محسن الميرغنى
ضمن فعاليات الندوات الرئيسية المصاحبة للدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومى للمسرح المصرى، التى خُصِّص محورها الفكرى هذا العام لمناقشة قضية «المسرح والجمهور: هل يذهب الجمهور إلى المسرح أم يذهب المسرح إلى الجمهور؟»، قدَّم د. محسن الميرغنى بحثًا بعنوان «أزمة النقد المسرحى وإعادة تشكيل الذائقة الجمالية عند جمهور المسرح»، فى إطار جلسة حول «دور النقد والإعلام فى صناعة الجمهور»، تناولت أثر الخطاب النقدى والإعلامى فى تشكيل الذائقة المسرحية وتعميق الصلة بين العرض المسرحى وجمهوره، إلى جانب عدد من الدراسات التى ناقشت علاقة النقد بإعادة بناء جمهور المسرح المصرى. ولأهمية البحث وما ينطوى عليه من فرضيات؛ ننشره كاملًا فى الصفحات التالية.
إذا نظرنا فى تاريخ تشكل ظاهرة النقد المسرحى كفرع من فروع النقد الأدبى الحديث، الذى تطورت أصوله من النقد الدرامى القديم الذى وضعه أرسطو (348 ق. م -322 ق. م) فى كتابه «فن الشعر» وقام نقاد وشراح عصر النهضة فى أوروبا بتوسيع حدوده بالدرس والبحث وتأليف الشروح والمؤلفات حول تلك الأسس والمباديء النقدية، وقد مر النقد المسرحى فى أوروبا ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بمراحل كثيرة تمايز فيها تدريجيا عن النقد الأدبي، وأصبح نقدا مستقلا يرتبط بالعمل المسرحى (نصا/ وعرضا) دون غيره من بقية الفنون الدرامية والأدبية.
قبل ذلك كان النقد المسرحى - بمفهوميه النظرى والتطبيقي- ملازما للنقد الأدبى لقرون طويلة، يتبع مناهجه فى النقد والكتابة، بالتركيز على حياة المؤلف وسيرته، ومدى تأثيرها وعلاقتها بالعمل المسرحي، ومدى التزامه بقواعد المذهب الأدبى المعاصر للمؤلف، لكن بحلول منتصف القرن التاسع عشر بدأت تتحدد ملامح النقد المسرحى الحديث، وأصبح له منهج وأضح يسير عليه، وبدأ يقترب من منهج العلم نتيجة لتطور العلوم التجريبية والتى سعى النقد لتقليدها باتباع خطوات مدروسة فى التعامل مع الأعمال المسرحية، خاصة مع بداية ظهور تقنيات ومباديء فن الإخراج الذى كان لا يزال ناشئا، وبدأ نقاد يميزون بين المسرح وغيره من بقية فنون الأدب فى كتاباتهم، ويظهر هذا واضحا من عناوين الكتب التى جمعوا فيها مقالاتهم المنشورة فى الصحف، منها على سبيل المثال «أربعين عاما عن المسرح» ف. سارسيه، و«انطباعات عن المسرح» جون ليميتر، «عن الممثلين وفن التمثيل» جورج هنرى لويس 1875م، و«مقالات مسرحية» لى هنت 1894م.
فى بدايات القرن العشرين تطورت العلوم الإنسانية تطورات كبرى وبدأت علوم النفس والاجتماع واللسانيات والتاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا فى إضفاء صبغة علمية ومنهجية على بقية العلوم الاجتماعية النظرية غير التجريبية، وقد استفاد النقد الأدبى والمسرحى من غالبية هذه العلوم الناشئة، فقد أدى هذا التطور إلى وعى نقاد المسرح بخصوصية المسرح كفن قائم على العرض المسرحى وآداءه وارتباطه بالممثل والجمهور والمكان، لا الأدب ونصوص المسرح المكتوبة فقط فى نقد الأعمال الأدبية والفنية.
فى تلك الفترة ظهر رأيين فى ممارسات النقد المسرحي، الأول يلتزم بالتقاليد الموروثة عند تناول العمل المسرحى باعتباره نصا مسرحيا أدبيا يتحول لعرض من خلال نقله من لغة مكتوبة إلى لغة مرئية. ومهمة المخرج فى توظيفه بعناصره الفنية وتقنياته الإخراجية هى نقل هذا النص بأكبر قدر من الأمانة والحرص على إيصال رسالة النص ومؤلفه للجمهور.
