حدود السائل والصلب: الثقافة المستقلة فى مصر بين البقاء والتحول

صورة موضوعية
صورة موضوعية


د‭. ‬نهال‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف

لا يمكن قراءة المشهد الثقافى المصرى اليوم من خلال عدد الندوات، أو كثافة المهرجانات، أو حجم المبانى الثقافية وحدها. فالسؤال الأهم لم يعد: كم لدينا من قصور ثقافة، ومراكز فنون، ومسارح، وقاعات عرض؟ وإنما: ما الذى يحدث فعلاً داخل هذه المساحات؟ ومن يصنع الفعل الثقافى الحي؟ ومن يملك القدرة على الوصول إلى الناس، لا بوصفهم جمهوراً صامتاً ينتظر ما يُقدَّم له، وإنما بوصفهم شركاء فى إنتاج المعنى؟

فى قلب هذا السؤال يقف توتر واضح بين منطقين: منطق المؤسسة الثقافية الرسمية بما تملكه من مبانٍ، وميزانيات، وأطر إدارية، وتاريخ طويل من الرعاية الثقافية؛ ومنطق الحركة الثقافية المستقلة بما تحمله من مرونة، ومبادرة فردية، وشبكات صغيرة، وقدرة دائمة على ابتكار البدائل. الأول يمكن وصفه، استعارةً من زيجمونت باومان، بالثقافة «الصلبة»: ثقافة الجدران، واللوائح، والتراتبية، والبرامج المعدة سلفاً. أما الثانى فينتمى إلى ما يمكن تسميته بالثقافة “السائلة”: ثقافة الحركة، والتدفق، والمبادرة، وإعادة استخدام المساحات، والتكيف مع نقص الموارد.

ليست المسألة هنا انحيازاً رومانسياً إلى المستقلين فى مواجهة الدولة، ولا دعوة إلى إلغاء الدور الرسمى أو التقليل من ضرورته. فالثقافة لا تقوم على طرف واحد. الدولة تملك البنية، والذاكرة المؤسسية، والقدرة على التوزيع الجغرافى الواسع. غير أن الفاعلين المستقلين يملكون شيئاً يصعب تعويضه: الخيال العملي. ذلك الخيال الذى يحول غرفة صغيرة إلى ورشة كتابة، ومقهى إلى صالون نقدي، وشارعاً عادياً إلى مساحة عرض، ومبنى قديماً إلى مختبر بصري، ولقاءً محدود الحضور إلى شبكة تأثير تتجاوز حدود المكان.

فى السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن كثيراً من الحيوية الثقافية فى مصر لا ينشأ بالضرورة من قلب المؤسسة، بل من أطرافها، ومن شقوق المدينة، ومن مبادرات أفراد ومجموعات صغيرة لا تنتظر دائماً إذناً كاملاً لكى تبدأ. هذه المبادرات تسد فراغات لا تستطيع المؤسسة البيروقراطية أن تلحق بها بالسرعة نفسها. فهى أكثر حساسية للتحولات الجمالية، وأكثر قدرة على التقاط احتياجات الشباب، وأكثر استعداداً للمخاطرة الفنية والفكرية. فى المقابل، كثير من المؤسسات الرسمية، رغم أهمية وجودها، تعمل بمنطق البرنامج الآمن: ندوة تقليدية، احتفال موسمي، أمسية مكررة، أو فعالية لا تترك أثراً يتجاوز لحظة انعقادها.

من هنا تكتسب الصالونات الثقافية المستقلة أهميتها. فهى ليست مجرد تجمعات نخبوية حول مائدة كلام، كما كان يُنظر إليها أحياناً، وإنما يمكن أن تتحول إلى بنية موازية لإنتاج المعرفة. صالون سينمائى مثل صالون المخرج أشرف فايق، على سبيل المثال، يبرهن أن الفرد، حين يمتلك رؤية واستمرارية، يستطيع أن يصنع جمهوراً، وأن يعيد فتح كلاسيكيات السينما المصرية على أسئلة جديدة: كيف نقرأ الصورة؟ كيف تشكلت الذاكرة البصرية؟ كيف صنعت السينما وجدان أجيال كاملة؟ مثل هذه المبادرات لا تحتاج إلى جهاز ضخم بقدر ما تحتاج إلى شغف منظم، وإلى معرفة حقيقية، وإلى إيمان بأن الجمهور ليس كتلة خاملة، بل عقل قابل للحوار.

