كشف حساب لمعرض الإسكندرية الدولى للكتاب فى دورته الحادية والعشرين

هل يتحول معرض الكتاب لمهرجان معرفى معزز؟

معرض الكتاب
معرض الكتاب


ميسرة صلاح الدين
 
تتحمل مكتبة الإسكندرية مسؤولية ثقافية تتجاوز حدود كونها مؤسسة عامة أو مكتبة وطنية؛ فهي وريثة أحد أعظم الرموز الحضارية في التاريخ الإنساني. وقد استلهمت المكتبة الحديثة رسالتها من مكتبة الإسكندرية القديمة التي أُنشئت في العصر الهلنستي في ظل الدولة البطلمية، والتي تحولت إلى مركز عالمي للعلم والبحث والترجمة، واستقطبت كبار العلماء والفلاسفة والأدباء من مختلف أنحاء العالم القديم، حتى أصبحت رمزًا للمعرفة والحوار بين الحضارات.
ومن هذا الإرث التاريخي تنبع التوقعات الكبيرة الملقاة على عاتقها اليوم، وفي مقدمتها أن تقدم مشروعًا ثقافيًا معاصرًا يوازي مكانتها الرمزية ويجسد رسالتها في إنتاج المعرفة وإتاحتها، وهو ما يجعل معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب أحد أهم أدواتها لتحقيق هذه الرسالة.
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا على انطلاق الدورة الأولى للمعرض، يصبح من المشروع أن نتوقف لإعادة تقييم هذه التجربة، بعيدًا عن الانطباعات السريعة والاحتفاء المجامل.
 فهل استطاع المعرض، عبر تراكم الخبرات وتوالي الدورات، أن يحقق تطورًا حقيقيًا في بنيته ورسالته؟ وهل نجح في إعادة تعريف وظيفة معرض الكتاب في مصر؟ أم تحول لسوق سنوي لبيع الكتب؟
وتكتسب هذه الأسئلة مشروعيتها في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم؛ فصناعة النشر تواجه تحديات اقتصادية متزايدة، وعادات القراءة تتغير تحت تأثير الثورة الرقمية، وأصبح الكتاب ينافس أشكالًا جديدة من صناعة المحتوى، في وقت تتشابك فيه الأبعاد الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة. 
ولم يعد معيار نجاح معارض الكتب يقف عند عدد دور النشر المشاركة أو حجم المبيعات، كما لم يعد الجمهور يقبل برامج تعيد إنتاج الوجوه نفسها، والمحاور نفسها، والفعاليات نفسها كل عام. فالثقافة، بطبيعتها، مشروع متجدد، ومعرض الكتاب الذي لا يطور أدواته، ولا يوسع آفاقه، ولا يغامر بأفكار جديدة، يتحول تدريجيًا إلى فعالية موسمية تؤدي طقسًا متكررًا أكثر مما تصنع أثرًا ثقافيًا حقيقيًا.

