حوار: ضياء الدين أبو الصفا
"يعمل فى صمت مختارا عزلة مكانية اختارته فأنتج ما وصفه بـ 13 قمرا «كتابا» يعتبرها ثمرة حياته الحقيقية، ورغم البعد المكانى - حيث يعمل أستاذا للأدب فى الجامعات التركية ، يعد من أكثر النقاد العرب اشتباكا مع الواقع متابعة ونقدًا ونشرًا فى الصحف والمواقع الأدبية. يصف نفسه بأنه ابن الهامش؛ أى الجنوب المهمَّش فى مقابل سلطة المركز، لكنك لا ترى فى كتاباته أى عقد، أو انحياز أو انزواء ... كان طه حسين محورًا لثلاثة من أعماله النقدية الهامة التى تعدُّ إضافة حقيقية إلى ما كتب عن العميد، فضلًا عن العديد من الدراسات حول ظواهر، وقضايا اشتبك بها العميد، مع تباشير بكتاب جديد عن عميد الأدب العربي، مما يجعله جديرًا بلقب الحفيد الوفى للعميد.
يصف طريقته فى تناول الأعمال بأنها محاولة للإنصات إلى النصوص من موقع القارئ أولًا، لاستجلاء عوالم لم يسبقه إليها أحد؛ مستنطقا إياها لتبوح له بالمنهج المناسب لتقديمها؛ حيث يعد النقد محاولة لكشف غوامض النصوص وليس «لوغاريتمات» تضفى على الغموض غموضا ... متأثر هو بطه حسين وعبد الفتاح كيليطو فى وضع القارئ نصب العين، ومؤكد على أن يظل النقد فعل قراءة، وفهم قبل أن يكون استعراضا نظريا، معيبا على بعض النقاد افتقاد الذائقة - وهو تعبير مهذب منه لنقد النقد غير المفهوم الذى يلوذ بالمصطلحات النقدية؛ كنوع من الحصانة- كما .يعيب على مواقع القراءة مثل أبجد وجود ريدز، أنها أتاحت للمتخصصين وغير المتخصصين تقييم الأعمال، وخلق وعى زائف والإشادة بأعمال لا ترقى للأدب ، يقدّم النابى رؤى عميقة- بلغة أديب ضل طريقه للنقد- تجمع بين التحليل الأكاديمى والوعى بأسئلة الواقع، ما جعله حاضرًا فى المشهد الثقافى العربي» .كان هذا الخوار معه بمناسبة قرب صدور كتابه الجديد..
تمتد مؤلفاتك من إعادة قراءة رموز الثقافة العربية الكبرى إلى الاشتغال على قضايا السرد والهوية والثقافة. ثمة خيط فكرى يجمع بين هذه المشاريع المتنوعة؟
الخيط الجامع لكتاباتى النقدية (إن كانت تقدم جديدًا)، فهو الإنصات إلى النصوص، والبحث عن العلاقات والتشابكات النصية، فلا أعيد كتابة ما كتبه السابقون، وإنما انتحى موقعًا جديدًا كقارئ أولًا، محاولًا استجلاء عوالم، لم يسبقنى إليها أحد، فمثلًا فى الفترة الأخيرة عكفت على تراث طه حسين، واستطعت اكتشاف بؤر جديدة، لم يكتب عنها، مثل موقف طه حسين من التبشير، وطرائق كتابة طه حسين للنص الرحلي، كما وجدت نقاطَ اتصال بين طه حسين وعبد الفتاح كيليطو، فكلاهما يسعى إلى نبش التراث، وإحياء الأدب القديم، والنظر إليه بمقاييس جديدة، بعيدة عن التقليد والنقل، هما مهتمان بالقارئ لدرجة لا تصدق، فحضور القارئ لديهما يتجاوز الحضور الأساسى كمتلقٍ، وإنما يتحاوران معه، ويصنعان له فخاخًا داخل النصوص؛ وهو ما يدفعه إلى البحث والاستقصاء عن الفراغات التى تترك، فطه حسين، حسب كيليطو «كاتبٌ مهووسٌ بالقارئ عندما يشرع فى الكتابة، يضعه دائمًا نصب عينيه – إن جاز القول- فيعقد معه حوارًا وديًّا لا نهائيًّا». فى ظنى هذه أشياء جديدة لم تبحث من قبل.