والرأى الثانى الأحدث سعى لتجاوز هذه النظرة التقليدية للعمل المسرحي، ونظروا لما يحدث أثناء العرض باعتباره مركزا ونقطة انطلاق لتفسير وفهم العرض المسرحي، واعتبر النص مجرد عنصر من عناصر العرض التى يمكن تهميشها، فى ظل تنامى رؤية المخرج واستخدامه لتقنياته الفنية، إلى الحد الذى دعا بعض المخرجين والممثلين من أصحاب هذا الاتجاه إلى رفض النص رفضا جذريا.
أما فى مصر فقد تأخر ظهور النقد المسرحى الفنى الحديث حتى عام 1898م بحسب ما يذكره أحمد شمس الدين الحجاجى وهو يعلل هذا الأمر، بأن ظروف نشأة النقد المسرحى كانت مغايرة لظروف نشأة ظاهرة المسرح، فبدايات المسرح المصرى لم تكن مدروسة أو مخطط لها بل جاءت بمبادرة فردية من يعقوب صنوع (1839-1912م) ولهذا تأخر ظهور النقد الواعى المدرك للدراما كعمل معقد ذى أصول ومفاهيم محددة، إلى ما بعد تبلور مفاهيم النقد بما يكفى لإبداء النقد السليم.
حدث هذا التبلور لمفاهيم النقد الحديثة خلال الربع الأول من القرن العشرين حين بدأت محاولات تطبيق مفاهيم ومناهج النقد الأدبى الأوروبى الحديث- الاتجاهين الفرنسى والإنجليزى تحديدا- على الأدب العربي، تمثل هذا فى صدور مؤلفات تحاول تنظيم المعرفة النقدية بشكل منهجي، وتتناول النقد الأدبى العربى وتحاول ربطه بتاريخ الآداب العالمية – الغربية تحديدا-، مثل «تاريخ علم الأدب» لروحى الخالدى الذى تم نشره فى مصر عام 1902م مسلسلا فى مجلة الهلال ثم أعيد نشره مرة أخرى فى عام 1912م، وكتاب «منهل الوراد فى علم الانتقاد» لقسطاكى الحمصى الذى نشر فى مصر عام 1907م، ثم بعد إنشاء الجامعة المصرية الأهلية فى عام 1910م وتحولها لجامعة حكومية رسمية فى عام1925م تم إرسال بعثات دراسية إلى فرنسا وإنجلترا، كان من بين أوائل المبعوثين لدراسة النقد الأدبى أحمد ضيف الذى عاد من بعثته ونشر بعضا من رسالته الجامعية بعنوان «مقدمة فى بلاغة العرب» في1921م. وكتاب أحمد أمين «فى النقد الأدبي» وترجمات طه حسين لنماذج من «الأدب التمثيلى فى اليونان» وما لحقها من مقالات خاصة بالمسرح فى مختلف مؤلفاته اللاحقة.
هذه الكتب التى لا نجد فيها نقدا مسرحيا بمفهومه التطبيقى الحديث، لكنها وفرت فى زمنها معرفة ومادة خاصة بالمسرح، أمدت النقد بالمعلومات اللازمة واللغة الموصلة للأفكار والمفاهيم النقدية، مع محاولات منهجية لتنظيم مبادئ النقد الأدبى الحديث، وتحديد مهام الناقد وعلاقته بالنص الأدبى أو العمل الفني، ومحاولة شرح وتوضيح وظيفة النقد تجاه الأدب والفن والمجتمع، ثم القيام بعملية ترتيب وتنظيم للفنون الأدبية القديمة ووضع المسرح ونقده فى مكانتهما فى مخطط تقسيم فنون الأدب، الذى يحتل فيه الشعر العربى مركز الصدارة، وتحتل فيه فنون النثر القديمة كالمقامة والسيرة الشعبية وأدب المقال، مراكز سابقة تاريخيا على فنون التمثيل والآداء والسرد الأدبى الحديثة كالمسرح والرواية، وهى فنون لم تكن ترجمة مفاهيمها و مصطلحاتها النقدية قد استقرت فى المجال النقدى العربى بعد، وهو ما أدى لحدوث خلط بين مصطلحات ومفاهيم فنون المسرح والرواية والقصة (هل هو فن التمثيل؟ أم الشعر التمثيلي؟ أم القصص التمثيلي؟ أم الرواية التمثيلية؟ أم الدراما).
