أندريه موروا.. فن السيرة الروائية

شيلي .. أندريه موروا
شيلي .. أندريه موروا


حاتم السروى 

فى عام 1923ظهر كتاب «حياة شيلي» للروائى والكاتب الصحفى الفرنسى أندريه موروا والذى عاش بين (26 يوليو 1885- 9 أكتوبر 1967) واشتهر بريادته لفن التراجِم حيث كتب سير العديد من الأدباء والفلاسفة، كما اشتهر بعمله فى جريدة «لو فيجارو» الفرنسية المعروفة.
كان «حياة شيلّي» هو أول كتاب يدون فيه موروا سيرة إحدى الشخصيات، وبعد أن لاقى رواجًا وأقبل عليه القراء ظهر تعبير مستحدث حاول بعض الصحفيين من خلاله أن يستنبطوا نوعًا أدبيًا جديدًا أطلقوا عليه «كتابة السيرة على الطريقة الروائية» ولعل موروا نفسه قد ساهم – دون أن يقصد- فى ظهور هذا المصطلح؛ حيث قال فى مقدمة «حياة شيلي»: «تمنيت أن أجعل من هذا الكتاب عملًا روائِيًّا أكثر من كونه عمل مؤرخ أو ناقد».

إلا أن موروا أكد أنه لم يسمح لنفسه أن يتخيل كلمة واحدة لم يقلها شيلى ثم ينسبها إليه، كما لم ينسب إليه إلا أفكاره الحقيقية دون أية إضافات، وكانت مصادره فى الكتابة عن هذا الشاعر الإنجليزى هى أشعاره وخطاباته وما رواه عنه أصدقاؤه، ومن هنا رأى الكاتب الفرنسى ميشيل دورا أن التعبير الأدق عن الفن الجديد الذى ابتكره موروا هو «السيرة الروائية» Biographie Romanesque من حيث أن الكاتب يستعين بالفن الروائى ليخرج لنا سيرة شائقة تستغنى عن جفاف قلم المؤرخ الأرشيفى لتجعل من المحكى عنه كائنًا حَيًّا يتبلور أمام أعيننا بإنسانية الكاتب الذى يروى السيرة بوصفه إنسانًا يحدثنا عن إنسان، وليس مؤرخًا يروى لنا واقعة أرشيفية.
وابتداءً من الأسطر الأولى فى هذه السير التى خطها موروا يضع الكاتب أبطاله فى مواجهة الحياة، لتظهر لنا تلقائيًا ردود الأفعال، والتكوين المتتابع للبطل، والنمو الطبيعي، وكل ذلك فى ترتيب منطقى لا ينفك عن الترتيب التاريخي، وبذلك نجد روح الرواية حيَّةً فى جسد السيرة.
على أن حِرَفِيَّة الروائى هنا لا تتجاوز الشكل، فالكاتب لا يتيح لنفسه حرية الارتجال؛ ولهذا نقرأ الوقائع الدقيقة والأحداث الحقيقية؛ غير أن موروا يؤمن بأن الجانب الروائى يكمن فى أعماق غالبية البشر، وكاتب السيرة أحد هؤلاء الذين تعيش الرواية بداخلهم، فيمكن له بالتالى أن يروى ظمأنا للحكى الروائى إذا ما تعمق فى حقائق حياة بطل السيرة، فالعمق هو الذى يخلق الرواية؛ أما الحدث فإنه لا يصلح للخلق بمفرده حتى فى الرواية الإبداعية، ناهيك عن السيرة الروائية.
وحتى نعى مسألة الفارق بين الروائى وبين كاتب السيرة يوضح لنا موروا أن بطل السيرة لا يكون فيها بمعزل عَمَّن رأوه ولاحظوا أفعاله، فلا يستطيع المؤرخ أن يتحدث عن المشاعر الداخلية للبطل إلا إذا كان هو بنفسه قد أفصح عنها، ولا يستطيع أن يتصور له مشهدًا وهو فى غرفة نومه مثلًا، فكل التفاصيل لابد أن تكون معروفة عنه، وإذا مرت منه حركة دون إدراكها أو بقى ملمح عميق من شخصيته الذاتية مجهولًا أو كان أحد المحيطين بالشخصية غير معروف، فإننا هنا بإزاء غموض لا يصح السكوت عليه؛لأن الغموض فى وقائع التاريخ عيب فى حق المؤرخ.
على حين ينطلق الروائى فى نسج الشخصية فيتخيل أو يستنبط كما يشاء، ويستطيع بسهولة إذا كان مبدعًا حقيقيًا أن يوفق بين الحياة الداخلية والحياة الخارجية للبطل، ولهذا يصبح كاتب السيرة أقل كمالًا إبداعيًا من الروائي، وذلك لأنه مقيد بالوثائق، وقد تكون هذه الوثائق مبعثرة وبالتالى يتوجب عليه أن يبذل جهدًا فى تنظيمها حتى يصل إلى التسلسل الحقيقى للأحداث ويكشف عنها الغموض، وليس له الحق فى أن يخرج البطل كما يتمناه؛ وإنما يجب أن ينحى ذوقه الخاص وألا يرتب سير الأحداث المُدَوَّن فى الوثائق حسب هواه بل وفق آليات معينة توافق عليها المؤرخون. ولأنه محكوم بالوثائق فإنه قد يعانى فى حالتين؛ حالة وفرة الوثائق بحيث تتوه الحقيقة بين الأوراق بما يؤدى إلى ضرورة بذل المزيد من الجهد حتى يستخلص الحقيقة التاريخية، والحالة الأخرى هى قلة الوثائق أو ندرتها.