بين طه حسين ونجيب محفوظ والطيب صالح يبرز اهتمام واضح بالشخصيات المؤسسة فى الثقافة العربية. هل تبحث فى هذه الأسماء عن نماذج أدبية كبرى أم عن أسئلة فكرية ما زالت مفتوحة حتى اليوم؟
فى الحقيقة لم أكن أُخطّط لهذا، كل هذا جاء عن طريق المصادفة، أثناء إعادة قراءتى لمشاريع هؤلاء الكتاب العظام، كنت ألاحظ فكرة ما، فأتتبعها، ثم أختبرها بالكتابة، ومن ثم صارت هذه الكتب عن المؤسّسين، دعنى أذكر لكَ مثالًا، عندما قرأت لطه حسين «رحلة الربيع والصيف» (1959)، بصفتى الشخصية أنا مولع بأدب الرحلات، اندهشتُ من دقة وصفه للأماكن التاريخيّة، والمسارح، والتطوّرات التى تحدث فى فرنسا مع كل زيارة له، فطرق فى ذهنى سؤال؛ ما هى آليات كتابة الرحلة من منظور غير مبصر، خاصة وأن الرحلة لا يكتبها إلا مبصر؟ وعندما شرعت فى الكتابة، هالتنى النتائج، خاصة قدرة طه حسين على تطويع الضمائر، كى لا يظهر آفة العمى تارة، وتارة ثانية إسقاطه الوسيط الذى كان ينوب عنه فى الرؤية والوصف، وعند الكتابة يسقطه، ويمنح الأنا سلطتها، وكأنه يتحدى الجميع دون إعلان، وقبلها يتحدى العاهة ذاتها، التى تحُول دون إبصار ما يكتب عنه، فكان كتاب «البلاغة العمياء، بحث فى الخيال الرحلى عند طه حسين»، (وقد فاز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات).
وبالمثل كتاب «نبلاء وحرافيش فى مملكة نجيب محفوظ»، الفكرة بدأت من نساء الحرافيش، ووجدت أن الشخصيات الهامشية لم يُسلّط عليها الضوء بالقدر الكافي، الكل انحاز لسلطة الرجال (الفتوات)، وما إن أعدت القراءة من جديد، حتى اكتشفت أن الرواية قائمة على النساء فمحفوظ أحيّا هذه الشخصيات، وجعلها تقارع الشخصيات الرئيسيّة، وبالأحرى جعل الحرافيش فى مواجهة النبلاء، بل أسهموا فى سقوط سلطة النبلاء، على نحو ما فعلت نساء الحرافيش، بإسقاط سلطة الفتوات، وكانت سببًا فى انهيار عالم الفتوات، وبالمثل فى رواية «ليالى ألف ليلة»، العامة جردوا الملك من سلطته، بل تنازل لهم فى إحدى الحكايات عن السلطة، ولولا العامة ما تحقّق التطهُّر والتعافى للملك من جرّاء قتله المستفحل للنساء. وهو ما أسميته ابتكار محفوظ للحكاية، فعلى الرغم من أنه استعار حكايته من «ألف ليلة وليلة»، إلا أنه أعاد ابتكار أحداثها من جديد، وكأنها نصٌ جديدٌ تمامًا، لا يرتبط بالحكاية الأولى سوى فى الأسماء. وقد يكون الهامش سببًا فى تقويض سُلطة المركز على نحو ما تجلّى لى فى «عرس الزين «للطيب صالح، فالعرس فى آخر الرواية، قوّض كل الصراعات فى القرية، وأعاد شمل جميع الطوائف، بكافة انتماءاتها الأيديولوجية التى كانت تتصارع من قبل، وهو ما فشلت فيه السلطة الفعليّة.