وتنتمى إلى هذا السياق أيضاً الندوات التى تنظمها دور نشر ومنصات فكرية مستقلة، مثل دار الثقافة الجديدة وغيرها من المساحات التى حافظت على تقليد النقاش العام حول الكتب والأفكار. تعمل هذه الندوات على تحويل الكتاب من سلعة على رف إلى مدخل للاشتباك النقدى مع الواقع. وما يميز هذه الفضاءات أنها لا تفصل الأدب عن السياسة، ولا الفكر عن المجتمع، ولا المعرفة عن السؤال الأخلاقي. إنها تعيد للثقافة دورها الأول: أن تكون مساحة للتفكير فى الحياة لا مجرد نشاط جانبى للترفيه.

أما فى الشارع، فتظهر قوة الثقافة المستقلة فى أكثر صورها وضوحاً. فمبادرات مثل “شارع الفن” تعيد طرح سؤال شديد البساطة والعمق: لماذا يجب أن تبقى الفنون محصورة داخل القاعات؟ ولماذا لا يلتقى العابرون بالموسيقى، والرسم، والحكي، والأداء الحى فى فضائهم اليومي؟ حين ينتقل الفن إلى الرصيف، لا يفقد قيمته، وإنما يستعيد علاقته الأولى بالناس. يتحول الشارع من ممر عبور إلى فضاء تلقٍّ، ومن مساحة استهلاك عابر إلى مساحة دهشة. وفى مدينة مثل القاهرة، حيث يضغط العمران على الجسد والخيال معاً، يصبح استرداد الشارع فعلاً ثقافياً وسياسياً بالمعنى الواسع للكلمة: فعلاً يستعيد الحق فى المشاركة، وفى النظر، وفى التفاعل.

وسط القاهرة تظل، فى هذا السياق، واحدة من أهم الجغرافيات الثقافية فى مصر. معمارها القديم، مقاهيها، ممراتها، عماراتها ذات الذاكرة الكوزموبوليتانية، كلها تمنح الفعل المستقل مادة رمزية نادرة. لهذا لم يكن غريباً أن تصبح المنطقة حاضنة لمهرجانات ومساحات فنية تعيد استخدام الأماكن غير التقليدية، وتدفع بالفن إلى خارج خشبة المسرح المغلقة. فالمكان هنا ليس خلفية محايدة، وإنما شريك فى صناعة الدلالة. حين يُقدَّم عرض راقص أو موسيقى فى مبنى قديم أو ساحة عامة، فإن العمل الفنى لا يستخدم المكان فقط، وإنما يحاوره، ويوقظ طبقاته التاريخية، ويعيد للمدينة بعضاً من ذاكرتها المنسية.

فى هذا الإطار، تبرز مؤسسات نوعية مثل مركز الصورة المعاصرة، الذى جعل من الصورة موضوعاً للمعرفة لا مجرد أداة للتوثيق أو الزينة. فالمركز، بما يقدمه من معارض، ومحاضرات، وورش، ومساحات تعلم، يطرح سؤالاً بالغ الأهمية فى زمن الصورة الطاغية: كيف نرى؟ وكيف تُصنع الصور؟ وكيف تُستخدم فى الإعلام والسياسة والذاكرة؟ أهمية مثل هذه المؤسسات أنها لا تكتفى بعرض الفن، وإنما تنتج حوله خطاباً نقدياً، وتربط الممارسة البصرية بالفكر، وتدرب أجيالاً جديدة على النظر بوصفه فعلاً واعياً لا تلقياً ساذجاً.

ومن وسط المدينة إلى القاهرة القديمة، يطل نموذج آخر بالغ الدلالة: درب ١٧١٨ فى الفسطاط. لقد جمع هذا الفضاء، منذ تأسيسه، بين الفن المعاصر والحرف التقليدية، بين الفنان الأكاديمى والحرفي، بين الذاكرة اليدوية والجماليات الجديدة. فى حى الفخارين، لا تبدو الثقافة ترفاً مستورداً، وإنما امتداداً طبيعياً لحياة الناس، لأيديهم، لموادهم، ولتاريخ المكان. لذلك أثارت أزمة الإخلاء والهدم التى تعرض لها المركز قلقاً واسعاً فى الأوساط الثقافية، لأنها لم تكن مجرد فقدان لمبنى، وإنما تهديداً لفكرة كاملة: أن المكان الثقافى ليس حجراً يمكن تعويضه بسهولة، وإنما ذاكرة عمل، وعلاقات، وورش، وتدريب، ووجوه، ومسارات تعلم تراكمت عبر سنوات.