رغم رفع شعار الازدهار والتوهج الفنى والنقدى المعروف والمتداول عن تلك الفترة المتوهجة، إلا أنها حملت فى بنيتها بذور المشكلات القائمة التى نعاينها ونعانيها اليوم فى أحوال النقاد وحالة النقد المسرحى المعاصرة، والتى تتمثل بعض سماتها فى تهميش - إن لم يكن غياب - النقد المسرحى عن المشهد العام والمتخصص فى مصر، فلم يعد الناقد المسرحى فى صورته الراهنة، ذلك الدارس المتخصص الذى يمكنه نتيجة ما حصله من معرفة وعلم إبداء رأيه الفنى فى الأعمال الفنية والمسرحية، بل تهاوت هذه الصورة التقليدية تحت وطأة التغيرات العنيفة والسريعة للواقع الإنسانى والثقافى العام وتغير معايير المجال الفنى والنقدى المصري.
إضافة إلى تراجع واضح لتجارب المسرح الجاد فى مصر (بشقيه المحلى والعالمي) تحت وطأة قيود ومعوقات كثيرة من بينها الرقابة وغلبة البيروقراطية على معطيات الفن المسرحي، وغياب الحريات العامة فى المجال العام، مع سيطرة مفاهيم السوق الرأسمالى الحر، وانعكاس كل هذا على حركة ونشاط الفن المسرحي. بالتزامن مع ظهور وانتشار ورواج تجارب مسرحية ممسوخة ومهترئة فنيا من حلقات المسرح التلفزيونى التجاري، الذى لا يصمد أمام أى نقد مدرسى منهجى جاد، لكنه – بالرغم من هذا- يصمد تجاريا وسوقيا فى الواقع اليومى المعاصر، وهو ما يقض أو ينهى تماما معظم مفاهيم الستينيات النقدية عن دور المسرح وأهميته الاجتماعية وقدرته على التغيير فكريا وجماليا، وعن الأدب والفن الهادف والملتزم الذى يملك رسالة فكرية وأخلاقية وجمالية، ثم تفشى حالة الرفض الجارف لأى رأى نقدى جاد يلتزم بقضايا القيمة والفكر فى المسرح، سواء صدر عن نقاد المسرح المتخصصين، أو غيرهم من بقية المثقفين الفاعلين بالمجتمع، باعتباره من مأكول الكلام وقديمه، فى مجتمع يقال فيه أنه صاحب الريادة فى مجال النقد المسرحى الفنى والأكاديمي. فبعد سنوات لا تتجاوز عشرين عاما من مرحلة الازدهار والنضج الفنى والنقدى فى الخمسينيات والستينيات صرح على الراعى قائلا:
«وقد استطاع المسرح العربى أن يكون على المدى أطقما بشرية كثيرة وموهوبة فى حقول التأليف والتمثيل والإخراج وعناصر التجسيد الأخرى وتعذر عليه حتى الآن أن يفرز الناقد المسرحى الحق».
ألا يكشف مثل هذا التصريح تداعيات ما آلت إليه تجربة النقد المسرحي، فها هو أحد بنائيها وكبار – بل وأهم- نقادها المسرحيين يصرح بغياب الناقد المسرحي، وعجز تلك الظاهرة الناجحة المزدهرة فنيا عن إنتاج الناقد المسرحي. هذا عن الناقد المسرحى أما النقد المسرحى وأحواله فنجد وصفه فى ما كتبه فاروق عبدالقادر يكتب فى مقدمة كتابه «غروب شمس الحلم» الصادر عام 2000م محللا ومشخصا فوضى النقد وأسباب تراجع النشاط النقدى بشكل عام والمسرحى بشكل خاص:
«ذلك أن كلمة النقد قد أصبحت فى واقعنا الثقافى هذا المتردى كلمة ملتبسة المعنى أو سيئة السمعة: اختلط النقد بسواه وماعت الحدود: الأخبار المصورة أصبحت نقدا، ومحررو الصفحات الفنية أصبحوا نقادا، وكل صاحب دكتوراه- فى أى فرع من فروع المعارف الأدبية - قد أصبح أستاذا ناقدا، وأصبحنا نقرأ فى نقد هذه السنوات الأخيرة عجبا: ثمة من يعد النقد «كهنوتا» له طقوس خاصة لا يتم بغيرها، ولكى يتجنب حدة الرفض والقبول يلوذ بالمصطلح (الغربى)، ويحاول قسرا تطبيقه على أعمال عربية أومصرية، فى حيادية مشبوهة. وهذا يعنى أن أصحاب هذا النموذج لا يبصرون غير نموذج واحد هو النموذج الغربي، كما بلغهم، ومن ثم يعتمد نجاح العمل عندهم على قدر احتذائه لهذا النموذج».