منحاز أنت للهامش؟
أنا ابن الهامش أى الجنوب الذى يَنظرُ إليه المركز باستعلاء وطبقيّة، ومع هذا فخرج من هذا الهامش صُناع الثقافة المصرية، والقوس مفتوح منذ ورش القفطي، وجمال الدين القفطى المؤرخ والطبيب وقاضى القضاة، مرورًا بأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وعبد الرحمن الأبنودي، والدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، والدكتور محمد أبو الفضل بدران، وفتحى عبد السميع، وأحمد أبو خنيجر، وأشرف البولاقي، والكثير والكثير.
فى زمن تتزايد فيه سلطة المصطلح والمنهج تبدو حريصا على أن يظل النقد فعل قراءة وفهم قبل أن يكون استعراضا نظريا. كيف تنظر إلى العلاقة بين الناقد والقارئ؟
القارئ أو (القطب الثانى الجمالي) وفق تعبير الألمانى فولفجانج، الذى اعتبر أن الأساس بالنسبة لقراءة كل عمل أدبى «هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه»، وهو ما يتغافل عنه النقاد الآن مع الأسف، حيث يصنعون مسافة بين القارئ وبين النصوص الأدبية على اختلاف أنواعها، الناقد فى ظنى قارئ نهم فى الأساس، وهو مغوى (أو مغرى بـ) للقراءة، الفارق بينه وبين الناقد، أن الأخير قد يتسلّح بمعرفة علمية، وأدوات منهجية، تُساعده على تفكيك النص وقراءته وفق نظريات وأطروحات، أما القارئ العادى فيقرأ النص وفقًا للذائقة، التى قد تكون مشتركة بينهما، وإن كان (أحيانًا) القارئ العادى تكون ذائقته عالية، وحساسة فى تلقى النصوص، فى حين الناقد (أقول البعض) ليس لديه مثل هذه الذائقة، ومن ثم تأتى قراءته غير مفهومة، وبعيدة عن طبيعة النص، فيلوذ بالمصطلحات النقدية كنوع من الحصانة. الناقد قارئ يزيد وعيه بالقراءة المتنوعة التى لا تتوقف عند حقل معرفى معين.
فى الحقيقة أتمثّل لمقولة الشاعر (أرثر رامبو) فى كتاباتى مع التغيير بحذف كلمة الشاعر ووضع الناقد بدلًا منها، حيث يقول: «إن على الشاعر أن يبحث عن الجديد، وأن يرتاد المجهول، إننا نريد ما دامت هذه النار تلهب الدماغ، أن ننغمس فى لجة الهاوية، أكانت جحيمًا أم سماءً، فى لجة المجهول من أجل اكتشاف الجديد».