يمكن إجراء مقارنة مباشرة بين الدورة الحالية والدورة السابقة لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب اعتمادًا على المؤشرات الكمية الرسمية، بعيدًا عن الانطباعات الشخصية، للوصول إلى تقييم موضوعي لمسار تطور المعرض. وتكشف الأرقام أن الدورة العشرين (2025) ضمت أكثر من  215 فعالية ثقافية شارك فيها نحو 800 متحدث ومحاضر، بينما شهدت الدورة الحادية والعشرون (2026) توسعًا ملحوظًا، إذ تجاوز عدد الفعاليات 410 فعالية، وارتفع عدد المتحدثين إلى أكثر من 1000 متحدث، مع زيادة عدد دور النشر المشاركة إلى نحو 86  دار نشر.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن عدد الفعاليات ارتفع بنسبة تقارب 91% مقارنة بالدورة السابقة، أي إن البرنامج الثقافي تضاعف تقريبًا، في حين ارتفع عدد المتحدثين بنسبة تقارب 25% ولا تعكس هذه الزيادة التوسع في عملية الاستضافة، بقدر إشارتها إلى حدوث توسع حقيقي في هيكل البرنامج الثقافي نفسه، من خلال زيادة عدد الندوات والجلسات والورش، وتعدد المسارات والفعاليات المتزامنة، وهو ما يؤكد أن التطور شمل طبيعة البرنامج وأسلوب بنائه.
ولا تقتصر دلالة هذه الأرقام على بعدها الإحصائي، بل تمتد إلى الجانب المؤسسي والتنظيمي. فإدارة أكثر من أربعمائة فعالية خلال أيام قليلة تتطلب منظومة متكاملة لتوزيع القاعات، وإعداد الجداول الزمنية، والتنسيق بين مئات المتحدثين والجهات المشاركة، فضلًا عن إدارة الأنشطة المصاحبة التي لا يتضمنها البرنامج الرسمي، مثل حفلات توقيع الكتب، واللقاءات الإعلامية، والفعاليات التي تنظمها دور النشر داخل أجنحتها. ومن ثم، فإن نجاح المعرض في إدارة هذا الحجم من الأنشطة، مع محدودية الملاحظات التنظيمية التي رصدها الجمهور، يعكس تطورًا ملحوظًا في القدرة المؤسسية لمكتبة الإسكندرية على تنظيم الفعاليات الثقافية الكبرى.
غير أن الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح أى معرض للكتاب؛ فهي تقيس حجم النشاط، لكنها لا تكشف بالضرورة عن فلسفة البرنامج أو جودة محتواه أو مدى تأثيره في الجمهور. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من قراءة المؤشرات الكمية إلى تحليل بنية البرنامج الثقافي نفسه، لفهم طبيعة هذا التطور واتجاهاته.
برنامج المعرض الثقافي.. الندوات المعلنة والمحاور الخفية
والحقيقة أنه بعد قراءة متأنية للبرنامج الثقافي للمعرض، يتبين أنه لم يُصمم كمجموعة من الندوات والفعاليات المستقلة التي تجمع مجموعة من الأسماء البراقة والمواضيع المتفرقة، وإنما جرى بناؤه وفق رؤية فكرية متماسكة، وإن لم يُعلن عنها صراحة في البرنامج الرسمى. 
فالقارئ يلاحظ أن الفعاليات لم توزع بصورة عشوائية، حيث جاءت في إطار محاور كبرى تتكامل فيما بينها لتقدم مشروعًا ثقافيًا يخاطب شرائح مختلفة من الجمهور، ويوازن بين المعرفة والترفيه، وبين التراث والمستقبل، وبين الخبرة والتجريب.

الأدب والإبداع... القلب النابض للمعرض

ظل الأدب يمثل المحور الرئيس للبرنامج، من خلال لقاءات الروائيين والشعراء والنقاد، وجلسات مناقشة الروايات والدواوين، وورش الكتابة الإبداعية، والفعاليات المخصصة للشباب، إلى جانب مبادرات متميزة مثل «المقرأخانة» التي تجاوزت فكرة الندوة التقليدية، لتعيد تقديم أعمال كبار الأدباء في جلسات قراءة ومناقشة مفتوحة، فتشكل جسرًا بين جيل جديد من القراء وتراث أدبي لا يزال قادرًا على إنتاج أسئلة جديدة.
وشهدت الدورة الحالية جلسات خصصت لقراءة ومناقشة أعمال مثل «سارق الفرح» لخيري شلبي، و»أنا» لعباس محمود العقاد، و»قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، في محاولة لإعادة دمج النصوص الكلاسيكية في الحوار الثقافي المعاصر.
كما حرص البرنامج على تحقيق توازن واضح بين الأجيال؛ فإلى جانب أسماء راسخة مثل إبراهيم عبد المجيد، وأسماء اخري ذات زخم وحضور قوي في الساحة الثقافية مثل زينب عفيفي ومنصورة عز الدين، وأحمد عبد اللطيف، أفسح المجال أمام أصوات شابة مثل أحمد سليم، وصفا عزت، وإسلام علي، وعلي صيام، وغيرهم في رؤية تعمل على الدمج بين الاجيال وإرساء مداخل الحوار بينهم.

