د. محمد شومان
الصورة فى زمن الحرب.. شاهد «ما شافش حاجة» أم سلاح فى المعركة.. أخلاقيات نشر المواد المرئية فى الحروب وحدود تأثيرها فى عصر الذكاء الاصطناعى.
تثير صور الحروب فى منطقتنا معانى ورموزاً عميقة، وتحدث تأثيرات نفسية واجتماعية بعيدة المدى، فضلاً عن دورها فى تشكيل الوعى بالحرب ذاتها. غير أن أثر نشر هذه الصور ليس ثابتاً أو آلياً، فهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمضمون الصورة وسياقها، وبطريقة تفسير المشاهد لها. فالصورة ليست مجرد انعكاس محايد للواقع، بل هى فعل ثقافى محمل بالمعانى.
يمكن النظر إلى الصور والفيديوهات بوصفها «تكنولوجيا للنظر». والنظر نفسه فعل ثقافى يخضع لقواعد تحدد ما يُنظر إليه وكيف يُنظر. والصورة نظام مشفر غنى بالدلالات؛ بنظرة واحدة تنقل الصورة كماً هائلاً من المعانى دفعة واحدة. لكن هذه المعانى ليست واحدة عند الجميع، بل تختلف باختلاف المشاهد وخلفيته الثقافية والسياسية. ومن هنا يتأكد أن الصورة الفوتوغرافية أو المرئية ليست منتجاً تقنياً صرفاً، بل نتاج عملية ثقافية واجتماعية معقدة.
والمفارقة التى كشفتها الدراسات الحديثة أن كثرة صور الدمار والدماء قد لا تُحدث الأثر المتوقع. فبدلاً من أن تثير الغضب أو الرحمة، قد يخلق حالة من الاعتياد أو «التبلد العاطفى»، فيتعايش الجمهور مع مشاهد الحرب، خاصة إذا طال أمدها وتكررت صورها يومًا بعد يوم. ومع مرور الزمن يتلاشى تأثير معظم الصور فى الذاكرة الجماعية، ولا يبقى منها سوى عدد قليل يتحول إلى رموز عامة للإنسانية أو للجريمة. ولا تستطيع الصور والفيديوهات وحدها أن تشرح الحدث أو تنقل الحقيقة كاملة. فالجيوش تفرض قيوداً صارمة على التصوير، وتمنع الأفراد من توثيق المعارك بهواتفهم، وتراقب ما يُبث. لذا يعد البث المباشر للقتال فى كثير من الأحيان تزييفاً متقناً؛ فطواقم التصوير لا تستطيع الاقتراب من ساحات القتال الحقيقية أثناء القصف الجوى أو الصاروخى. وما يقال عن بث مباشر للعمليات الحربية ليس الحرب نفسها، وإنما الرواية التى سمحت بها الأطراف المتحاربة أو أنتجتها ضمن استراتيجيات الدعاية والحرب النفسية. لأن البث المباشر يخضع لعمليات انتقاء وإخراج وتوجيه، وبالتالى فهى ليس مرآة شفافة تنقل الواقع بأمانة.
يضاف إلى ذلك دور «حراس البوابة» داخل المؤسسات الإعلامية. هؤلاء يقررون ما ينشر وما يحجب من مشاهد دموية أو مواقع استراتيجية حساسة. وقد تخضع قراراتهم لاعتبارات شخصية أو تحيزات سياسية. أما اليوم فقد أصبح حراس البوابة أكثر صرامة، لأنهم خوارزميات وبرامج بلا مشاعر تراقب ملايين الصور والفيديوهات، وتنشر أو تمنع وفق مصلحة من يمتلكها ويبرمجها، وهو ما يمنح شركات التكنولوجيا العالمية تأثيراً غير مسبوق فى تشكيل السرديات البصرية للحروب.
ومع ذلك، فإن تمثيل الحروب بالصور يجعل الصراعات البعيدة معروفة للجمهور، ويدفعه إلى التعاطف مع الضحايا والمشاركة الوجدانية. غير أن هذه المشاعر تبقى هشة وغير مستقرة إذا لم تتحول إلى مواقف وأفعال سياسية. وعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن صور الحرب تساهم فى وقفها، كما حدث جزئياً فى حرب فيتنام، يرى بعض الباحثين أنها قد تدعم أحياناً الرغبة فى استمرار القتال. ويستشهدون بتجارب ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى وإسبانيا فى حربها الأهلية.
وأثبتت الدراسات أن نشر صور القتلى والجرحى يؤثر بقوة فى مدى تأييد الرأى العام الأمريكى للحروب الخارجية فى فيتنام والصومال والعراق وأفغانستان. لكن الصور والفيديوهات لم تؤثر حتى اليوم فى الحرب الأمريكية الإيرانية ربما لقلة عدد القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين، إن الصورة أو الفيديو هو سلطة تستطيع أن تثبت أو تنفى الأحداث، من هنا يخاف متخذ القرار السياسى والعسكرى من نشر صور تثبت عدم صدق تصريحاتهم. والإشكالية هنا أن بعض الصور والفيديوهات يجرى تزييفها أو اختلاقها بواسطة الذكاء الاصطناعى مما يهز من مصداقية الصور كسلطة إثبات أو نفى ويثير معارك حول الصور كسلاح فى الحروب، وأهمية استخدام برامج وتطبيقات ذكاء اصطناعى للتدقيق فى صحة المواد المرئية.
فى النهاية، ليست الصورة بريئة، كما أنها ليست مذنبة بطبيعتها، فهى تحمل دائماً وجهين متناقضين ومعانى ودلالات متضاربة. فقد تكون صرخة توقظ الضمير الإنسانى وتدفع إلى وقف الحرب، وقد تصبح شرارة تشعل الكراهية وتبرر استمرار القتال. وعلينا أن نتذكر دائماً أن الصور والمواد المرئية ليست مجرد مرآة للحرب، بل قد تصبح أحد أسلحتها. وبين قوة التأثير ومسئولية الاستخدام، يبقى الرهان الحقيقى على إعلام مهنى، وجمهور واعٍ، وتقنيات قادرة على التحقق من صدقية الصور، حتى تنتصر الحقيقة على الدعاية، والقيم الإنسانية النبيلة على الكراهية والحرب والدمار.



اجيب لك إيه معايا ؟
الشمس لا تشرق على غزة
ذاكرة مصر بالصوت والصورة