فى كتاب «بلاغة الكتابة السوداء» كما فى كتبك السابقة، تحضر أسئلة الهوية والسلطة والمقاومة عبر النص الأدبى نفسه لا عبر الخطاب النظرى المباشر. هل ما زلت ترى أن الأدب هو المدخل الأعمق لفهم هذه القضايا؟
الكتابة بصفة عامة فعل مقاومة، وتفتيت لكافة السلطات؛ أيًّا كان نوع هذه المقاومة، طه حسين كان يقاوم سلطة نسق مهيمن، غيّب العقل لحساب النقل والتقليد لفترة طويلة، ونجيب محفوظ كان يقاوم سلطات متنوِّعة، تبدأ بالتقاليد تارة والاستبداد بكافة أشكاله. والأدب ليست مهمته تقديم الحلول، وإنما هو التبصير بمواضع الخلل، فالأدب جمالى فى المقام الأول، لكن لا يُنفى عنه، أن يشير إلى مواضع الخلل، فطه حسين عندما كتب «المعذبون فى الأرض»، أشار إلى المعضلة الحقيقية التى يُعانى منها المجتمع، والمتمثّلة فى الانقسام الطبقى الحادّ، ومن ثم مُنع نشر الكتاب فى مصر، خشية الأفكار الثورية التى تتضمنها قصص الكتاب، فتمّ نشره فى بيروت عام (1949)، وعندما قامت الثورة، أُعيد نشره فى مصر، كما أن كتاباته الفكرية على سبيل المثال: كتاب «الفتنة الكبرى» بجزأيه: «على وبنوه، وعثمان بن عفان» (1953) كان استجابة لحدة صراع الأحزاب الدائر فى مصر قبل الثورة، وارتأى طه حسين أن يكون بمثابة زرقاء اليمامة، التى تتنبأ بالخطر المُحدّق لِمَا سيصير إليه المآل لو استمر هذا الصراع، والانقسام بين أطياف المجتمع؛ فالكتاب كان بمثابة الإنذار، والتحذير مما كان بسبب جذوة الفتنة، التى ما زالت أثارها إلى الآن. ويحيى حقى عندما أراد أن يشير إلى حالة الانقسام فى الهوية نتيجة صراع الشرق والغرب كتب «قنديل أم هاشم» (1944)، كاشفًا بها الفجوة التى كانت من الممكن أن تكون سببًا فى محو وضياع الشخصية، وفقد الإيمان، فاهتدى إلى هذا الحل التوافقي. الأمثلة كثيرة التى لعب فيها الأدب دورًا مهمًا فى التبصير، فروايتى نجيب محفوظ «اللص والكلاب» و«الكرنك» (1961 - 1974) فى رأيى هما نقدٌ حادّ، وصريح لتجاوزات وانحرافات سلطة يوليو، وهو ما فعله جمال الغيطانى فى «الزينى بركات»(1974)، ويمكن أن أشير من زاوية أخرى إلى محاولة يحيى الطاهر عبد الله فى «الطوق والأسورة» (1975) إلى تفكيك سطوة وسلطة التقاليد والخرافة فى مجتمع الصعيد. وبالمثل محمد مستجاب فى «من التاريخ السرى لنعمان عبد الحافظ» (1983) .
يلمس القارئ فى كتاباتك حضورا للكاتب بقدر حضور الناقد؛ فثمة عناية باللغة والأسلوب إلى جانب التحليل. كيف توفق بين حساسية المبدع ومتطلبات الباحث الأكاديمي؟
هذه ملاحظة دقيقة وذكية، أشكرك عليها، حقيقة كثير من القراء والنقاد أشاروا إلى تداخل الجانب الإبداعى فى كتاباتى النقدية، أو ما أحرص على تسميته بـ«التخييل النقدي»، وهو نتيجة لتأثرى بكتابات عبد الفتاح كيليطو فى المقام الأوّل، كما إن هناك مسلّمة لا أعرف مصداقيتها، ولكنها راجت، تقول: «إن الناقد مبدع فاشل»، فحاولت كسر هذه المسلّمة غير الحقيقية، والانطلاق من حساسية المبدع إلى رؤية الناقد؛ النقد فى الأساس كشف للنصوص وجمالياتها، وليس لوغاريتمات، أو مصطلحات عقيمة، تصدُّ القارئ عن فعل القراءة، بل هى توريط للقارئ فى القراءة، وهو ما أسعى إليه فى كتاباتي، ولا أعرف هل حققت ما أصبو إليه، أم أحتاج إلى تمارين كتابية؛ كى أصل إلى فكّ هذه العقدة الأزلية التى تصد القرّاء عن قراءة الكتب النقدية.
