الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..
ترى الفنانة سهير عثمان، أن مصر ليست مجرد وطن تنتمى إليه، بل جزء أصيل من تكوينها الوجدانى، حتى إنها اعتادت أن تردِّد: «لست مصرية فحسب، بل شديدة المصرية».. فى تعبير يكشف عن عمق ارتباطها بهذه الأرض وعشقها لترابها، ومن هذا الإحساس الراسخ بالانتماء، جاء اختيارها عنوان «الهوية وأنا»، لمعرضها الأخير، الذى استضافته قاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا المصرية، ليكون مدخلًا بصريًا لتأمل العلاقة بين الذات والوطن.
فالهوية بالنسبة للفنان التشكيلى ليست شعارًا يُرفع، وإنما منظومة بصرية تتجسد فى اختياراته الجمالية، وفى مفرداته التشكيلية، وألوانه، ورموزه، وطريقته فى استدعاء الذاكرة والثقافة والمكان.. إنها البصمة التى تمنح العمل خصوصيته، وتجعله قادرًا على التعبير عن انتمائه الحضارى والإنسانى فى آنٍ واحد.
لطالما شَكَّل التراث الوطنى، منبعًا أساسيًا لإلهام كبار الفنانين فى العالم.. فلم يتعاملوا معه بوصفه مادة للمحاكاة، بل باعتباره مخزونًا بصريًا وثقافيًا أعادوا صياغته برؤى معاصرة، فقد استلهم «بيكاسو»، الفن الإيبيرى والإفريقى فى بناء لغته التشكيلية الجديدة، واستعادت «فريدا كاهلو»، الموروث المكسيكى فى أزيائها ورموزها وألوانها، بينما جعل «مارك شاجال»، الذاكرة الشعبية الروسية ركيزة لعالمه البصرى الحالم، وفى التجربة العربية والمصرية، استند عددٌ من الفنانين إلى الموروث المحلى والزخارف والحرف التقليدية لتأكيد خصوصية الهوية فى مواجهة النزعات الكونية التى قد تُذيب الفوارق الثقافية.
التُراث والحَداثة
وفى هذا السياق تنتمى تجربة الفنانة سهير عثمان إلى هذا الوعى الجمالى الذى يجعل من الهوية مصدرًا للإبداع لا قيدًا عليه، فهى لا تستدعى التراث المصرى بصورته المباشرة، وإنما تُعيد تفكيكه وإعادة بنائه داخل منظومة بصرية معاصرة، مستفيدة من تنوّع الوسائط الفنية التى تتقنها، فقد قدمت أعمالًا فى طباعة «السلك سكرين» كشفت عن قدرة لافتة على توظيف العلاقات اللونية والإيقاعات الشكلية، كما أنجزت أعمالًا نسجية تؤكد تمكّنها من تقنيات النسيج الفنى، حيث تحولت الخامة نفسها إلى وسيط تعبيرى يحمل دلالات الذاكرة والاستمرارية والتجذّر فى البيئة المصرية، ويُضاف إلى ذلك قدرتها على توظيف الخط العربى بوصفه قيمة تشكيلية وجمالية تتجاوز وظيفته اللغوية.. إذ تتحول الحرف فى أعمالها إلى عنصر بنائى نابض بالإيقاع والحركة، يسهم فى إثراء التكوين البصرى وتعميق دلالاته الرمزية، مستحضرًا أحد أبرز مكونات الهوية الحضارية العربية والإسلامية، وبهذا التنوّع فى الوسائط والتقنيات لا يصبح اختلاف الخامة غاية فى ذاته، بل أداة لتوسيع آفاق التعبير عن الهوية المصرية، وإعادة إنتاجها بصريًا فى صياغات معاصرة تجمع بين أصالة المرجع وابتكار المعالجة، بما يمنح أعمالها خصوصية تنبع من قدرتها على الموازنة بين التراث والحداثة، وبين الذاكرة والرؤية الإبداعية.
عُمق أكاديمى
تستند تجربة سهير عثمان إلى خلفية أكاديمية ومهنية راسخة، فقد تخرجت فى قسم طباعة المنسوجات بكلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان «العاصمة حاليًا»، ثم واصلت مسيرتها العلمية حتى نالت درجة أستاذ التصميم، لتجمع بين الممارسة الإبداعية والبحث الأكاديمى فى آنٍ واحد، وشغلت عددًا من المواقع الثقافية والأكاديمية البارزة، من بينها مقرر لجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة، كما تتولى حاليًا، عمادة المعهد العالى للفنون التطبيقية بالقاهرة الجديدة، وعلى امتداد مسيرتها أقامت العديد من المعارض، وحصدت عددًا من الجوائز المرموقة، فى مقدمتها جائزة الدولة التشجيعية فى الفنون عام 2005، ثم جائزة الدولة للتفوق فى الفنون عام 2016، بما يعكس مكانتها بوصفها إحدى التجارب المصرية التى نجحت فى المزج بين العمق الأكاديمى والتميّز الإبداعى، وتقديم رؤية تشكيلية تنطلق من الهوية المصرية فى صياغة معاصرة.
سردية الهوية
تبدو هذه اللوحة امتدادًا لانشغال سهير عثمان بسؤال الهوية، عبر بناء بصرى كثيف تتداخل فيه الرموز الحضارية والزخارف والإيقاعات اللونية فى نسيج واحد، وتتصدر الأهرامات التكوين بوصفها أيقونة للخلود والهوية المصرية، بينما يشق المركب الفرعونى فضاء اللوحة رمزًا للرحلة والاستمرارية وتجدّد الحياة، فى استحضار للمعتقدات المصرية القديمة، ويكتمل هذا المشهد بحضور الشخصيات النسائية الفرعونية، التى تجسِّد المرأة بوصفها وعاءً للذاكرة ورمزًا للخصب والاستقرار، فيما تتشابك الزخارف النباتية ذات الطابع الإسلامى مع هذه العناصر لتؤكد وحدة الموروث الحضارى المصرى وتواصله عبر العصور، ويضطلع اللونان الأزرق والذهبى بدور دلالى بارز، فالأزرق يستحضر النيل والسماء والبُعد الروحى، بينما يرمز الذهبى إلى الخلود والثراء الحضارى، فى حين يسهم تراكب المستويات البصرية والإيقاعات الزخرفية فى تحويل المفردات التُراثية من مجرد رموز تاريخية إلى لغة تشكيلية معاصرة تنبض بالحياة والهوية.

مشهد الطائرة الأصعب فى الفيلم
ليلى علوى: «ابن مين فيهم» كوميديا «من لحم ودم»
مزيكا:«الهضبة» و«تامر» و«حماقى» و«سعد» نجوم «يلا ساحل»