تلك الأزمة تكشف واحدة من أعقد مشكلات الثقافة فى مصر: الصدام بين مشروعات التطوير العمرانى وبين حماية الأصول الرمزية للمجتمعات الإبداعية. فالتطوير ينبغى ألا يعنى إزالة كل ما لا يدخل بسهولة فى تصور هندسى للطريق أو الواجهة. المدن لا تعيش بالبنية التحتية وحدها. تعيش أيضاً بذاكرتها، وبأماكنها الصغيرة، وبالمراكز التى صنعت علاقات إنسانية ومعرفية لا تُرى فى خرائط التخطيط. وإذا كانت الدولة معنية بالقوة الناعمة، فإن أول شروط هذه القوة أن تصون الأماكن التى تنتجها بالفعل.

فى الإسكندرية، يأخذ المشهد المستقل نبرة مختلفة، أكثر التصاقاً بالبحر والسينما والذاكرة الكوزموبوليتانية. وكالة بهنا فى المنشية ليست مجرد مبنى قديم أُعيد استخدامه، وإنما طبقة من تاريخ السينما العربية. فهى ترتبط بعائلة كان لها حضور فى الإنتاج والتوزيع السينمائي، ثم تحولت، عبر جهود الورثة وفنانين شباب ومبادرات مستقلة، إلى مساحة للفنون البصرية والسينما والأرشيف والورش. هنا تستعيد المدينة جزءاً من صورتها القديمة كمدينة عبور ثقافي، مدينة تتراكم فيها اللغات والوجوه والصور.

إلى جوار ذلك، يلعب مركز الجيزويت الثقافى فى الإسكندرية دوراً مهماً فى دعم المسرح المجتمعي، والحكي، والتدريب الفني، ومساحات التعبير الشبابي. ولا تكمن أهمية هذه التجارب فى أنها تقدم عروضاً فقط، وإنما فى أنها تدرب، وتصاحب، وتخلق جمهوراً جديداً، وتفتح للفن علاقة مباشرة بالحياة اليومية. فالمسرح، حين يخرج من صورته الاحتفالية الجامدة، يستطيع أن يكون أداة لفهم الذات، ولتسمية الألم، ولتحويل الخبرة الفردية إلى حكاية مشتركة.

غير أن الحديث عن القاهرة والإسكندرية يجب ألا يحجب السؤال الأصعب: ماذا عن الأقاليم؟ هنا تظهر بحدة مشكلة اللامركزية الثقافية. فالدولة تستطيع أن تفتتح مبنى ثقافياً فى محافظة أو قرية، لكنها لا تضمن بذلك وجود حياة ثقافية. اللامركزية لا تعنى توزيع الجدران، وإنما توزيع القدرة على الفعل. الفارق كبير بين أن نبنى قصراً للثقافة، وأن نصنع داخله إدارة مرنة، وكوادر مدربة، وبرنامجاً مستجيباً لاحتياجات البيئة المحلية، وشراكة مع مبدعين من نفس المجتمع.

كثير من المواقع الثقافية الرسمية فى المحافظات يعانى من ضعف الصلة بالمحيط الاجتماعي، لا بسبب غياب الإمكانات دائماً، وإنما بسبب غياب الخيال الإداري. وفى المقابل، استطاعت جمعيات ومبادرات أهلية فى الصعيد وغيره أن تصل إلى الناس عبر التعليم الإبداعي، وإحياء الحرف، وبرامج التنمية الثقافية المرتبطة بفرص العيش. حين تعمل جمعية على إحياء نسيج أخميم، أو تدريب فتيات وشباب على حرفة تقليدية، فهى لا تحفظ تراثاً فقط؛ فهى تخلق كذلك علاقة بين الثقافة والكرامة الاقتصادية. وهذه نقطة ينبغى أن تلتفت إليها السياسات العامة: الثقافة ليست نشاطاً جانبياً بعد التنمية، وإنما جزء من التنمية نفسها.