من «استرداد طه حسين» إلى «نجيب محفوظ: الذاكرة والنسيان» وصولا إلى «بلاغة الكتابة السوداء»، يبدو أنك منحاز إلى الأصوات التى تعيد التفكير فى المركز والهامش. إلى أى حد يمثل هذا الانحياز ملمحا أساسيا فى مشروعك النقدي؟
لا يخفى على أحد أن هذه الأسماء تندرج تحت ما يمكن وصفه بالمعتمد العربى على غرار المعتمد الغربى كما حدده هارولد بلوم، فكتابة هؤلاء كانت منشغلة بقضايا حقيقية، قومية، أرقت المجتمع، ومهمة الأدب ليست تقديم حلول -كما ذكرت سابقًا- بقدر ما هى تسليط الضوء على المشكلة وترك الحلول لأصحاب الحل والعقد، بكل تأكيد هناك أسماء كثيرة أطمح لإعادة قراءتها، واكتشاف موقعها فى الثقافة، ولكن مع الأسف لم يتح الوقت نظرًا للانشغالات الأكاديمية، وغيرها.
أنت معروف بانحيازك إلى النقد الواضح والقريب من القارئ، لكنك اخترت عنوانا صادما مثل «القارئ العدو»، لماذا فضلت هذا العنوان بدل عنوان أكثر مهادنة؟
القارئ العدو هو مصطلح قديم استخدمه الجاحظ، المقصود به القارئ الذى يشعر بالملل، المتربص، الذى يتعقب مواقع الإخفاق فى كتاباته؛ كان الجاحظ يخشاه، قد لا يكون عدوًا صريحًا، إلّا أنّه فى الخفاء يبحث عن الثغرات وعن نقاط الضعف، بهدف التهجُّم على الكاتب والنيل من مؤلفه، ومن شدة الارتياب منه يتودّد الجاحظ - فى كتاب (البخلاء)- للقرّاء، بل «يفاوضهم سعيًّا منه إلى استمالتهم وإضعاف شوكتهم وإبطال كراهيتهم»؛ ومن زاوية أخرى (إيجابية)؛ فالقارئ العدو بمثابة المُحصّن للكاتب من عدم السقوط فى الزلّات؛ لذا احتال عليه الجاحظ بفن الاستطراد، أى الانتقال من موضوع إلى آخر، ولكن أستخدمه هنا بمعنى إيجابي، بمعنى أن القارئ العدو (أى الناقد) هو الذى يتربص بالنص؛ لاقتناص التفاصيل الصغيرة، والظلال الهامشيّة، والعلامات التى يوحى بها النص، ولا يبوح بها إلا للمتأني، وهو ما كان يفعله عبد الفتاح كيليطو فى معظم اشتغالاته النقدية، لذا وصفته بأنه أشبه بالقارئ العدو، لا تربصًا بالأخطاء، وإنما لتربصه بالنصوص حيث يتصيّد الوشائج والعناصر المشتركة بين النصوص، على اختلاف أزمنتها وأمكنتها. وصفى له بأنه القارئ العدو؛ لأنه فى حالة تربُّص بالنص، ولا يتركه إلا بعد أن يُحقّقَ مأربه من استكشاف الجديد، واقتناص الفريد، وردَّ الاعتبار للسابقين. لو لم يكن قارئًا عدوًا؛ لما استطاع اكتشاف علاقة الأسلاف بالسابقين، ومدى تأثير الأسلاف فى الثقافة الإنسانيّة برمتها فى تأكيد لما ذكره هارولد بلوم فى «قلق التأثر»، أنه لا يوجد نصوص بإطلاق، بل علاقات بين النصوص، وهو ما أسعى إليه.