فما الذى أدى لهذا التراجع والتدهور الحاصلين فى المشهد المسرحى والنقدى المصرى فى أعقاب تلك المرحلة النقدية والفنية المزدهرة؟ وما أسباب هذا الانفصال بين الناقد وجمهوره من القراء والمشاهدين الذى نشهده فى واقعنا الآن؟ ما هى الأسباب التى دفعت نقادا كبار يمتلكون الشجاعة والقدرة على النقد الذاتي، من أن يصرحوا بغياب الناقد وتردى النقد؟! ألا يدفعنا هذا إلى دراسة ومراجعة الأسس والمفاهيم النقدية التى ارتكز عليها نقاد المسرح فى كتاباتهم، وبحث ما بها من مشكلات تختص المنهج أو الأسلوب، وما تثيره من قضايا نقدية مثل قضية الشكل و الموضوع أو الجمالى والواقعى أو الأصالة والمعاصرة فى ظل التغيرات الكبرى الحاصلة فى عالمنا ومجتمعاتنا الحديثة..إلخ. بما يسمح بالكشف عن المعطيات والمكونات الحاكمة لمسار ممارسة النقد المسرحى (هنا والآن)، إن فوضى النقد ليست قضية جديدة.. بل هى ظاهرة تمتد فى جذورها إلى سنوات النشاط والرواج النقدى فى أواسط القرن الماضي.. صرح بذلك جلال العشرى فى عام 1966م - أى من قلب تلك الفترة المزدهرة بالأفكار والممارسة النقدية- بما يضعنا أمام مفارقة وتناقض.. يقول جلال العشري:
«فعلى امتداد ثقافتنا العربية الحديثة، لا نكاد نجد الناقد النظرى الذى يعبر عن ذواتنا الأصيلة دون ما انعزال عن العالم من حولنا، ولا نكاد بالتالى نتعرف على ملامح عامة أو سمات بارزة لنظرية عربية فى النقد، مع أن نظرية النقد هى الأصل الذى يجيء النقد التطبيقى فرعا له».
ويردد نفس الكلام فى أواخر سنوات الستينيات المخرج والمؤلف المسرحى نجيب سرور قائلا:
«لا مجال لوجود حركة نقدية سليمة دون نظرية سليمة فى الفن.. نظرية شاملة تجيب على القضايا الأساسية فى الفن عامة، فتحدد العلاقة بين الفنون المختلفة والفروق النوعية بين فن وآخر، وعناصر الشكل وعناصر الموضوع فى كل فن على حدة، والوحدة بين الشكل والموضوع على أسس واضحة وضوابط موضوعية.. لكى تتيسر فى النهاية حيثيات الحكم على عمل فنى ما، بالفشل أو بالنجاح، ولكى يأتى الحكم بعد ذلك موضوعيا وعادلا ونزيها ومفيدا».
إن ما يشير إليه نجيب سرور باعتباره تقريرا لوقائع قائمة، يطرحه بعد عقدين من الزمن المفكر والناقد نصر حامد أبوزيد لاحقا كمعضلة قائمة فى تراثنا النقدى الحديث كله يقول نصر حامد أبو زيد:
«يتجلى وجود المعضلة فى تراثنا النقدى الحديث على المستوى العملى التطبيقي، إذا الوعى بها على المستوى النظرى ليس واضحا كل الوضوح، فالنص الأدبى يتسع للعديد من التفسيرات التى تتنوع بتنوع اتجاهات النقاد ومذاهبهم، هذه الاتجاهات فى حقيقتها ليست سوى صياغة لموقف الناقد الاجتماعى والفكرى من واقعه. وتتمثل المعضلة فى أن كل ناقد يزعم أن تفسيره للنص هو التفسير الوحيد الصحيح، وأن مذهبه النقدى هو المذهب الأمثل للوصول إلى المعنى «الموضوعى» للنص كما قصده مؤلفه.