ولعل واحدة من أهم تجارب الاستقلال الثقافى فى مصر هى التجارب التى نجحت فى الاستمرار لا فى الظهور فقط. فالساحة مليئة بمبادرات تلمع سريعاً ثم تنطفئ. أما الاستمرار فهو الامتحان الحقيقي. من هنا تأتى أهمية فرقة الورشة المسرحية التى أسسها حسن الجريتلى فى أواخر الثمانينيات، بوصفها تجربة مؤسسة فى المسرح المستقل. أعادت الورشة الاعتبار للحكي، والسيرة الشعبية، وفنون الأداء، والذاكرة الشفاهية، وخرج من تجربتها فنانون وممثلون ومبدعون أثروا المجال المسرحى والسينمائي. أهم ما فى هذه التجربة أنها فهمت الاستقلال لا بوصفه شعاراً، وإنما بوصفه ممارسة يومية: تدريب، وانضباط، وبحث، وتطوير أدوات، واشتباك مع التراث من دون تحويله إلى فولكلور جامد.

وفى السينما، تقدم “زاوية” نموذجاً آخر للاستقلال القادر على صناعة جمهور بديل. فمنذ تأسيسها، فتحت شاشة للأفلام التى لا تجد مكاناً فى منطق السوق التجاري: الأفلام الوثائقية، والتجريبية، والمستقلة، والعربية والعالمية ذات الحس الإنسانى والفني. أهمية زاوية لا تقف عند عرض الأفلام، وإنما تمتد إلى بناء ذائقة، ودعم توزيع بديل، وخلق نقاش حول السينما بوصفها فناً لا مجرد ترفيه سريع. وفى زمن تهيمن فيه المنصات التجارية والخوارزميات على عادات المشاهدة، يصبح وجود شاشة مستقلة عملاً ثقافياً ضرورياً.

وفى مجال الفنون الرقمية والوسائط الجديدة، تمثل مساحة مثل “مدرار” نموذجاً للمؤسسة الصغيرة التى التقطت مبكراً تحولات الفن المعاصر، وفتحت مجالاً للفيديو آرت، والفنون البينية، وتجارب الشباب. هذه الكيانات لا تنتظر أن تعترف بها المؤسسات التقليدية لكى تبدأ، وإنما تصنع شرعيتها من العمل المتواصل، ومن قدرتها على التشبيك، ومن إنتاج أرشيف حى لتجارب كان يمكن أن تضيع فى الهامش.

ولا يقتصر المشهد المستقل على الفنون البصرية والأدائية. فهناك انتشار متزايد لورش الكتابة، وبرامج تدريب السرد، ومساحات القراءة النقدية، وهى كلها تؤدى وظيفة غائبة غالباً عن التعليم الأكاديمى التقليدي. يتعلم المشاركون فيها بناء الشخصية، والحبكة، والصوت السردي، ومراجعة النص، والقراءة المتبادلة. قد تبدو هذه الورش للبعض نشاطاً محدوداً، لكنها فى الحقيقة تسهم فى تكوين جيل جديد من الكتاب، وتمنح الكتابة بعداً عملياً وتشاركياً افتقدته المؤسسات التعليمية طويلاً.

لكن هذه الحيوية تصطدم دائماً بسؤال القانون والتمويل. فالمجموعات الثقافية المستقلة تتحرك فى بيئة إدارية وتشريعية معقدة، تجعل تأسيس كيان صغير أمراً مرهقاً، وتضع أمامه اشتراطات لا تتناسب غالباً مع طبيعته الهشة والمرنة. كثير من المبادرات لا يحتاج فى بدايته إلى مقر كبير أو هيكل إدارى ثقيل، وإنما إلى مساحة مؤقتة، وفريق صغير، وتمويل محدود، وحرية فى التجريب. وحين تُعامل هذه المبادرات بالمنطق نفسه الذى تُعامل به المؤسسات الكبيرة، فإننا نخنقها قبل أن تنضج.

لذلك يلجأ بعض الفاعلين إلى تسجيل كياناتهم كشركات صغيرة أو مساحات تدريبية أو مشروعات تجارية محدودة، لا حباً فى السوق بالضرورة، وإنما بحثاً عن صيغة قانونية أقل تعقيداً. هذه المناورة تكشف أن المشكلة ليست فى رغبة المستقلين فى الهروب من التنظيم، وإنما فى غياب إطار قانونى مناسب لطبيعة العمل الثقافى الصغير والمتغير. نحن بحاجة إلى صيغة تعترف بالمبادرة الثقافية ككيان خفيف، لا كجمعية ضخمة ولا كشركة ربحية خالصة. صيغة تمنحها حق العمل، وتضمن الشفافية، وتخفف العبء الإداري، وتحميها من التوقف بسبب الإجراءات.