الورش والتدريب.. بوابة التواصل ونقل الخبرات 

ومن أبرز مظاهر التطور توسع البرنامج في الورش التطبيقية، لتبادل الخبرات بين من خلال التدريب العملي، فقدمت عدد كبير من ورش الكتابة، والحكي، كورشة فن التصوير بالموبايل لأسماء خلاف وورشة صناعة الفيلم الوثائقي للمخرج خالد النساج، وورش اخرى في الكتابة المسرحية وصناعة المحتوي وكتابة القصة القصيرة، وغيرها من الأنشطة التي حولت المعرض إلى مساحة للتعلم، وتبادل الخبرات، وإنتاج المعرفة بشكل نشط.
وفي السياق نفسه، احتلت التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي وتوظيفها في سوق العمل مكانة بارزة داخل البرنامج، ومن أبرز التطبيقات العملية لهذا التوجه الورشة التي قدمها المهندس محمد حنفي بعنوان «من الفكرة إلى التطبيق باستخدام الذكاء الاصطناعي»، والتي قدمت نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان، وإنما يعزز قدرته على التفكير والإبداع.

التكنولوجيا في خدمة الثقافة

لعل أكثر محاور البرنامج حداثة كان محور المستقبل والتحول الرقمي، إذ تم التعامل مع الذكاء الاصطناعي بجدية شديدة وبشكل متخصص باعتباره أداة تمس اللغة، والتعليم، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والإبداع، وحفظ التراث. ولم يتوقف الأمر عند الندوات، بل تجسد عمليًا في مشروعات مثل «عيون مصر»، الذي استخدم تقنيات الهولوجرام والعرض ثلاثي الأبعاد لتقديم الآثار المصرية الموجودة في المتاحف العالمية بصورة تفاعلية، بما يعكس رؤية تجعل التكنولوجيا وسيلة لحماية التراث وإعادة تقديمه وهو ما تم وصفه بمصطلح “الإستعادة الرقمية» عند إطلاق المشروع.

تاريخ مصر القديم ... من الحفظ إلى إعادة الاكتشاف

حافظ تاريخ مصر القديم وتراثها الحضاري على حضوره القوي في البرنامج، كمكونًا حيًا في الهوية الثقافية المصرية. فامتدت الفعاليات من المخطوطات والآثار والطب في مصر القديمة، إلى تاريخ الإسكندرية، وذاكرتها العمرانية، وتراثها المرتبط بالبحر المتوسط، وصولًا إلى مشروعات الرقمنة والواقع الافتراضي، في محاولة لإعادة تقديم التراث للأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.

الثقافة تخرج إلى الجمهور

ومن أبرز مظاهر التطور التي شهدتها الدورة الحالية خروج جانب كبير من الفعاليات خارج القاعات المغلقة إلى الفضاء العام. فقد استغلت مكتبة الإسكندرية ساحة البلازا بكفاءة عالية، فاحتضنت عروض الأراجوز، وخيال الظل، و«الليلة الكبيرة»، والحكي، والموسيقى، وأنشطة الطفل، وهي فعاليات جذبت جمهورًا واسعًا لم يكن من المعتاد أن يرتاد الندوات الفكرية. ولتعزيز هذا التوجه، أُقيم مسرح صغير مجهز بمنظومة مناسبة للإضاءة والصوت، ورُتبت المقاعد في مواجهة البحر المتوسط، فتحولت مشاهدة العرض إلى تجربة ثقافية وبصرية متكاملة، امتزج فيها الفن بالمكان، وأصبح جمال الطبيعة ورائحة البحر جزءًا من التجربة الثقافية نفسها
.
الثقافة كمشروع مجتمعيً شامل

ولم يقتصر البرنامج على الأدب والفنون، بل امتد إلى قضايا المجتمع والتنمية، فناقش ريادة الأعمال، والتعليم، والهوية، والشركات الناشئة، إلى جانب موضوعات العلوم، والقبة السماوية، والأفلام العلمية، والسينما والثقافة البصرية، التي حضرت بقوة من خلال اختيار المخرج داود عبد السيد شخصية للدورة، وعروض السينما والنقاش حولها. إلي جانب اعلان نتائج مسابقة القراءة الكبرى وتكريم عدد ضخم من المتسابقين وهو مشروع ممتد يهدف للتشجيع على القراءة والمناقشة وهو ما يعكس توجه عام لدي المكتبة لصناعة مجتمع قارئ.