من بين النقاد العرب والأجانب. من يستهويك منهجه؟
بقدر تأثرى بطه حسين ومحمد مندور وصلاح عبد الصبور، الذى اعتبره ناقدًا فذًا إلى جانب كونه شاعرًا فذًّا، فأميل أيضًا إلى مشروع عبد الفتاح كيليطو من نقاد المغرب؛ لأنه يستعيد مفهوم الناقد الحقيقى فى التمحيص والتدقيق والكشف عن المخبوء، أما نقاد الغرب، فالحقيقة أستعين بمقولاتهم النقدية، وأوظفها داخل السياق النقدي، لا أفرضها فرضًا كى ألوى بها عنق النص، كما لا أدخل إلى النصوص وفق منهج مسبق، بل أترك النصوص هى التى تفتح لى مجال المنهج، الملائم لطبيعتها.
كيف ترى الجوائز بالنسبة للناقد والمبدع بصفة عامة باعتبار النقد إبداع مواز؟
فى الحقيقة الجوائز بصفة عامة محفّزة على مواصل الإبداع، والحمد لله حصلت على جوائز محلية وعربية دولية؛ كجائزة كتارا فى النقد الأدبي، وابن بطوطة فى أدب الرحلات فرع الدراسات النقدية، والشارقة للإبداع العربي، إضافة إلى جائزة قصور الثقافة وكانت أول جائزة حصلت عليها، ورغم قيمتها المالية الضئيلة، إلا أنها كانت أشبه برسالة أننى على الطريق الصحيح، ويجب أن أستمر، مهما كانت العقبات. الجوائز فى حد ذاتها مهمة، لكن كالعادة دائمًا تظهر السلبيات بسبب عوامل كثيرة منها لجان التحكيم، ونظام المحاصصة فى بعض الجوائز وغيرها، كل هذا لا يقلل من قيمتها؛ لذا أراها ضرورية، ودافعة لمواصلة العمل والاستمرار؛ لأنها تحقّق الاستقرار المادى (والمعنوى أيضًا) للكاتب، وهذا شيء مهم فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
حدثنا عن مشاريعك الحالية وهل من بينها ما هو بعيد عن مشروعك النقدي؟
انتهيت فى الفترة الأخيرة من كتاب «القارئ العدو: ومرح الخيال» عن تجربة عبد الفتاح كيليطو النقدية والإبداعية، فى انتظار صدوره قريبًا، بالإضافة إلى أننى أقوم بكتابة نص رحلي، أوشكت على الانتهاء منه، كما أننى أجهّز جزءًا من كتاب، أشبه بشذرات كتابية، بعنوان «أشياء صغيرة مثل هذه: ماضٍ لن يعود»، وهو مزيج من اليوميات التى كنت أدوّنها، إضافة إلى ذكريات استدعيتها عن الطفولة والتعليم والحياة فى قريتى العويضات، وعلاقاتى بذاتى والآخرين التى بدأت تتضح بسبب النضج العمري، والمسافة الجغرافية، بالإضافة إلى نصوص متخيّلة، وقراءات فى أعمال روائية، بالأحرى هى كتابة ذاتية عن تجربتى فى تركيا تمزج بين الخيالى والذاتي، مع الأسف توقفت عن الاستمرار فى كتابتها بعض الوقت، لكن أعادنى إليها كتاب أورهان باموق «الذكريات والجبال البعيدة»؛ فباموق فى هذه اليوميات، لا يتوقف عند مفهوم اليوميات ، وإنما تتداخل معها فنون مختلفة كالرسم، والذكريات، والنقد، والرحلة، وحديثه عن كتاباته السابقة، وهو ما حفزنى إلى الرجوع إليها من جديد.
هل ترى أن تراث عميد الأدب العربى ما يزال يحتاج إلى مزيد من التنقيب للكشف عن جواهره؟
بدون إجابة مراوغة، أقول بكل اطمئنان، نعم، فرغم مرور أكثر من خمسين سنة على وفاة العميد (توفى 1973)، وكتبت عنه ألوف من الصفحات من المؤيدين لأفكاره والمعارضين لها كذلك، لكن بتأمل كتاباته، فى ظنى تحتاج إلى استعادة هذا التراث الثرى من جديد، بإعادة قراءته ودرسه فى ضوء سياقات جديدة، خاصة أن كثيرًًا من أعماله دُرست فى ظل إكراهات ومواقف مسبقة منه، ومن ثم جاء بعضها (أى الكتابات عنه) منحازًا له، والآخر كان متطرفًا ومغاليًّا.
