هند جعفر
فى زمن مضى، سألت أمى عن صورة شاب نحيف يرتدى فانلة لا تظهر ألوانها بسبب تقنية الأبيض والأسود، كانت الصورة معلقة بجوار صور جدى وجدتى الراحلين على حائط بيتنا بالإسماعيلية. فى أسى أجابتنى أمى «ده رضا»، وأكملت: «لعيب كورة كان بيلعب فى الإسماعيلى».
يولد الاسمعلاوى وفى قلبه وعقله ويده كرة قدم يراوغ ويسدد بها، وحين كبرت قليلا وأصبحت أصف موقع منزلنا أقول بثقة أنه يقع فى تقاطع رضا والمدارس! وهو أمر كاف لمن يستمع لى ليحدد مكانى بدقة؛ فمن فى الإسماعيلية لا يعرف شارع رضا؟ ورضا؟ إنه الشارع الذى يقع فيه استاد النادى الإسماعيلى، ورضا هو أحرف لاعب إسمعلاوى وربما مصرى ظهر فى عالم كرة القدم ومات صغيرا كعادة الأساطير، وصورته تحتل مكانًا مميزًا فى كل بيت اسمعلاوى؛ يكبر الطفل الاسمعلاوى وهو يعلم جيدا تاريخ رضا وشحتة وأبو جريشة.
أحب كرة القدم، لعبتها فى الشارع لسنوات؛ فلا غضاضة أن تلعب البنات فى الإسماعيلية كرة القدم، صحيح أنى لم أمارسها بشكل دورى مثل التنس الأرضى أو كرة السرعة اللذين فُرضا على كتمرين مرتين أسبوعيا، ولم تكن كالسلة التى مارستها فى المدرسة، إلا أنها تتميز من بينهم فى أنها لعبتى المفضلة. مازلت أحرص على متابعة نتائج الدوريات الخمس الكبرى، وأحيانا ما أنتقى مباريات بعينها أتابعها فى الدورى الإنجليزى.. حاولت تشجيع فرقا كثيرة إلا أن الانتماء مازال هو نفسه للفانلة الصفراء المطعمة بالأزرق، رغم كل ما تعانيه لا يعرف قلبى إلا تشجيع الدراويش والتعصب لهم. ولعل هذا الانتماء هو ما جعل ذكرياتى الكروية ترتبط بمحطات بعينها، لا أنساها مهما مر الزمن. أذكر جيدا أول كأس عالم شاهدته فى حياتى فى عام 1994، ومهما شاهدت غيره يظل هو الأقرب إلى قلبى، رغم أنى لا أتذكر منه سوى مشهد روماريو وبيبيتو وهما يحتفلان بالأهداف وكأنهما يهدهدان طفلا! أذيعت المباريات فى أوقات متأخرة على القناة الثانية، وتحلقت العائلة حول التليفزيون يشجعون البرازيل، ولذا قمت بتشجيعها معهم، كنا كعالم ثالث نشجع بعضنا البعض! وفى منافسات 98 حين لعبت البرازيل مع فرنسا، شجع أقربائى زيدان وتعجبت أين ذهب الولاء للبرازيل، كنت مفتونة بلاعب تميزه أسنانه الأمامية يدعى رونالدو، ومازلت حين أختار لاعبا مفضلا أقول على الفور رونالدو نزاريو وهو اللقب الذى اضطررنا إلى إلحاقه به فيما بعد لتمييزه عن البرتغالى كريستيانو.
جاء مونديال 2002 وفعلتها البرازيل مرة خامسة، ومازلت كلما أردت تحدى ذاكرتى عددت بعض أسماءهم وقتها، ترافق هذا مع ولعنا بتجميع صور اللاعبين ومبادلتها، لأى هدف؟ لا أعرف! لم نكن وقتها نعلم أن هناك ألبوما عالميا شهيرا مخصصًا لهذا الأمر، كنا نشترى ألبومات رخيصة محلية الصنع ولكنها تفى بالغرض.
مرت 4 سنوات أخرى وجاء مونديال 2006، الذى فازت به إيطاليا والمصرى قبل فسطاطى ميسى – رونالدو كان منحازا إما لإيطاليا أو للبرازيل، وقلة ظلوا على وفائهم للأرجنتين لحبهم فى مارادونا.
وجاء مونديال 2010 فى جنوب إفريقيا ومعه فقدت اهتمامى بكأس العالم، سبق هذا بالطبع فضيحة الصفر الشهيرة! ومن وقتها لم يعد كأس العالم يعنى لى شيئًا، كما أنى لم أعد من المتيمين بنجم معين لأتمنى فوز بلاده بالكأس، إلا أننى حين أراقب نفسى أجدنى دوما متحمسة لمن هم خارج التوقعات، أو فلنقل أنى بت أنحاز بقوة للقادمين من الخلف؛ فلم لا تفوز النرويج مثلا؟ أريد فريقا مغمورا يأتى من بعيد ليحصد الكؤوس ويثير الإعجاب مثلما كان فريق مدينتى يوما ما يفعلها قبل أن يغيب بفعل فاعل.
حسن شحاتة سر حياتى
جون يا بيبو.. جون
أخويّة للرجال فقط…






