السّماح عبد الله
مل دنقل شاعر واضح، بل شديد الوضوح، وقصائده تخلو تماما من الضبابية والإعتام، هو ابن الثقافة العربية فى تجلياتها المباشرة، غير أن وضوحه الفنى هذا لم يكن يخلو من الجماليات التى تفرد بها بين شعراء جيله، من حيث حدة العبارة، وفرادة اللغة، والحرص على القافية التى تؤكد المعنى الجمالي، ولا تخاصم المقصد البيانى للغرض المقصود، الأمر الذى جعل كثيرا من سطوره الشعرية مقولات يحفظها محبو الشعر، وكأنها المثل الذى يستشهد به وقت الحاجة، أو القول المأثور السيار على ألسنة العشاق والثوار.
هذا الوضوح هو الذى قصر المسافة بينه وبين المتلقي، فعبارته الشعرية لا تحتاج إلى مفسر أو شارح، لأنها تحمل فى طياتها أسباب نزولها:
لا تصالح على الدم.. حتى بدم
لا تصالح ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواء؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟
أعيناه عينا أخيك؟
وهل تتساوى يدٌ سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟.
حتى قصائده التى ارتدى فيها أقنعة من التراث العربى أو الروماني، أو حتى تلك التى ارتدى فيها أقنعة من التراث الشعبي، لم تكن تستعصى على القراء، فيكفى أن تعود إلى أحد كتب أيام العرب لتعرف من هى زرقاء اليمامة، الشوافة التى تنبأت فلم يصدقها قومها، لتقف على جماليات قصيدته (البكاء بين يدى زقاء اليمامة)، ويكفى أن تشاهد فيلم سبارتاكوس لتفك مفاتيح قصيدته (كلمات سبارتاكوس الأخيرة).
الناقد الدكتور لويس عوض مصرى من مفرق شعره حتى أخمص قدميه، وقد نظر فى أحوال الشعراء المصريين، ولاحظ أنهم بعيدون تماما عن تراثهم الحقيقي، رغم اعتراف العالم كله به واندهاشهم من أسراره المغلقة، وكان يسألهم كيف تتركون إرثكم الذى يبهر الدنيا كلها وتنصرفون لإرث الإغريق الأوروبي، ولإرث العرب البدوي؟.
أمل دنقل أعجبته الفكرة، خاصة أنه كان يمثل ركنا ركينا فى ما كان يعرف فى الأوساط الأدبية بـ "كتيبة الأهرام الشعرية" التى كونها لويس عوض وكان ينشر لأعضائها فى الملحق الأدبى بشكل دوري، وكان من أبرز أسماء هذه الكتيبة بدر توفيق ومحمد إبراهيم أبو سنة وكمال عمار، فقرر أن يكتب قصيدة تحقق هذه الفكرة، والحقيقة أن الشاعر يمكن له ببساطة أن يذهب إلى قصيدته مع سبق الإصرار والترصد، فالشعراء العرب كانوا يفعلون ذلك، ولم يكونوا ينتظرون هبوط الوحى عليهم كما هو شائع، بل إن اسم (القصيدة) أطلق على العمل الشعرى لأن الشاعر يقصد إليها قصدا، وهكذا قصد أمل دنقل إلى قصيدته قصدا، قرأ فى التراث الفرعوني، واختار قصة الأخوين باتا.
الحقيقة التى لا جدال فيها هى أن الأساطير الفرعونية لم تنجح كثيرا فى استثارة الشعراء لاستلهامها، ربما لاعتمادها على تفاصيل كثيرة، وربما لتداخل الكثير من الحكايات فى حكاية واحدة، وربما لأنها مزدحمة بما لا يقبله المنطق، مثل أنسنة الأشياء، فالأشجار تتكلم والحيوانات تنطق بالحكمة، والميت يعود للحياة، والآلهة تتصارع من أجل نصرة رجل أو هزيمة امرأة، وربما تكون حكاية إيزيس وأوزوريس هى الأسطورة الوحيدة التى استلهمها الشعراء، ويبدو أنها أثرت فيهم من أجل قيمة الوفاء التى امتازت بها إيزيس التى قامت بتجميع أعضاء حبيبها بعد تقطيعه إلى أشلاء من قبل عدوه اللدود ست، وإعادته للحياة، ومن القصائد الجميلة التى استلهمت هذه الحكاية قصائد الشعراء صلاح عبد الصبور وحسن فتح الباب وفولاذ عبد الله الأنور.
