بين الظهور والاختفاء تكون حالة تُعرف بـ «الكمون»، وهى أخطر من المواجهة المباشرة، لأنها تراهن على الزمن وضعف الذاكرة، ومن يتأمل تاريخ جماعة الإخوان يدرك أن هذا كان نهجها، فكلما ضاقت أمامها المساحات توارت، وكلما تهيأت الظروف عادت، لذلك، فالسؤال ليس: أين الجماعة الآن؟ بل: ماذا تبقى من مشروعها بعد كل ما تعرض له من سقوط؟
دفعت مصر ثمنًا باهظًا خلال سنوات الفوضى، سالت الدماء، واهتز الاقتصاد، وتعرض المجتمع لاختبارات قاسية، ولا يجوز التعامل مع تلك المرحلة باعتبارها صفحة من الماضى، تُطوى دون مراجعة، فالدول التى تنسى محنها تكرر أخطاءها، والشعوب التى لا تستوعب دروس التاريخ، تفتح أبواب المستقبل للمفاجآت.
وكان خروج الإخوان من المشهد السياسى نتيجة طبيعية لسعيها إلى اختزال الدولة فى الجماعة، واستبدال هوية الوطن وثقافته بأيديولوجيا التنظيم، وواصل قادتهم حملاتهم المعادية، وكأن الخيانة لديهم «وجهة نظر».
أما الديمقراطية، فلم ينظروا إليها باعتبارها منظومة تقوم على التعددية وتداول السلطة واحترام نتائج الصندوق، وإنما اعتبروها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، وحين بلغوه، ضاقوا بالرأى المخالف، وغاب عنهم أن استقرار الدول لا يقوم إلا على احترام المؤسسات وسيادة القانون ونبذ العنف.
وتجربة مصر معهم كانت قاسية، فبعد أن أعلنوا مراجعاتهم الفكرية داخل السجون خلال ثمانينيات القرن الماضى، عادوا عقب أحداث الخامس والعشرين من يناير ليتنصلوا منها، ويعيدوا إنتاج الخطاب ذاته، بل وصل الأمر إلى تبرير اغتيال الرئيس السادات، رغم أنه كان صاحب القرار الذى أخرجهم من السجون.
ومنذ نشأة الجماعة، ظل الخداع أحد أبرز أدواتها، فلم تهادن نظامًا إلا وانقلبت عليه، ولم تلتزم بعهد إلا نقضته، وجاء وصولهم إلى الحكم محاطًا بخطاب مضلل، بينما كانت الأرض تمتلئ بدماء الشهداء من أبناء الجيش والشرطة، وواجه المصريون جماعة استهدفت مؤسسات الدولة، وتعاملت مع رجالها باعتبارهم خصومًا لا أبناء وطن.
ولم يدرك الإخوان أن الشعب الذى منحهم الفرصة قادر أيضًا على سحبها منهم، أغرتهم السلطة، وخدعتهم أوهام القوة، وظنوا أن الدولة يمكن أن تُختطف، لكن المصريين أثبتوا أن الدولة أكبر من أى جماعة، وأن الشرعية تُكتسب بثقة الشعب وتحافظ عليها الممارسة الرشيدة.
وفى الثلاثين من يونيو، انحاز ملايين المصريين إلى الدولة الوطنية، بينما اختارت الجماعة طريق التصعيد والعنف والإرهاب، معتقدة أن مؤسسات الدولة ستنهار تحت الضغط، لكن حساباتها اصطدمت بصلابة الدولة، فسقط الرهان، وبقيت مصر.
أثبتت التجربة أن الأوطان لا تهزمها المؤامرات بقدر ما يهزمها النسيان، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو التعامل مع ما جرى باعتباره فصلًا انتهى، فالتاريخ يعيد أخطاء من لا يتعلمون منه، ومصر من حقها أن تجعل من تلك التجربة درسًا يحمى حاضرها، ويصون مستقبلها، ويؤكد أن الدولة الوطنية ستظل أقوى من أى مشروع يتخذ من الدين وسيلة للوصول إلى السلطة.



مصطفى عبده يكتب: هل نعيش أسرع مما ينبغي؟
العلماء.. وتغير المناخ (٢/٢)
اختراق المجتمع «2»