المعرض وجيل «زد” Generation Z محاولة واعية لبناء جمهور المستقبل

ومن أكثر الملامح لفتًا للانتباه في الدورة الحالية إدراك القائمين على المعرض للتحولات التي طرأت على طبيعة الجمهور، ولا سيما أبناء «جيل زد Generation Z، الذين نشأوا في بيئة رقمية تختلف جذريًا عن الأجيال السابقة في أساليب التعلم، واستهلاك المعرفة، والتفاعل مع المحتوى الثقافي. 
ويبدو أن البرنامج انطلق من قناعة قائمة على أن استقطاب هذا الجيل لا يتحقق بالدعوة إلى الندوات التقليدية، وإنما بإعادة صياغة الخطاب الثقافي نفسه، وتقديمه عبر الوسائط والقضايا التي تمثل جزءًا من اهتماماته اليومية. ولهذا لم يقتصر البرنامج على استضافة الأدباء والمفكرين، بل فتح المجال أيضًا أمام صناع المحتوى الرقمي، ونجوم السينما والدراما مثل الممثل الشاب احمد عبد الوهاب، وكذلك الإعلاميين، والمتخصصين في علم النفس وقضايا المستقبل.
 في محاولة لخلق مساحات مشتركة بين الثقافة التقليدية والثقافة الرقمية. كما ناقش قضايا فرضتها البيئة الرقمية الجديدة، مثل اللقاء المعنون “كيف نفهم الميمز (Memes) وانعكاساتها على المجتمع؟»و التي قدمه أحمد عصمت، وهي من الموضوعات التي تعكس اتساع مفهوم الثقافة ليشمل الظواهر الرقمية المؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك، بعد أن أصبحت «الميمز» إحدى أدوات التعبير والتأثير في المجال العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.