بعد أن كتب أمل دنقل قصيدته التى قصد إليها قصدا (الوقوف على قدم واحدة) قرأها على أصدقائه فى جلساتهم الخاصة، فاستغلقت عليهم، ولم يستطيعوا أن يقولوا فيها قولا يشفى غليل الشاعر، بل إن الشاعر بدر توفيق سأله:
وماذا تقصد بالعقرب الأسود؟ وكيف جعلته يلدغ الشمس؟
والناقد عبد المنعم تليمة سأله:
أصلا من هو الواقف على قدم واحدة فى القصيدة، هل هى المرأة التى تنسى حزام خصرها، أم أحد الأخوين؟
فذهب بقصيدته للويس عوض الذى ما إن استمع إليها حتى سأله:
ما كل هذه الألغاز التى تشيع فى النص؟
عندما أوضح له أمل دنقل مقصده من القصيدة، أعاد لويس عوض قراءة القصيدة مرة أخرى، لكن موقفه منها لم يتغير، فنظر إلى أمل دنقل وقال له بوضوح:
ارجع إلى أقنعتك العربية والإغريقية، فهى تصلح لك، وأنت تصلح لها.
تقول عبلة الروينى عن هذا الموقف فى كتابها الجنوبي:
حاول أمل دنقل فى كتاباته الأولى استخدام الأساطير الفرعونية، فكتب قصيدة عن الأخوين باتا ولما قرأها على الدكتور لويس عوض وهو من أكثر المتحمسين لفرعونية مصر سأله عما يريد قوله، فوضحه له، فتنبه الدكتور لويس، وتعقب قائلة: كان أمل دنقل كثيرا ما يشير إلى هذه الواقعة، فى معرض حديثه عن توقفه عن استخدام التراث الفرعوني، لقد تيقن بأنه تراث لا يحيا فى وجدان الناس وليس له أرضية وعمق يمكن استخدامه.
قصة الأخوين باتا
أما قصة الأخوين باتا فهى تحكى عن امرأة لعوب تفرق بين الأخوين بادعاء كاذب، فإنبو هو الشقيق الأكبر لباتا والذى كان يرعاه ويعامله كابنه، ولما كان الشقيق الأكبر متزوجا، فقد كان باتا يبيت فى حظيرة المواشي، وقد أرسل إنبو أخاه ليحضر له البذور من البيت، فأعجبت الزوجة اللعوب بالشاب الوسيم، وتعرضت له قائلة: هيت لك، فينهرها باتا مذكرا إياها بأنها فى منزلة أمه، وبأن أخاه رب البيت فى منزلة أبيه، (سوف تتكرر هذه الحكاية مع النبى يوسف فى قصته الشهيرة مع زليخا)، لكن الزوجة تخبر زوجها بما حدث بعد أن تغير أحداث الحكاية لصالحها مدعية أن باتا هم بها فنهرته مذكرة إياه بأنها مثل أمه، وأنهت حديثها بأنها ليست مستعدة أن تعيش فى الدنيا إن لم يقتل أخاه، فيغلى الدم فى عروقه، ويمسك خنجرا وينتظره وراء باب الحظيرة ليفتك به، لكن البقرات اللواتى كان يقودهن باتا تنبهن للأمر، فكلمن باتا بلغة يفهمها بأن أخاه ينوى أن يغدر به، وكان رع قد علم باتا لغة الطير والحيوان، (سوف تتكرر هذه الحكاية مع النبى سليمان الذى علمه الله منطق الطير) فيفر من أمام أخيه، ويجرى وراءه أخوه وهو يتوعده، ثم ألقى باتا بوصة على الأرض فاستحالت إلى نهر عظيم تسبح فيه التماسيح، (سوف تتكرر هذه الحكاية مع النبى موسى بشكل معكوس فالنبى موسى سيشق البحر ويصنع طريقا، وباتا سيشق الطريق ويصنع بحرا) وينظر لأخيه ليحكى له الحقيقة، قائلا له إن كنت لا تصدقنى الزم مكانك حتى يطلع رب الشمس ونحتكم إليه، ويتجلى الرب رع ليظهر الحقيقة، غير أن باتا إمعانا فى الإخلاص، يمسك بوصة حادة ويقطع بها عضوه الذكرى ويلقى به فى النهر معلنا أنه زاهد فى النساء إذا كن مثل زوجة أخيه الخائنة، ثم قال له: سأذهب إلى وادى الأرز وعليك أن تسرع إلى مساعدتى إذا علمت أن سوءًا ألم بي، فلسوف أنتزع قلبى وأضعه فوق شجرة أرز، فإن حدث أن قطع أحد الشجرة وسقط قلبى فابحث عنه، فإذا وجدته ضعه فى ماء بارد، ترد عليَّ الحياة. ولسوف تعلم آية سقوطه حين تقدم إليك كأس جعة فتجدها أزبدت واعتكرت، ورجع أخوه إلى داره هائجًا فذبح زوجته ورمى جسدها إلى الكلاب، وعاش يبكى أخاه، فى وادى الأرز تزوج باتا من أنثى بارعة الجمال، ولأنه عنين لم تخلص له كما أخلص لها، وأخبرت فرعون بأن قلب باتا معلق على شجرة وطلبت منه قطعها ليموت، ولكن أخاه تنبه إلى آية اعتكار كأس الجعة فظل يبحث عن قلب أخيه ثلاث سنين حتى وجده ودعا للأرباب فبعثوه فى خلق جديد، وأراد باتا أن ينتقم من زوجته، فتنكر لها فى هيئة شجرة مثمرة، حتى استطاع أن يعرضها على قضاء رع العادل الذى أدانها وعوض باتا بأن أجلسه على عرش مصر.
