بالألوان : «أسماء» تُعيد اكتشاف السندريلا فى ذكرى رحيلها

 لوحة للفنانه أسماء النواوى - ألوان زيتية على كانفس
لوحة للفنانه أسماء النواوى - ألوان زيتية على كانفس


د.طارق عبد العزيز

25 سنة مرت على رحيل سندريلا الشاشة العربية الفنانة سعاد حسنى (1943-2001)، والتى غادرت عالمنا فى 21 يونيو 2001، بعدما تركت إرثًا فنيًا وإنسانيًا لا يزال حاضرًا فى وجدان الجمهور المصرى والعربى حتى اليوم.
لم تكن سعاد حسنى مجرد نجمة سينمائية، بل ظاهرة فنية متكاملة امتلكت الحضور الطاغى وخفة الظل والقدرة الاستثنائية على تجسيد الشخصية المصرية ببساطتها وأحلامها وهواجسها..
وعبر عشرات الأفلام الخالدة، نجحت فى أن تصبح أيقونة للجمال والموهبة والتمرد، وأن تحجز لنفسها مكانة خاصة فى تاريخ السينما العربية، لتظل «السندريلا» التى لم تغب صورتها أو صوتها عن ذاكرة الفن العربى رغم مرور ربع قرن على رحيلها.
جذبت الفنانة الراحلة سعاد حسنى بموهبتها الآسرة وحضورها الاستثنائى، اهتمام العديد من الفنانين التشكيليين الذين سعوا إلى تجسيد ملامحها الإنسانية والفنية فى أعمالهم، ومن بينهم الفنان زهدى، ويوسف فرنسيس، ومصطفى حسين، وآخرون. كما قدمت الفنانة أسماء النواوى، لوحة تستلهم أحد مشاهد سعاد حسنى من أغنية «شيكا بيكا» التى كتب كلماتها الشاعر صلاح جاهين ضمن أحداث فيلم «المتوحشة» الذى أُنتج عام 1979، وقد شاركت أسماء بهذه اللوحة فى معرض «كادرات موازية» الذى أُقيم على هامش مهرجان السينما الأخير، حيث أعادت من خلالها استحضار الروح المرحة والعفوية التى تميّزت بها سعاد حسنى، والتى ظلت مصدر إلهام للفنانين بمختلف اتجاهاتهم.
تخرجت أسماء النواوى فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة جامعة العاصمة عام 2003، وتشغل حاليًا منصب أستاذ مساعد بالكلية، كما عملت لعدة سنوات فى نفس الدرجة الأكاديمية بالجامعة البريطانية، ولها مشاركات فنية واسعة فى العديد من المعارض المحلية والدولية.
تبدو هذه اللوحة وكأنها محاولة لاستعادة الجانب المسرحى والاستعراضى فى شخصية سعاد حسنى، عبر معالجة تشكيلية تمزج بين الواقعية التعبيرية والأجواء الحلمية الضبابية، وقد استلهمت الفنانة، المشهد من فيلم المتوحشة، لكنها لم تكتفِ بإعادة إنتاج لقطة سينمائية، بل أعادت صياغتها بصريًا داخل بناء تشكيلى أقرب إلى المشهد المسرحى الرمزى. تحتل سعاد مركز اللوحة فى تكوين هرمى واضح، مرتدية فستانًا أبيض يضىء المساحة المحيطة بها، وكأن الفنانة أرادت أن تجعل منها بؤرة الضوء والحياة فى مقابل الشخصيات الرمادية التى تحيط بها.. هذا التباين اللونى بين الأبيض الدافئ والدرجات الترابية والرمادية، منح الشخصية حضورًا دراميًا قويًا، ورسَّخ فكرة البراءة أو الحلم فى مواجهة عالم غامض ومقيَّد.
كما اعتمدت الفنانة على إيقاع حركى واضح فى أوضاع الشخصيات المحيطة، حيث تبدو الأجساد منحنية ومتحركة فى اتجاه البطلة، بما يخلق توترًا بصريًا وإحساسًا بالمراقبة أو الحصار النفسى، وتستدعى الملابس ذات الطابع المسرحى وأغطية الرأس المدببة، أجواء السيرك أو الكوميديا السوداء، وهو ما يتناغم مع عالم سعاد حسنى القائم على المزج بين البهجة والقلق الإنسانى الخفى.
من الناحية التقنية تبدو المعالجة اللونية التى نفذتها أسماء النواوى، ناعمة ومطفأة، مع استخدام شفافيات وتدرجات هادئة أضفت على المشهد طابعًا ضبابيًا حالمًا، وكأن الفنانة تستدعى حلمًا أو ذكرى بعيدة، أو مشهدًا عالقًا فى الذاكرة الجمعية، كما لعب الخط الزخرفى فى الخلفية، دورًا مهمًا فى إثراء السطح التشكيلى ومنح اللوحة بُعدًا زخرفيًا يوازن الكُتل البشرية الرمادية الثقيلة فى المقدمة.
وفى المجمل، نجحت اللوحة فى تقديم سعاد حسنى ليس فقط كنجمة سينمائية، بل كأيقونة بصرية وثقافية لا تزال قادرة على إلهام الفنانين رغم مرور كل هذه السنوات على رحيلها، حيث تحوَّلت داخل العمل إلى رمز للبراءة والحرية والحنين، بينما جاء المناخ العام مشبعًا بالشاعرية والغموض والبُعد المسرحى.. كما استطاعت الفنانة أن توظف عناصر التكوين واللون والإضاءة لتصنع حالة بصرية تتجاوز حدود المشهد السينمائى الأصلى، فتتحوّل الذاكرة الفنية هنا إلى مساحة للتأمل الإنسانى والوجدانى.. وقد بدا حضور سعاد حسنى داخل اللوحة أقرب إلى الحلم أو الطيف العابر، بما يعكس فكرة الغياب الممتزج بالبقاء فى الذاكرة الجمعية.. وتكشف اللوحة أيضًا عن وعى الفنانة بأهمية المزج بين الحس السينمائى واللغة التشكيلية، إذ لم تعتمد على النقل المباشر للمشهد، وإنما أعادت صياغته وفق رؤية معاصرة تقوم على الاختزال والإيحاء والبُعد الرمزى.