فواصل

الشمس لا تشرق على غزة

اسامة عجاج
اسامة عجاج


 

 تجيد الإدارة الأمريكية وتنجح، فى اختيار المصطلحات التى تطلقها على مشاريعها، وأيضًا الترويج لها، وتصدرها كما لو كانت فتحًا جديدًا، قادرًا على إحداث نقلة نوعية، والمثال الأبرز على ذلك، إطلاق اسم (شروق الشمس) على مشروع إعادة إعمار قطاع غزة، منذ ديسمبر الماضى، يومها تحدث ترامب عن (ريفيرا جديدة)، وفنادق سبع نجوم،على الشواطئ الأجمل، مرت أشهر، وتشكلت لجان، ولكن الأمور ظلت على حالها، بل ساءت أكثر وأكثر، المأساة الإنسانية تتفاقم، الحصار كما هو، والمنع مستمر لدخول المواد الغذائية والمستلزمات الصحية وحتى مواد البناء، والاعتداءات الإسرائيلية ارتفعت معدلاتها، وقوافل الشهداء والمصابين تزيد، أما المشروع نفسه، فتحول إلى وهم من الأوهام، التى تروج لها واشنطن، وكأن (الجبل تمخض فولد فأرًا)، مجرد مشروع تجريبى، فى مخيم يضم عددًا محدودًا من السكان، تحت حكم إدارى وشرطة فلسطينية، بمعاونة قوة استقرار دولية، يتم العمل على إدخالها خلال هذه الأيام بموافقة وتنسيق مع إسرائيل، ودعونا نشر إلى أن العام الماضى، حفل باهتمام واسع على مستويات مختلفة عربيًا ودوليًا، عن آلية إنهاء مأساة الإبادة الإنسانية فى غزة وكيف نتشارك فى تعميرها، وظهر بالفعل مشروعان لإعادة الإعمار، مصرى وأمريكى، والأمر يحتاج إلى مزيد من التفاصيل لكل منهما: 
الأول الرؤية المصرية: سيذكر التاريخ أن مصر بحكم الجوار الجغرافى والعلاقات التاريخية بين مصر والقطاع، وباعتباره جزءًا أصيلًا من الأمن القومى، عملت على إعداد مشروع متكامل بعد دراسة متأنية وتفصيلية لكل أبعاد الأزمة فى القطاع، قامت عليه أجهزة متخصصة عديدة، تم الإعلان عنها فى قمة مارس العربية من العام الماضى، كان من بين أسسها التأكيد على بقاء الشعب الفلسطينى فى أرضه، فى مواجهة دعوات ترامب بتهجير الفلسطينيين، حيث تتضمن توفير سكن مؤقت للنازحين، لحين الانتهاء من الإعمار، فى سبعة مواقع تم تحديدها بدقة تستوعب مليونًا ونصف مليون فلسطينى، وتضمن المشروع برنامجًا للتعافى المبكر يستمر ستة أشهر بتكلفة ٣ مليارات دولار، ومرحلتين الأولى بتكلفة ٢٠ مليار دولار، وتهدف إزالة الأنقاض وبناء مساكن جديدة وإعادة تشغيل المرافق العامة، بتكلفة عشرات المليارات، والثانية لمدة عامين ونصف العام بتكلفة ٣٠ مليار دولار، بإجمال ٥٣ مليار دولار وتستغرق العملية خمس سنوات، مع وضع حل وتقديم إجابة عن من يحكم غزة، بتشكيل لجنة مستقلة مكونة من عناصر من التكنوقراط، بدون أى انتماءات سياسية، وتعمل تحت مظلة السلطة، وطرح المشروع إنشاء صندوق دولى لإعادة الإعمار، بإدارة مشتركة من مؤسسات دولية وبنوك تنموية، والدعوة إلى مؤتمر دولى لدعم جهود إعمار القطاع والتعافى، المبكر، وحددت له شهر نوفمبر الماضى. 