لم يستطع أمل دنقل أن يقرأ قصيدته فى أى محفل، ولم يحاول نشرها فى أى مجلة أو جريدة، فقط نشرها فى ديوانه الثالث تعليق على ما حدث الذى صدر عام 1971، ونظرا لاستغلاقها لم يحاول أحد من النقاد الذين بحثوا شعره بالدرس والتحليل فى الكثير من الأطروحات الأكاديمية، أو الدراسات النقدية المفردة، على كثرتهم، أن يتعامل معها، بعدها انصرف أمل دنقل لارتداء الأقنعة العربية العديدة مثل عبد الرحمن الداخل وصلاح الدين الأيوبى وأبى نواس وغيرهم، وتبقى الأساطير الفرعونية باحثة عن شاعر مصرى يحمل عقل وفكر وهوية لويس عوض وقلب ووجدان وشاعرية أمل دنقل، ليستلهمها ويقدمها لنا فى أشعار واضحة، تصلح سطورها لأن تتحول إلى مقولات يحفظها محبو الشعر، وكأنها المثل الذى يستشهد به وقت الحاجة، أو القول المأثور السيار على ألسنة العشاق والثوار.
كادت تقول لى (من أنت ؟)
.. .. .. ..
(العقرب الأسود كان يلدغ الشمس
وعيناها الشّهيتان تلمعان!)
- أأنت ؟!
لكنّىى رددت باب وجهى واستكنت
عرفت أنّها
تنسى حزام خصرها
فى العربات الفارهة
***
أسقط فى أنياب اللحظات الدنسة
أتشاغل بالرشفة من كوب الصمت المكسور
بمطاردة فراش الوهم المخمور
أتلاشى فى الخيط الواهن:
ما بين شروع الخنجر والرقبة
ما بين القدم العارية وبين الصحراء الملتهبة
ما بين الطلّقة والعصفور
***
يهتزّ قرطها الطويل
يراقص ارتعاش ظلّه
على تلفّتات العنق الجميل
وعندما تلفظ بذر الفاكهة
وتطفىء التبغة فى المنفضة العتيقة الطراز
تقول عيناها: استرح
والشفتان شوكتان
***
تبقّين أنت: شبحا يفصل بين الأخوين
وعندما يفور كأس الجعة المملوء
فى يد الكبير:
يقتلك المقتول مرتين
أتأذنين لى بمعطفى
أخفى به
عورة هذا القمر الغارق فى البحيرة
عورة هذا المتسول الأمير
وهو يحاور الظلال من شجيرة إلى شجيرة
يطالع الكفّ لعصفور مكسّر الساقين
يلقط حبّة العينين
لأنه صدّق - ذات ليلة مضت -
عطاء فمك الصغير
عطاء حلمك القصير.
اقرأ أيضا: قرى التنوير| «القلعة».. صورة للجنوبى قصائد «أمل دنقل».. ترنيمات على ألسنة الأهالى
حدود السائل والصلب: الثقافة المستقلة فى مصر بين البقاء والتحول
30 يونيو فى مرآة السرد الأدبى
وزارة الثقافة تحتفل بذكرى 30 يونيو