تجديد في أدوات التسويق والتواصل مع الجمهور

ولم يقتصر التطوير على محتوى البرنامج الثقافي أو آليات تنظيمه، بل امتد إلى أساليب الدعاية والتسويق والتواصل مع الجمهور، وهي من الجوانب التي شهدت تطورًا ملحوظًا في الدورة الحالية.
فقد بدا واضحًا النشاط المكثف لفريق الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، الذي عمل على مدار الساعة لإنتاج مواد دعائية متجددة، شملت تصميم ملصقات إلكترونية (Posters) لكل ندوة وفعالية، ونشر البرنامج اليومي بصورة منتظمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب التغطية المباشرة للفعاليات، وتوثيقها بالصور والفيديو، وإعداد ملخصات يومية لأبرز ما شهده المعرض من ندوات، وورش عمل، وعروض فنية، وهو ما حافظ على حضور المعرض إعلاميًا طوال فترة انعقاده، ولم يقتصر على مرحلة الافتتاح.
ومن أبرز مظاهر التجديد في هذا المجال توظيف خدمة الرسائل النصية القصيرة (SMS)، وهي وسيلة لم يسبق – في حدود علمي – أن استخدمتها معارض الكتاب بهذا الاتساع في الترويج لنفسها. فقد بدأت الرسائل بالتعريف بموعد افتتاح المعرض ومدته، والترحيب بالزوار، ثم تحولت إلى وسيلة اتصال يومية للتذكير بأهم الفعاليات والندوات، وهو ما أتاح وصول المعلومات مباشرة إلى الهاتف المحمول، دون الحاجة إلى البحث عنها عبر المواقع الإلكترونية أو تطبيقات التواصل الاجتماعي.
ورغم أن التسويق الإلكتروني أصبح عنصرًا أساسيًا في معظم معارض الكتب العالمية، سواء عبر البريد الإلكتروني أو التطبيقات الذكية أو المنصات الرقمية، فإن الاعتماد على الرسائل النصية القصيرة يمثل خيارًا عمليًا يتسم بالبساطة وسرعة الوصول، كما أنه لا يتطلب تحميل تطبيقات خاصة أو متابعة مستمرة لمنصات التواصل، وهو ما يزيد من احتمالات وصول الرسالة إلى شرائح أوسع من الجمهور، على اختلاف أعمارهم ومستويات استخدامهم للتقنيات الرقمية.
وقد يكون من المبكر الحكم على الأثر الكمي لهذه التجربة، لغياب بيانات منشورة حول معدلات التفاعل أو الحضور الناتج عنها، إلا أنها تمثل تجربة جديرة بالمتابعة، وربما تصبح نموذجًا تتبناه معارض كتب ومهرجانات ثقافية أخرى إذا أثبتت فاعليتها في تعزيز التواصل مع الجمهور وزيادة الإقبال على الفعاليات.
ولم يقتصر التطوير على المحتوى الثقافي والدعائي، بل شمل كذلك البنية التنظيمية للمعرض وآليات إدارة حركة الزوار. فقد ساعدت شاشات العرض الإلكترونية المنتشرة في أرجاء مكتبة الإسكندرية على إرشاد الجمهور إلى مواعيد الندوات وأماكن انعقادها، كما أسهم انتشار المتطوعين في مختلف القاعات والممرات في تسهيل حركة الزائرين والإجابة عن استفساراتهم. واستُثمرت مرافق المكتبة بكفاءة، من خلال توزيع الفعاليات بين المسرح الكبير، والمسرح الصغير، والقاعات متعددة الأغراض، بما أتاح تشغيل عدد كبير من الأنشطة بالتوازي دون حدوث تكدس ملحوظ.

