أخويّة للرجال فقط…

حسام حسن والجوهري
حسام حسن والجوهري


هبة حسب 

لا أعنى بهذا العنوان أن ملعب كرة القدم حكر على الرجال دون النساء، أو أنها لعبة لا تناسب الجنس اللطيف. لكنى أعنى هنا هذا المجتمع الذكورى وتلك الأخوية التى تجمع بين أغلب الذكور فى كل بقاع الأرض، مهما فرّقت بينهم الأجناس واللغات والثقافات والأديان والاهتمامات؛ تجمعهم تلك القطعة المستديرة فى ذلك المربع الأخضر.
وعلى عكس كثير من النساء اللاتى يحاولن اقتحام المربع وفكّ ألغازه، فيسألن عن معنى التسلل والضربة الركنيّة وغير ذلك من المصطلحات، لكى يعبرن عن مشاركتهن –العاطفية على الأقل– للرجال المحيطين بهنّ؛ لا أجدُ فى نفسى اهتمامًا بأن أفسِّر الفروق بين الركنيّة والتسلل، وبين لاعب الوسط وبين المهاجم، فالجميع يجرى خلف الكرة ويترك مكانه على أى حال؛ فلا يظل لاعب الوسط فى الوسط ولا يظل المهاجم يهاجم.
 وربما منبع عدم الاهتمام هو أننى ما زلتُ أحتفظُ بداخلى بتلك الطفلة التى تستاء كلما جلس أبوها أمام «الماتش»، لما يعنيه ذلك من وجوب الصمت المطبق داخل البيت، بالإضافة للحرمان من الفيلم أو المسلسل. غير أنى أصبحتُ الآن أكثر تصالحًا واحتياجًا للصمت، وأصبح لديّ عدة أجهزة أخرى أشاهد من خلالها فيلمًا أو مسلسلاً، فلم تعد أوقات المباريات بهذا السوء. بل على العكس، أصبحتُ أكثر حماسًا لأن أتابع على استحياء بعض المباريات الفاصلة، ولأن أشارك النتيجة بسعادة مماثلة، دون كثير أسئلة واستفسارات تفسد متعة المشاهدة على مَن حولي.
وعلى مستوى آخر، أعتقد أنَّ مشاهدة مباريات كرة القدم بالتحديد -وما يحيط بها من انفعالات وتعبيرات حادّة عن السعادة أو الاستياء– كأنما هى جلسات «ثيرابي» جماعيّة تفرِّغ طاقات متراكمة من الغضب أو الضغط النفسى وسط أجواء متحررة بين الرجال، تصير أكثر التزامًا بالقيود والآداب العامة حين تنضمُّ إليها النساء، وهو ما يفقدها كثيرًا من تلقائيتها وحريّتها وسعادتها لدى هؤلاء الرجال.
أخويّة كرة القدم تعتبر من أوائل المكوِّنات لمفهوم الانتماء لدى الأطفال بشكل واضح ومفهوم. فالمفاهيم الكبرى التى تتطلب انتماءات أكثر التزامًا وعمقًا وتأثيرًا فى حياة المرء، تعتبر أكبر من مستوى إدراك الطفل فى المراحل المبكرة من عمره، كالانتماءات الدينية أو الوطنيّة مثلًا. لكنه يفهم بسهولة أن فريقه هو الأحمر أو الأبيض أو الأصفر، وأن تحقيق «الجول» يعنى اقترابًا أكثر من الهدف وهو الانتصار فى المباراة، ثم يتدرّب ويتصالح تدريجيًا مع فكرة المكسب والخسارة فى كل محاولات الحياة بشكلٍ عام.
لا أريد أن أحمِّل الأمر عمقًا وفلسفة أكثر مما هو عليه؛ لكى لا نفسد على أنفسنا متعة اللعب، ولكى لا أحرم نفسى من متعة التلصص على هذه الأخوية التى لا أريد أبدًا فهم قواعدها أو الانضمام إليها، لكننى أشارك سعادتها النهائية بكل حُب.