وهو ما يصرح به غالى شكرى فى حديثه عن النقد الأدبى المصرى عامة بأننا: «لم نستخلص بعد القانون العام للمسيرة الخاصة بالأدب العربى الحديث، وهكذا جردنا النقد الأدبى من أحد أسلحته التأصيلية... إذ بغياب القانون العام عن الوعى النقدى المعاصر، غاب أيضا القانون النوعى لتجربة كل فن على حدة، ولذلك لم يتأسس لدينا نقد نوعى كالنقد الروائى أو النقد المسرحي».
ويصل إليه سامى سليمان أحمد ضمن ما خلص إليه من نتائج فى دراسته عن نقاد الاتجاه الاجتماعى فى النقد المسرحى (1954-1967م) ويطلق عليه:
«ظاهرة الإجهاض التى تتمثل فى إهمال منتجى الخطاب (النقدي) لمقولات وصيغ فعالة- أنتجوها أو استخدموها فى لحظة ما- لصالح مقولات وصيغ أخرى أقل عمقا مما أعاق تأسيس الخطاب النقدى تأسيسا فعالا، سواء فى ذاته، أى بوصفه خطابا منغلقا على ذاته أو بوصفه خطابا اجتماعيا يتقاطع مع خطابات عديدة» مما تسبب فى إعاقة منتجى هذا الخطاب «عن أن يؤسسوا نظرية ما حول المسرح» يفهمها الناس ويتداولونها باعتبارها نظرية جماهيرية تصلح لأن توجه وتشكل ذائقتهم الفنية والجمالية.
إننا اليوم فى أشد الحاجة إلى وجود الناقد الذى يؤدى مهامه بوعى وتأمل عقلى تحركه فى ذلك غريزته البدائية الشغوفة بطرح الأسئلة والبحث عن إجاباتها الممكنة لحل المشكلات وإثارة القضايا وتحفيز الطريق إلى المستقبل، بعد أن أصبحت النظرة السائدة نحو النقد فى مصر خلال السنوات الأخيرة باعتباره جريمة فى حق العمل- أى عمل- سواء كان عملا فنيا أو غير فني. لأن ممارسة النقد فى رأى كثيرين هى شغل من لا شغل له من العاطلين عن الإبداع، أوالعاجزين عن الفعل ممن يكتفون بالكلام عن أعمال الآخرين،وهى صفة المنشغلين بمتابعة الأمور والأحداث والوقائع من عامة الناس سواء كانوا مختصين أو غير ذلك، فالنقاد فى رأى البعض هم طليعة «جيش الحمقى» الذين لا يمتلكون أى قدرة حقيقية على إنجازعمل نافع غير النقد والتعليق بالكلام على الأحداث. وقد اختلطت وظيفة الناقد ومهمة النقد الذى يقدمه فى صورة عمل منظم يهدف إلى البحث عن إجابات لأسئلة مشروعة تخص وجوها محددة من الأشياء والموضوعات، مع وظائف شتى متباينة الأهداف والوسائل مثل وظائف: المؤثرين وصناع المحتوى المكتوب وصناع الفيديوهات المصورة الذين يستهدفون جذب متابعيهم ومشاهديهم لرفع نسب المشاهدات على وسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعى من أجل تحقيق مكاسب مالية أو مادية ملموسة لأنفسهم وللشركات والمؤسسات المستفيدة من وجودهم. لقد تحولت الصحيفة والجريدة اليومية أو الأسبوعية التى كانت تقوم بتشغيل ناقد واحد أو أكثر لتغطية الشأن الثقافى أوالفنى فى محيط جغرافى محدود، وتدفع له مقابل مالى لا يتجاوز بضع جنيهات، إلى شركات كبرى وبرمجيات لامتناهية تستهدف الحصول على أكبر قدر ممكن من المال من جيوب المتابعين والمشاهدين عبر بيع وتداول البيانات، بصورة تفوق قدرة أى عقل فردى لإنسان واحد على استيعاب التداعيات والآثار التى يمكن أن تحدث فى كل ثانية ولحظة يعيشها الإنسان فى أى مكان وكل مكان من هذا العالم، بينما توقفت حدود ممارسة النقد عند قيامه بمهامه البدائية الأولى دون حتى مقابل (أجر مالى أو مادى يذكر) وهو ما يزيح النقد باتجاه أن يصبح عملا تطوعيا مثاليا، لا يعدو أن يكون مجرد ترفا كلاميا بجوار بقية ممارسات العمل المادى المنتج لفائض قيمة.