أما التمويل، فهو التحدى الدائم. فالثقافة المستقلة لا تستطيع أن تعيش طويلاً على الشغف وحده. تحتاج إلى موارد، وإلى رعاية ذكية، وإلى شراكات لا تصادر استقلالها. ومن هنا تبرز أهمية دخول القطاع الخاص، والمؤسسات التكنولوجية، وصناديق الدعم الثقافي، لا بمنطق الإعلان التجارى السريع، وإنما بمنطق الاستثمار فى البنية الإبداعية للمجتمع. فدعم الموسيقى، والمسرح، والفنون البصرية، والورش، ليس عملاً خيرياً عابراً؛ إنه استثمار فى الخيال العام، وفى صورة البلد، وفى قدرته على إنتاج معنى جديد.

إن المقارنة بين الثقافة الرسمية والثقافة المستقلة لا ينبغى أن تنتهى إلى خصومة. فالثقافة الرسمية تملك ما لا يملكه المستقلون: الانتشار، والبنية، والحماية المؤسسية، والقدرة على الوصول إلى مناطق لا تستطيع المبادرات الصغيرة بلوغها بسهولة. والمستقلون يملكون ما تفتقده المؤسسة غالباً: الخفة، والجرأة، وسرعة الاستجابة، والاتصال الحى بالجمهور. المشكلة تبدأ حين تنظر الدولة إلى المبادرة الحرة كإزعاج، أو حين ينظر المستقلون إلى المؤسسة الرسمية كخصم مطلق. والحل لا يكون إلا بتخيل صيغة شراكة جديدة.

ما الذى يمنع، مثلاً، أن تفتح قصور الثقافة المغلقة أو الراكدة أبوابها أمام مبادرات مستقلة تدير برامج شهرية بالشراكة مع الدولة؟ ما الذى يمنع أن تتعاقد الوزارة مع صالونات ثقافية، وفرق مسرحية، ومدربين مستقلين، ومبادرات كتابة، ومراكز فنون بصرية، لتنشيط المواقع الموجودة بالفعل؟ الدولة هنا لا تتنازل عن دورها، وإنما تطوره. تتحول من راعٍ مركزى يحتكر الفعل إلى منصة تمكين وتنسيق. تمنح الجدران لمن يملك القدرة على بث الروح فيها.

إن مستقبل الثقافة فى مصر لن تصنعه المبانى وحدها، ولا المبادرات الفردية وحدها. المستقبل يحتاج إلى صلابة تحمي، وسيولة تحرك. يحتاج إلى مؤسسة تعرف متى تفتح المجال، وإلى مستقلين يعرفون كيف يحولون الحرية إلى عمل مستدام. بين السائل والصلب يمكن أن تتشكل معادلة جديدة: دولة لا تخاف من الخيال، ومجتمع مدنى لا يعمل فى الهامش وحده، وجمهور لا يكتفى بالمشاهدة، بل يشارك فى صناعة المعنى.

الثقافة المستقلة فى مصر ليست ترفاً نخبوياً، ولا زينة حضرية، ولا رد فعل عابراً على بطء المؤسسة. إنها أحد أهم مختبرات المجتمع المصرى لفهم نفسه، وتجديد لغته، ومواجهة عزلاته، وابتكار أشكال جديدة من العيش المشترك. وحين ندافع عنها، فنحن لا ندافع عن مجموعة مراكز أو أسماء أو ورش؛ إننا ندافع عن حق المجتمع فى أن يظل حياً، متخيلاً، وقادراً على الكلام.

فالصلب وحده قد يتحول إلى جمود، والسائل وحده قد يتبدد بلا أثر. أما الثقافة الحقيقية فتحتاج إلى الاثنين معاً: إلى بنية لا تخنق، وحرية لا تتلاشى، وإلى إيمان عميق بأن المعنى لا يُنتج بالأوامر، وإنما يولد حيث يلتقى الناس، ويتحاورون، ويختلفون، ويحلمون.

اقرأ  أيضا: مؤتمر اليوم الواحد بقصر ثقافة العريش بعنوان «الشعر والهوية الوطنية»