في مكانٍ ما.. بيتي»

■ غلاف الكتاب
■ غلاف الكتاب


كانت للحرب الأهلية اللبنانية، التي استمرت من 1975 وحتى 1990، تداعياتها الكارثية النفسية والاجتماعية والاقتصادية على اللبنانيين عامةً والمرأة اللبنانية خاصة، الأمر الذي دفع الكثير من الكاتبات اللبنانيات في لبنان والمهجر إلى مشاركة آلامهن عن طريق الكتابة ليس فقط باللغة العربية، ولكن أيضًا بالعديد من اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية، مثل الكاتبة ندى أعور جرار، وهدى بركات، وحنان الشيخ، وإيمان حميدان، وليلى بعلبكي، وإيتيل عدنان، وغيرهن.

من هذا المنطلق، يقوم هذا العمل بترجمة وتعريف القارئ العربي على واحدة من أعمال تلك الكاتبات، وهي رواية Somewhere, Homeأو في مكانٍ ما.. بيتي،والتي تمت كتابتها باللغة الإنجليزية للكاتبة ندى أعور جرار ونشرها للمرة الأولى عام 2003. وتجسد الرواية، من خلال معاناة الشخصيات النسائية في العمل، مفهومي الفجيعة والحرب وعلاقتهما بالأدب والمرأة.

كتبت الكاتبة ندى أعور جرار أكثر من عمل روائي بجانب في مكانٍ ما.. بيتي مثل أحلام من الماء عام 2007، والأرض الطيبة عام 2009، وملاذ غير آمن عام 2016. وتناقش معظم هذه الأعمال، إن لم تكن كلها، آثار الحرب الأهلية والمهجر. فازت رواية في مكانٍ ما.. بيتي بجائزة الكومنولث كأفضل كتاب على مستوى جنوب شرق آسيا وجنوب المحيط الهادئ، وتناقش الرواية معاناة المرأة اللبنانية خلال الحرب الأهلية وما أعقبها من نزوح ولجوء من خلال تجسيد الحالة النفسية لبطلات العمل الثلاثة: مايسة وعايدة وسلوى، بالإضافة إلى نماذج مختلفة من الشخصيات النسائية الأخرى في حياتهن.

◄ اقرأ أيضًا | رحيق السطور «وانتصرنا».. وثائق الصحافة المصرية فى ملحمة الكرامة

 

تناقش الكاتبة أثر المعاناة النفسية الناتجة عن الحرب الأهلية اللبنانية على الذاكرة والهوية لبطلاتها وشعورهن بالشتات والاغتراب، كما تناقش الكاتبة كيف أجبرت الحرب بطلات العمل الروائي على الانفصال التام عن الواقع، إما عن طريق لجوئهن إلى الهلاوس السمعية والبصرية والعيش في عالم خيالي من نسج خيالهن أو عن طريق لجوئهن إلى العزلة والانهزامية. تمر كل من الشخصيات الثلاثة في العمل بصراع داخلي بين الاستسلام إلى حنينها إلى الماضي والعيش الدائم مع ذكرياتها وأشباح من رحلوا، أوالاضطرار إلى مواكبة وتقبُل حاضر الحرب الأهلية والتغيرات الاجتماعية والثقافية التي أحدثتها في المجتمع اللبناني. وبالتالي تركت الكاتبة السؤال حول قدرة بطلاتها على تخطي صراعهن الداخلي، وكذا رؤيتهن لأنفسهن وتقبل ذاتهن بلا إجابة ومتروكة لخيال القارئ. وبين هذا وذاك تقدم جرار في روايتها مقارنة بين لبنان ما قبل الحرب الأهلية ولبنان ما بعد الحرب الأهلية، وبهذا تقدم للقراء السبب الحقيقي وراء معاناة شخصياتها النسائية وعدم تقبل واقع الحرب.

الإحساس بالاغتراب، والفقد، والعجز، والعزلة، والانهيار، ومحاولة مقاومة ما نتج من شتات نفسي هو ما يجمع الشخصيات في الرواية. إن كل الشخصيات النسائية في العمل الأدبي المُترجَم بلا استثناء تعاني من صدمة الحرب أو اضطراب ما بعد الصدمة في شكل معاناة نفسية تصل أحيانًا إلى الارتباك العقلي والهلاوس. فالحرب الأهلية في لبنان حطمت ما يعرف بالحواجز بين جبهة القتال والجبهة الداخلية، مخلفة بذلك للنساء في الجبهة الداخلية واقعًا أثقل كواهلهن وأجبرهن على رفضه عن طريق الهروب إلى الماضي، محطمات بدورهن الحاجز الزمني بين الماضي والحاضر أو ما يسمى أدبيًا بالشتات الزمني. استخدمت جرار الشتات الزمني أو التداخل العشوائي والمفاجئ بين الماضي والحاضر كآلية لقارئ روايتها تعكس بها الشتات النفسي لشخصياتها وعدم قدرتهن على المضي قدمًا في الحياة، فكل الشخصيات في العمل توقفت حياتهن في دائرة زمنية معينة أصبحن داخلها ولا يستطعن الخروج منها. استطاع القارئ من خلال هذه الآلية الأدبية أن يجد نفسه في دواخل الشخصيات المُشتتَة، يشعر بما تشعرن به ويمر بما تمررن به من ارتباك. وبهذا تمثل ندى أعور جرار فئة من الكاتبات اللاتي ابتعدن عن تصوير عنف الحرب الخارجي المنظور، ولكنهن تناولن في كتاباتهن المنظور النفسي للحروب، أي الدمار الداخلي غير المرئي.

تهدف ندى أعور جرار كمثيلاتها من الكاتبات اللبنانيات والعربيات اللاتي تكتبن أعمالهن الأدبية باللغات الأجنبية المختلفة إلى تغيير وضع المرأة العربية من الهامش إلى المركز في الأدب العالمي المعاصِر، وفي أدب الحروب خاصة، وذلك عن طريق تجسيد الدواخل غير المنظورة أو غير المألوفة لدى القارئ، مما أدى إلى وضعهن في مكانة ميزتهن عن غيرهن، وهذا إن يؤكد شيئًا فإنه يؤكد دور المرأة العربية كعامل أساسي في صنع التاريخ، فهي ليست بخارجه، كما يؤكد أن كفاح تلك الكاتبات العربيات أصبح جزءًا من الكفاح الإنساني لنشر السلام حول العالم في مواجهة عنف الحرب عن طريق الكتابة وإعطاء صوتٍ للمرأة العربية المُهمَشة في أدب الحروب خاصة، وبالتالي فإن عمل أدبي مثل في مكانٍ ما.. بيتيللكاتبة اللبنانية ندى أعور جرار هو عمل يستحق الترجمة إلى العربية حتى يتم تقديمه بكامل إبداعه إلى القارئ العربي.