ربما لذلك أصبح النقد فى نظر الكثيرين عالة على مجتمع الفاعلين المنشغلين بالتحقق والسعى إلى النجاح، نتيجة عدم تحقيق النقد لمهمة ربحية تمثل فائض قيمة مالية مباشرة على الناقد الذى يلزم الانشغال بمعايير القيمة والجمال الفنى والإبداعى والقيم الثقافية الأخرى المتعددة للأنشطة الفكرية والفنية والثقافية.
فالسمعة السيئة التى يوصم بها النقد والنقاد فى مصر – وربما العالم العربي- الآن، ترجع فى جذورها إلى نقص حاد فى مستويات الوعى النقدى لدى مختلف فئات المجتمع، نتيجة عوامل مركبة ومتداخلة أهمها قاطبة تراجع مستويات التعليم العام، وتدنى جودة الناتج من عمليات تداول المحتوى الفكرى والثقافي، بل وعدم القدرة على قياسه منهجيا وبيومتريا، حيث تمثل المشاهدات ونسب القراءة معاييرا قديمة لا تتخطى الإخبار عن نجاح مهام النشر والانتشار، لكنها لا تمنح الباحثين أو الدارسين أى معلومات عن الآثار المترتبة على ما تم تقديمه من عمل فى أى محتوى نقدى أو غير نقدى يتداوله الناس على وسائل التواصل الإجتماعى وغير الإجتماعي.
يتزامن هذا مع نقص أكبر فى معرفة وثقافة النقاد الحاليين أنفسهم، إذ يجسد معظم الممارسين للنقد فى مختلف المجالات الفنية والثقافية حضورا مباشرا ونتيجة واضحة كاشفة لضعف مستويات التعليم ونظمها فى مصر، وعدم تطوير البنى التحتية والفوقية الموجهة لمؤسسات التعليم، بالإضافة إلى تأخر مناهج التعليم عن اللحاق بما تقتضيه ظروف المرحلة التاريخية الحالية، التى تتمركز حول مفاهيم وتقنيات الثورة التكنولوجية الحاصلة حاليا كأساس جديد للمرحلة البشرية الراهنة.
كل هذا أدى لانفصال واضح بين ما يكتبه الناقد من نقد مسرحى وغير مسرحي، وبين الناس من جمهور القراء الذين أصبحوا أقل عددا، رغم تزايد نسبة السكان فى بلدان تواجه فائضا بشريا يفوق طاقة مقدراتها ومواردها القائمة على تحقيق الإشباع والاكتفاء اللازم لجميع مواطنيها.
كما يمكن القول أنه وخلال العقود الثلاثة المنقضية تم القضاء بشكل تام على فعالية وقيم منظومات التعليم العام والخاص القديمة والتقليدية كأدوات للتطوير الفنى والثقافى فى مصر، سواء بتفشى روح التجاهل المتعمد لتنمية الحس النقدى وتراجع جودة المحتوى التعليمى عند المتعلم منذ عقود الاستعمار الأجنبى للبلاد، أو بسبب الإهمال المتراكم من القائمين على إدارة منظومة التعليم المصرى عن طريق تراكم حالات التكلس البيروقراطى والجمود الإدارى والتربوي، وقد انعكس بالضرورة على حدود الوعى ومستويات الإدراك العقلى والنقدى لدى النقاد والجمهور معا، ونتج عنه ماسبق الإشارة إليه من النظر إلى كل محاولات أوممارسات للتفكير النقدى فى أى موضوع أو قضية عامة كانت أو خاصة على أنها جريمة نكراء - تسبقها السمعة السيئة لكلمة النقد وخواء أولئك النقاد المزعجين- جريمة يقوم بها أصحاب النزعة النقدية ممن تحركهم - غالبا- نزعات عقلية لطرح الأسئلة وتكرار الاستفهامات عن أسباب وعلات الموجودات والأشياء والحوادث، من أجل محاولة فهم العلاقات وتفسير المجهول لأمور وموضوعات –ربما- تبدو ثابتة راسخة فى وجدان وعقل المجتمع الإنساني، هذا الطرح المضنى لأسئلة الجدوى ورفض المتاح من الحلول والإجابات، يقابله رفض ونفور واستنكار من معظم الناس، إذ أنهم وببساطة لا يقبلونه لأنه يجسد لديهم نوعا من السعى الدائم لإثارة القلق وإزاحة الاستقرار وتبديد الراحة الممكنة.