انطباعات الجمهور... قراءة موازية للبرنامج الرسمي

وعند تقييم أي معرض للكتاب أو دراسة واقع صناعة النشر وسوق الكتاب، لا يكفي الاقتصار على قراءة البرنامج الرسمي أو رصد المؤشرات الرقمية، بل يصبح من الضرورى الإصغاء إلى آراء الجمهور، باعتباره الطرف الرئيس الذى يتوجه إليه هذا النشاط الثقافى. وانطلاقًا من ذلك، حاولت إجراء قراءة موازية لانطباعات الزوار من خلال متابعة منصات التواصل الاجتماعي، والتغطيات الصحفية، والتعليقات المنشورة خلال أيام المعرض، بهدف استكشاف الصورة التى تشكلت لدى الجمهور بعيدًا عن الخطاب الإعلامي الرسمى.
وقد أظهرت هذه المتابعة أن عددًا من الفعاليات حظي باهتمام لافت، وفي مقدمتها العروض المفتوحة في ساحة البلازا، التي نجحت في استقطاب جمهور متنوع من العائلات والأطفال والمارة، إلى جانب مشروع «عيون مصر» فى عرض الآثار المصرية بالخارج. كما حظي سور الأزبكية وأجنحة الكتب المخفضة بإقبال كبير، وهو ما يعكس استمرار الحساسية العالية لدى القارئ المصرى تجاه أسعار الكتب، حتى في ظل اتساع البرنامج الثقافى.
وفي جانب آخر، برزت إشادات متكررة بأسلوب التسويق الذي اتبعته مكتبة الإسكندرية هذا العام، ولا سيما الاستخدام المنتظم لوسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد على الرسائل النصية القصيرة (SMS) للإعلان عن الفعاليات اليومية، وهي تجربة عدّها كثير من المتابعين وسيلة عملية وسريعة للوصول إلى الجمهور.
وفى المقابل، لم تخلُ الدورة من نقاشات نقدية، وهو أمر طبيعى فى أى حدث ثقافى كبير. فقد دار جانب من الحوار حول اختيار المخرج داود عبد السيد شخصية للدورة، إذ رأى بعض المتابعين أن الاختيار يعكس اتساع مفهوم الثقافة ليشمل السينما والفنون البصرية، بينما رأى آخرون أن شخصية المعرض كان يمكن أن تكون من الأدباء أو المفكرين، وطرحت في هذا السياق أسماء، من بينها الكاتب السكندري الراحل مصطفى نصر، كأحد رموز الحركة الثقافية فى المدينة.
كما أشار بعض المتابعين إلى تكرار ظهور عدد من الضيوف في أكثر من فعالية، وهو ما أثار تساؤلات حول إمكانية توسيع قاعدة المشاركين وإتاحة الفرصة لعدد أكبر من الأصوات الجديدة.
وفى تقديرى، فإن مثل هذه الملاحظات لا ينبغى النظر إليها كانتقاص من نجاح المعرض، بقدر ما هى جزء طبيعى من الحوار الذي يصاحب أى مشروع ثقافى كبير. فكل نشاط بشرى، مهما بلغ مستوى تنظيمه أو حيادية القائمين عليه، يظل قابلًا للمراجعة والتطوير، كما أن وجود نقاشات واختلافات في الرأي يعد في حد ذاته مؤشرًا على حيوية الحدث واهتمام الجمهور به، أكثر مما يعد دليلًا على وجود إخفاقات جوهرية.
ومن الظواهر الجديرة بالتوقف عندها أيضًا اتساع نطاق التغطية الإعلامية للمعرض ليشمل، إلى جانب المؤسسات الصحفية والإعلامية، عددًا من الصحفيين والإعلاميين والنشطاء الثقافيين الذين بادروا بصورة مستقلة إلى توثيق الفعاليات والتعريف بها عبر منصات التواصل الاجتماعى، ومن بينهم سما زيادة، وولاء أحمد، وغيرهما. وقد أسهمت هذه المبادرات في تعزيز الحضور الرقمى للمعرض، ونقل أجوائه إلى شريحة أوسع من الجمهور، بما يعكس تنامى دور الإعلام الثقافي المستقل كشريك في نشر المعرفة والترويج للفعاليات الثقافية. ولا تمثل هذه الملاحظات دراسة استطلاعية بالمعنى الإحصائى، وإنما قراءة تحليلية للاتجاهات العامة التي برزت فى التغطيات الإعلامية وتفاعلات الجمهور على المنصات الرقمية.”

 خاتمة

تشير المؤشرات الأولية إلى أن الدورة الحادية والعشرين ربما تمثل بداية تحول في مسيرة معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب؛ إذ نجح فريق العمل بمكتبة الإسكندرية وقطاع التواصل الثقافي، فى توظيف الخبرات المتراكمة التي اكتسبها على مدار سنوات من تنظيم المعارض والفعاليات الثقافية، وضخ قدر أكبر من الحيوية والتنوع في بنية البرنامج وآليات تنظيمه. ونتيجة لذلك، أخذ المعرض يتجه تدريجيًا نحو صيغة مشروع ثقافي متكامل، تتداخل فيه المعرفة مع التكنولوجيا، والفنون مع التدريب، والتراث مع المستقبل، والإعلام الرقمي مع التفاعل المجتمعى، فى محاولة واعية لبناء علاقة أكثر حيوية بين الثقافة والمجتمع، واستقطاب جمهور جديد للمعرفة.
ويبقى الرهان الحقيقى فى السنوات المقبلة هو الحفاظ على هذا الزخم، وتحويله إلى نهج مؤسسى مستدام، لا يرتبط بنجاح دورة بعينها، ليشكل مسارًا ثابتًا للتطوير والتجديد. فإذا نجحت مكتبة الإسكندرية في ترسيخ هذه الرؤية، فقد يصبح معرضها نموذجًا ملهمًا لتطوير معارض الكتاب فى مصر والعالم العربى، ليس فقط على مستوى التنظيم، وإنما أيضًا على مستوى إعادة تعريف وظيفة معرض الكتاب ودوره في إنتاج المعرفة وبناء الإنسان.