المشروع الأمريكى: نجح ترامب فى تمرير خطته لوقف العدوان الإسرائيلى على غزة، وتضمنت ٢٠ بندًا، ودخلت المرحلة الأولى منها حيز التنفيذ فى العاشر من أكتوبر الماضى، وأضفى عليه شرعية دولية عبر قرار مجلس الأمن رقم ٢٨٠٣، القاضى، بتشكيل مجلس للسلام فى قطاع غزة، له الحق فى إنشاء كيانات تنفيذية، ومنها لجنة تشكيل لجنة إدارة غزة، وقوة الاستقرار الدولية، ونفذت تل أبيب بعض بنودها، بما يتناسب مع مصالحها وأهدافها، دون أدنى نية للاستمرار فى بقية المراحل، وفيما يخص مشروع إعادة إعمار قطاع غزة، فقد قام كوشنر بالإعلان عن أول التفاصيل فى مؤتمر دافوس يناير الماضى، لما أسماه غزة الجديدة، أو مشروع شروق الشمس، بتكلفة تتجاوز ١١٢ مليار دولار على مدى ١٠ سنوات، وتساهم فيه أمريكا بـ ٢٠ بالمائة، يومها استخدم كوشنر أدوات ووسائل عرض، كما لو كنا أمام مشروع عقارى ضخم، عبر خرائط بالألوان لمناطق مخصصة للتطوير السكنى والمجمعات الصناعية، وساحل غزة الذى لا يختلف عن الموجودة فى دبى وسنغافورة، وتفادى كوشنر الحديث عن مصير سكان القطاع الذين سيفقدون منازلهم، وأعمالهم وسبل العيش، المشروع بكل تفاصيله خارج المنطق والعقل، قد يفيد فى أى مكان آخر غير قطاع غزة. لم يكن خافيًا على أحد، أن واشنطن تسعى على الدوام إلى تصدر المشهد السياسى الدولى، بما يتناسب مع السمات الخاصة والشخصية للرئيس ترامب. وكان طبيعيًا فى ظل هذه الحقيقة، أن ترفض أمريكا الخطة المصرية مرتين، بعد إعلانها مباشرةً، واعتبرتها تتجاهل حقيقة أن القطاع غير صالح للسكن، والثانية فى يناير الماضى عندما وقف كوشنر فى تبجح، ليقول ليس هناك أى مشاريع لإعمار غزة سوى الأمريكى، وكان من الواقعية السياسية، أن القاهرة لن تدخل فى تنافس أو سباق مع واشنطن، حول هذا الملف، فالمهم لديها إنهاء المأساة التى يعيشها القطاع.  ولعل من المنطقى أن نتساءل، عن ماذا حققته واشنطن ومشروعها، بعد مرور ستة أشهر، الحقيقة أننا أمام مأساة حقيقية، حيث تراجعت الخطة من مخطط يستوعب أكثر من مليونى فلسطينى، إلى مجرد (مشروع تجريبى) محدود فى جنوب غزة، يضم مخيمًا مؤقتًا لعدد محدود من النازحين، مع إدارة فلسطينية وشرطة وقوة أمنية دولية محدودة، لن يتم تنفيذه قبل نهاية هذا العام، والحجة المقدمة تعبير عن عجز كامل واعتراف بغياب الإرادة السياسية لدى الطرف الأمريكى، الذى يرى فى ذلك، إبقاء شيء ما قائمًا خوفًا، من أن التوقف الكامل للمشروع، والذى يعنى - وفقًا للرؤية الأمريكية - فتح الطريق أمام جهات أكثر تطرفًا، مع أن نتنياهو هو عنوان التطرف، فهناك توقعات بذهابه إلى تصعيد عسكرى جديد، فى محاولة لتعزيز حظوظه فى انتخابات أكتوبر القادم، مع استمرار تقدم القوات الإسرائيلية فى عدة مناطق داخل القطاع، وتوسيع المنطقة العازلة، حيث يسيطر على ٦٠ بالمائة وأعلن نتنياهو رفعها إلى ٧٠ بالمائة. وقد بدا بالفعل العمل على بدء تنفيذ المنطقة التجريبية، حيث أوشكت الأعمال من الانتهاء لبناء قاعدة لوجستية قرب معبر كرم أبو سالم، لتخزين المركبات والمعدات اللازمة للقوة، والتى تضم عددًا محدودًا لا يتجاوز ٢٠٠ جندى وضابط مغاربى ومن كوسوفو، التى ستحمى المشروع التجريبى، وبالطبع حتى الآن أن لم تبدأ حتى الآن إنشاء المخيم، وسط مخاوف فلسطينية من تكريس واقع جديد، وخطوة انتقالية وقد يتحول إلى نموذج دائم.
أخيرًا، لا أعرف من الذى أقنع واشنطن، بفكرة الهروب إلى الأمام، والتهرب من المسئولية، ببدعة المناطق التجريبية، بدأتها فى لبنان، وامتدت بها إلى غزة، وهى تدرك أنه ترحيل للأزمة، بعد العجز عن حلها.