فى بحثه عن أسباب أزمة الفكر المصرى ما بعد حركة يوليو1952م، يخلص أنور عبد الملك عبر تحليله التاريخي/الاجتماعى والنقدى لهذه الأزمة المتصلة فى طبيعة الشخصية المصرية إلى وجود ثلاثة عناصرمتجذرة تظهر كخصائص وسمات واضحة فى بنية وتكوين المجتمع المصرى ثقافيا واجتماعيا وهذه العناصر الثلاثة هي:-
- الاعتماد على النقل والعجز عن الخلق.
- التواكل والاعتماد على القدر دون الإيمان بالمنطق العقلى والإرادة الواعية.
- عدم اتصال الشخصية المصرية.
ولهذه العناصر يمكن أن نضيف النظر للنقد والفكر النقدى باعتباره استفزازا موجها وإساءة متعمدة من الناقد لشخص من ينقده، دون الوعى بالأصل الفلسفى العلمى المقصود من الكلمة « نقد»Criticism والتى يحمل أحد معانيها « دراسة الإمكانات المتعلقة بالموضوع الذى يتم نقده، أى دراسة ما يمكن أن يكون عليه ومقارنته بما هو عليه بالفعل وأسباب ذلك التفاوت أو التطابق لتلك الحال». وهذا التعريف تحديدا مما لا يمكن قبوله إلا فى بيئة متجددة فكريا وحضاريا قابلة للتطور والتحديث بمعانيهما الصحيحة لا الشائعة المغلوطة. إذ أن النقد فى البيئة الجامدة والمحافظة الثابتة فى مواقفها ورؤاها، يتحول فى أذهان المنقودين إلى نوع من العدوانية المستخدمة للهدم والتجريح لا لإعادة البناء ومد جسور التواصل والتطوير.. أليس هذا بعض ما يحدث فى مجتمعنا المصرى تجاه النقد والنقاد؟
سنجد أن غالبية دارسى ومحبى وممارسى الفن عموما - فن المسرح بصفة خاصة- يلخصون وظيفة النقد والناقد وقيمتهما فى عمليتى تقييم وتقويم العمل الفني، من أجل تصويب انحرافاته المؤثرة سلبا- وأحيانا زيادة المعطيات المؤثرة إيجابا- فى قيم الفن والجمال والخيرعلى إطلاقها، ويذكرنا شيخ النقاد محمد مندور أن للناقد ثلاث وظائف رئيسية هى بإيجاز:-
1.التفسير.
2.التعريف.
3.التوجيه أو (التنوير).
حيث تتلخص وظيفة التفسير فى محاولة تفسير ما قد يراه من غموض والتباس أو إبهام فى العمل الفني، استنادا إلى قراءاته ومعارفه العامة ومنهجه العلمى الذى يتخذه وسيلة وآداة لتشريح وتحليل وشرح وتوضيح موضوع العمل الفنى (فكرا، وتقنية).
أما مهمة التعريف بالعمل الفنى والفنان فهى مهمة تشترك فيها وسائل الصحافة والإعلام مع وسائل التواصل الاجتماعى اليوم. ثم تأتى وظيفة التوجيه أو (التنوير) وهى الوظيفة الأكثر تطورا وحضورا فى مهام ووظائف النقد، حيث يفترض فى العمل بالنقد أن ينحو للمستقبل وأن يسعى لتحقيق التنوير ونشر الاستنارة ضد كافة أشكال التأخر والرجعية العلمية والفكرية والمعرفية.