ثم يروق لموروا أن يعطينا مثالًا عمليًا يُجَلِّى لنا حقيقة الفرق بين المبدع الروائى وبين كاتب السيرة فيذكر لنا تلك الفقرة التى كتبها ليو تولستوى فى روايته الملحمية «الحرب والسلام» عن نابليون: «وضع يده التى تمسك بالصليب على صدر الجندي، وكأن هذه اللمسة تكفى لتجعل هذا الشجاع هنيئًا إلى الأبد؛ لأنه أنعم عليه بالوسام، وميزه بذلك على الآخرين».. فلا يوجد كاتب سيرة يستطيع أن يعطى لنابليون هذا التأثير الذى يعيش فى كيان الجندي، لأننا لا نتصور أن شاهدًا فعليًا على هذا الحدث قد روى عن نابليون ذاك التأثير، وذلك باختصار لأن هذا التأثير هو من وحى خيال الكاتب.
وقد وعى موروا حقيقة أن الحرية الخلَّاقة محرمة على كاتب السيرة، فاستعان بالفن الروائى فى سد الثغرة التى يعانى منها مؤرخ الشخصيات الأدبية والمفكرين، فهذا المؤرخ لا يستطيع أن يخلق حياة موازية على الورق تتجمع حول عاطفة معينة، بل يعانى صعوبة فى تركيب سيرة البطل، ويواجه تلك الحقيقة بشجاعة إذا أراد أن ينجز عمله على أحسن ما يكون محاولًا ألا يتأثر بالشخصية المكتوب عنها إلى حد تجريدها من نوازع البشرية ونقائصها، وكما ينبغى على الشاعر أن يصب أحاسيسه فى أوزان الشعر فلا يتعداها؛ فإن مؤرخ الأدباء والفلاسفة عليه أن يصب أفكاره فى قالب الحقيقة فلا يتعداها.
ولأن الفن «ضغط وضرورة» فقد استطاع موروا بعد أن هداه تفكيره أن يبتكر نوعًا جديدًا من الكتابة السِّيَرِيَّة مزج فيه بين أدوات الروائى وشروط المؤرخ؛ فجعل الأديب والفيلسوف بطلًا روائِيًّا يعيش فى إطار من المشاهد التى يراها القارئ بعينى خياله، وفى نفس الوقت لا يعدو حقيقته التى عرفناها من خلال كتبه وما ذكره عن نفسه وذكره عنه المحيطون به من أهل عصره ومصره.
ولاشك أن موروا قد استطاع أن يفرق بين الرواية من جهة وبين كتابة السيرة من جهة أخرى لأنه كان واعيًا بالفرق بين حقيقة الرواية وأدواتها، وفن كتابة السير ووسائله، فأخرج لنا هذا النوع الجديد «السيرة الروائية» والذى لا يشبه الرواية إلا فى التدفق، فالحياة فى هذا النوع من السيرة انسيابية متدفقة وطبيعية، كأنها حياتنا التى نعرفها وليست حياة جامدة ينقلها لنا مؤرخ مهمته أن ينقل الأحداث بدقة لا أن ينفذ إلى صميم الإنسان، ومع ذلك فإن بعض المؤرخين يكتبون بلغة أدبية رشيقة تمتع القارئ وتحببه فى التاريخ، وما كان الأدب فى مكتوبٍ إلا زَانَه، لأن الأدب جمال اللغة ومتعة القراء.
والآن سؤالٌ يطرح نفسه: لماذا يختار كاتب السيرة شخصًا بعينه ليكتب عنه؟ والإجابة أن الكاتب عادةً يختار الشخصية التى يشعر معها بانفعال تلقائى أكثر من غيرها، لأنها تعبر عنه فى مواقفها وعواطفها وأفكارها ورؤاها، وبالتالى يكتب عَمَّن يتفق معه ويعبر عن ميوله، وهذا ما نلمسه فى كتابة موروا عن شيلى من حيث أن مواقف الكاتب الفلسفية والسياسية تقترب من آراء المكتوب عنه، وعثرات شيلى فى حياته تشبه عثرات موروا ولهذا جاءت كتابته عنه تحريرًا للذات من خلال الكتابة ونوعًا من السيرة الذاتية يأخذ شكل الكتابة عن (الآخر).
وبقى القول فى النهاية أن موروا اسمه الحقيقى هو إميل سالومون فيلهلم هِرتزوج وكان فى مطلع شبابه يعمل مع والده صاحب مصنع النسيج، فلا نعجب إذا رأيناه يغزل حياة الفلاسفة والأدباء فيصنع منها نسيجًا مكتملًا جميل الشكل ثرى المضمون، وقد ساعدته دراسته للفلسفة التى حصل فيها على شهادة عالية فى كتابته فجعلتها أشمل وأعمق وأكثر نفاذًا إلى حقائق الشخصيات والأحداث.
وبالإضافة إلى كتابة السير عن الأدباء الكبار أمثال: فولتير، وبلزاك، وجورج ساند، وفيكتور هوجو، كانت له مساهمات فى الأدب الساخر والروايات السردية والكتابة الفكرية، كما شملت اهتماماته عالم السينما فكان رئيسًا للجنة التحكيم فى مهرجان «كان» السينمائي، وهو بحق أحد أبرز عباقرة القرن العشرين فى الرواية والصحافة والتاريخ، وأحد أهم الأساتذة فى مجال قراءة الأفكار ودراسة الشخصيات.