الشيء الجدير بالذكر أن أعمال طه حسين تطرح قضايا مهمة، بعضها ما زال صالحًا لواقعنا، إلى جانب انشغالها بقضايا المنهج، سأضرب مثالًا بكتاب «من بعيد» (1935) الكتاب يقدّم نموذجًا ضافيًّا ومبكّرًا لإرهاصات النقد الثقافي، كما أننا لو تأمّلنا كتابات طه حسين الإسلامية، لاكتشفنا أنه لم يكتب عن الرسول بصيغة مباشرة على نحو ما فعل هيكل فى «حياة محمد»، والعقاد فى «عبقرية محمد»، ومحمد أحمد جاد المولى فى «محمد المثل الكامل»، وتوفيق الحكيم فى مسرحية «محمد الرسول البشر»، إلخ من أعمال تناولت سيرة الرسول الكريم، طه حسين سلك مسلكًا عجيبًا، ليدلّل على سمو الرسالة المحمدية، وعِظم شأن الرسول الكريم، فابتعد عن المباشرة والكتابة السيرية، وإنما كتب عن الأثر الذى أحدثته الرسالة فى الشخصيات الفاعلة، كـ»الشيخان» (أبو بكر وعمر)، والمهمشين الذين دخلوا الإسلام طواعية، على نحو ما كتب فى «على هامش السيرة»، هكذا أظهر عظمة الرسالة المحمدية فى تأثيرها على الآخرين، مظهرًا الكثير من جوانب الرسول فى علاقاته بأصحابه. وهو موضوع يحتاج إلى بحث فى ظني.
كتاب «الأيام» ذاته، رائعة طه حسين، إلى جانب ما كتب عنه من دراسات تناولت تصنيفه الأدبي، والموضوعات التى تناولها، كالحياة فى القرية والأزهر، ودراسته وأساتذته، لكن هناك جانب مهم، لم يتوقف عنده أحد، وهو علاقة الكتاب والعمى المجتمعي. إضافة إلى ذلك هناك جانب مهم فى حياة طه حسين لم يقترب منه أحد، الجانب الصحفي، كتب طه حسين فى مجلات وصحف عديدة منذ أن كان طالبًا فى الأزهر، كما أصدر مجلة خاصة به هى مجلة الكاتب المصري، ما أقصده لا أقوم بجمع مقالاته الصحفية، وإنما أقصد المجلة نفسها، والموضوعات التى تناولتها تحتاج إلى دراسة، خاصة أن أصحاب رأس المال يهود، وكذلك دراسة موقف المجلة عبر مقالات الكتاب من القضية الفلسطينية إلخ.
ما الذى تقصده بالعمى المجتمعى وكيف نجح طه حسين فى الكشف عنه؟
لو قرأنا كتاب» الأيام» بتمعن، سنعرف ما المقصود بالعمى المجتمعي، فطه حسين بقدر ما كتب عن محنته بعد إصابته بفقدان البصر، كتب أيضًا عن المسبِّب فى هذه الآفة، وكيف تم التعامل معه، وبالأحرى نظرة المجتمع إلى الأعمى، وهو ما كشف عن عمى مجتمعى فى التعامل مع صاحب هذه الإعاقة، وكأنه يقدم إدانة للجميع؛ بدءًا من أسرته، التى أهملته، وتعاملت مع إعاقته بسخرية، وهو ما آل به إلى الانسحاب، والانزواء على نفسه، أى صار خارج إطار الجماعة اجتماعيًّا وأدبيًّا، فى أحد أشكال الانتصار إلى ذاته، ثم نظرة المجتمع السلبية للأعمى، التى جاءت بين نظرة إشفاق لوضعه، وسخرية من حالته، وهو ما تبلوّر فى رحلة ذهابه إلى الأزهر، ووصفه بالأعمى، بل ومحاولة تحديد مصيره، بأن يكون قارئًا للقرآن فى المأتم وعلى القبور، ثم رفض الجامعة إرساله للبعثة بحجة العمى، كل هذا كشف عن نظرة المجتمع المتدنية للأعمى، وهو ما كان بمثابة عامل ضغط عليه، والحقيقة أن طه حسين استطاع إدانة هذا المجتمع وتعريته، بكشفه للخلل فى تقبُّل مثل حالته، سواء داخل أسرته الصغيرة، أو فى المجتمع الكبير، فكأنّ عمى طه حسين شاهد على عمى مجتمعي، لم يظهر إلا فى مرآة طه حسين.