وفى رأيى أن وظيفة النقد الذى نحتاجه فى واقعنا المعاصر قد تجاوزت دورها المتخصص التقليدى القديم، وبدأت تأخذ مسارات وطرق جديدة منها الخروج من حيز التخصص إلى الحيز الانسانى العام، بحيث يمكن للناقد الخروج من عباءة الناقد المتخصص فى مجاله الأدبى / الفني/ الثقافي، ليؤدى وظيفة أكثر شمولا ودورا إنسانيا عاما، يستخدم فيه نفس أدواته المنهجية والبحثية لينجز مهام تقصى الأفكار والموضوعات والقضايا الإنسانية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
ربما يصل النقد بهذا حد فرض الكفاية ولا يكون ملزما لغيره باتباع ما وصلت إليه قريحة الناقد - المتسلح بمنهج علمى يتجاوز الانطباعات - من نتائج وإحالات وأدلة وبراهين عقلية ومنطقية ونقدية، تعزز دوره المجتمعى كشخص مؤثر، قادر على صياغة رؤية عامة تنبع من قلب التخصص، لتنتقل وتنتشر وتتجاوز أسوار الأزمة النقدية القائمة، وبما يعجل الوصول إلى حل عملى موضوعى لأبعادها القائمة.
من هنا تصبح مهمة الناقد توظيف علمه وفكره ومنهجه فى صياغة الرؤى العامة، والسياسات الفنية والثقافية الكبرى الشاملة، وهى ذات الوظيفة التى كان يقوم بها الشاعر فى مرحلة تاريخية سالفة. إذ يندر النظر إلى الناقد- فى مصر والعالم العربي- باعتباره شخصا يبحث عن الحقيقة ويحاول استيعابها وفهم مبررات وجودها وأسبابها، من اجل إعادة نقل خبراته الجمالية ونشر معرفته العقلية على الآخرين، بهدف تسهيل حصولهم على ذات الانفعالات الحسيةوالاستفادات العقلية الناتجة عن حالات الإشباع الفنى والعقلي. وإذا أعدنا على أنفسنا طرح السؤال المركزى فى هذه القضية: ماالنقد..؟ ما طبيعته؟ وما هى وظائفه الأساسية التى ينبغى عليه أن يقوم بها فى مجتمعاتنا الآن؟ وهل يكفى النقد أن يكون مجرد رأى يقال دون أن ينظر إلى جدواه؟
ألا يعزز كل هذا فرضية وجود نقص حاصل فى فهم ظاهرة النقد المسرحى المصرية وعلاقتها بواقعها الإنسانى المحيط (والذى يمكن أن يجسده فى هذه الصيغة: العلاقة بين النقد المسرحى والجمهور) نتيجة عدم دراسة مؤثرات وجود الظاهرة النقدية وعوامل تشكلها، بل وتعقدها وتشابك مستويات علاقاتها واختلاف المواقف الفكرية لنقاد المسرح فى تصوراتهم عن مفهوم النقد المسرحى ووظيفته بل وعن مفهوم ووظيفة المسرح ذاته، وهو ما أشعل الصراع قديما بين نقاد المسرح حول قضايا الشكل والمضمون والفن للفن أم الفن للمجتمع، وأظهر عدم القدرة على الجمع بين الآراء النقدية المتباينة، رغم دورانها كلها حول تمثلات وقراءات لتشكيل وجهة نظر نقدية عامة، تسمح بالمرور من خطوة النقد للتنظير النقدى نحو النظرية التى يمكن أن يتبناها الجمهور العام من الناس. إذ كيف يمكن إعادة بناء ومد الجسور بين نقد الناقد وبحر الجمهور الواسع مترامى الأطياف والأصناف العقلية والبشرية مرة أخرى وقد أخفقت التجارب السابقة فى تقديم حلول تسمح بإعادة تشكيل الذائقة الجمالية لمجتمع يتفكك من داخله، لا بفعل عوامل الأزمة القائمة فى الحاضر فقط، لكن لأسباب لا يمكن للنقد أو للناقد أن يتحدث عنها أصلا فى كلمة مكتوبة أو صورة مسجلة دون أن يناله ما قد يناله من غضب الجمهور؟

هل يتحول معرض الكتاب لمهرجان معرفى معزز؟
أندريه موروا.. فن السيرة الروائية
دراسة ميدانية : تكشف عزوف المشاهدين عن دراما رمضان!






