حسن شحاتة سر حياتى

حسن شحاتة
حسن شحاتة


نوارة نجم

أتذكر جيدًا هدف مجدى عبد الغنى فى مونديال 1990. كنت وقتها فى الإجازة الصيفية للمدرسة، منتقلةً من المرحلة الإعدادية إلى الصف الأول الثانوي. وكانت أمى فى رحلة عمل، أظنها سافرت لحضور مؤتمرٍ ما خارج البلاد، وأبى لم يكن بالإمكان العثور عليه. وكان ذاك هو الإطار العام لذكريات طفولتى وصباي؛ أمى فى العمل، وأبى مختفٍ فى ظرفٍ ما؛ إما لأنه فى المعتقل، أو لأننا خارج البلاد، أو لأنه هو خارج البلاد، أو ببساطة لأنه هائم فى الملكوت، يسير فى الطرقات على غير هدى، أو يبيت فى مكان مجهول. وأنا جالسة «مع الناس». طفلة وصبية ثرثارة، كثيرة الأسئلة، تشرد فجأة، وتشعر بالملل بسرعة.
كنت فى البيت مع «الناس»؛ على ما أذكر كانت معى طنط شاهندة مقلد، وسكرتيرة والدتي، وجارتنا التى تكبرنى بست سنوات، نتابع مباراة مصر وهولندا. أما عن اهتمام «الناس» المحيطين بى بالكرة، فقد تفاوت ما بين مشجعةٍ بحرارة، مثل سكرتيرة والدتي، وما بين متابعةٍ تشجيعًا لمصر، كالجارة. فيما لم تسترع كرة القدم انتباه طنط شاهندة، غير أنها رأت أن تجارينا فى متابعة المباراة حرصًا منها على الأنس والتلطف مع صبيةٍ تكدّ والدتها، ويغيب أو يُغيَّب والدها دومًا.
لولا حسن شحاتة، لما كان لى اهتمام بكرة القدم. وقت أن عدت مع والدتى من بغداد، كنت فى السادسة، وقد شاع بين الأطفال آنذاك «ألبوم بمبم»؛ كنا نشترى من كشك السجائر ألبوم صور مخصصًا للاعبى كرة القدم المصرية، وكلما فتحنا قطعة لبان، وجدنا صورة للاعب كرة، فنقوم بلصق صورة اللاعب فى الألبوم فى الخانة المخصصة له. وكان هذا يستدعى أن نتعلم أسماء اللاعبين لنضع الصور فى مكانها الصحيح، وقد ساعدنى فى ذلك أبى فى الفترات التى كنت أجده فيها. ذات يوم نزعتُ ورقة الغلاف من فوق قطعة اللبان، فوجدت صورة للاعب يشبه أبي، أو هكذا ظننت. لحظتئذٍ، أشرت إلى أبى الذى كان يجلس بجوارى فى مشهد نادر: «مين ده يا بابا؟» 
ـ حسن شحاتة.. 
ـ وده زملكاوى ولا أهلاوي؟ 
ـ مش شايفة الفانلة بتاعته؟ ده كابتن الزمالك.. 
ـ أنا زمالكاوية.. 
ـ إخص.. ليه؟ 
ـ كده.. 
لم أبح لأبى بأننى اعتنقت العقيدة الكروية الزمالكاوية لأن كابتن الزمالك يشبهه. ومنذ ذلك الحين وأنا أتابع مباريات الزمالك بدعم وحماس، تأييدًا لشبيه والدي، على الرغم من أن والدى اشتهر بأنه المشجع الأول للنادى الأهلي.
أما مجدى عبد الغني، فقد كانت لى صديقة فى المرحلة الابتدائية تصر على أن مجدى عبد الغنى ابن عمها. حتى هذه اللحظة لا أعلم مدى صدق هذا الادعاء، لكنها كانت تقضى طوال فترة «الفسحة» تحكى حكايات كثيرة عنه، لا أذكر منها شيئًا لأننى ربما شككت فى صحتها. فقد كانت مروة تنافسنى فى الثرثرة، وكان لدى من غرائبية الحكايات عن حياتى ما يثير انتباه الأصدقاء، وأحيانا ريبتهم، وربما غيرتهم. بعد أن قصصت على مروة أن أبى شاعر كبير يسكن فى حارة، وأن أمى جدها الأكبر ملك، وأننى قابلت سعاد حسنى وعادل إمام وسعيد صالح فى تلك الحارة التى يقطن فيها أبي، رأت مروة أنه لابد من كشف النقاب عما لديها من حكايات هى الأخرى. ظل مجدى عبد الغنى واضحًا فى ذهنى كطفلة، بسبب روايات الصديقة عنه.
العقل البشرى قادر على استحضار شذرات الماضى فى لحظة فارقة، فقد عبرت كل هذه الأفكار بعقلى وأنا أترقب مع الجمع الصغير استعداد مجدى عبد الغنى لركلة الجزاء. ثم سدد. ثم كانت الصرخة: «عدالة السماء نزلت على استاد باليرمو».
لم أزل من يومها أتطلع إلى عدالة السماء، وأنتظرها دائما..