بمناسبة مرور مائة عام على صدور كتاب فى الشعر الجاهلي. هل ترى أن طه حسين نجح فى توظيف آلياته المبتكرة لتدارك آثار الأزمة التى أثارها فى النسخة المعدلة » فى الأدب الجاهلي»؟
فى الحقيقة أن القضايا الأربع التى كانت سبب أزمة فى الشعر الجاهلي، تم تناولها من قبل الكثير من النقاد، وردّ طه حسين فيها، على نحو ما فعل عبد المنعم تليمة فى مقدمته الرائعة للكتاب «فى الشعر الجاهلي: الكتاب والقضية»، ونفس الشيء فعله الدكتور سيد البحراوى فى كتابه «البحث عن المنهج فى النقد العربى الحديث»، ومع هذا ما زال الناس يرددون هذه المسائل، دون جديد، وكذلك دون التوقف عند الهدف الحقيقى للكتاب، وهو ما بلوّره بصورة واضحة فى النسخة المعدلة التى جاءت بعنوان «فى الأدب الجاهلي» (1927)، الذى كان أكثر علميًّا ومنهجيًّا من الكتاب الأول؛ حيث وضع هوامش بالمصادر التى اعتمد عليها، وهو ما لم يكن موجودًا فى النسخة الأولى، ثم أضاف مقدمة بعنوان «الأدب وتاريخه»، جعلها الكتاب الأول، وتحدث فيها عن درس الأدب فى مصر، وسبيل الإصلاح، والحرية والأدب، وهى ذات صلة بمقدمة «ذكرى أبى العلاء» (1915)، حيث انتقد مناهج التدريس فى الأزهر ودار العلوم والمدارس والجامعة، وفى ظنى أن هذه الفصل الجديد أخطر ما فى الكتاب، لأنه كشف عن خلل استقبال وتذوق الأدب، ورده طه حسين إلى أزمة المنهج وطرق تدريس الأدب، ومن ثم وضع خريطة، لم يلتزم بها أحد، ومن وجهة نظرى أن طه حسين، أراد أن يدافع عما كتبه فى كتاب الأزمة «فى الشعر الجاهلي» بطريقة غير مباشرة، وأشار إلى سبب الأزمة، دون أن يتطرق لما حدث له، حتى عندما كتب الأيام، وهى جاءت بعد أزمة الكتاب، ما ذكره عن إعاقته والخرافة السائدة فى بيئته، وكيفية التعامل معها فى القرية، وتفشى الجهل والخرافة، وسطوة رجال الدين، ثم نقده للتعليم فى القرية ثم الأزهر، وتحديدًا فى الجزء الأول والثاني، كل هذا تأكيد على أن جُرح طه حسين، لم يندمل، الذى كان بسبب الوسائل التقليدية فى التعليم، ومن ثم كانت نتائج استقبال كتابه سيئة، وعنيفة.
ما هو تقييمك للمشهد الروائى والسردى العربى الراهن؟
حقيقة هذا سؤال صعب، ولكن يمكن الاختزال فى الإجابة وأقول: لدينا حكايات كثيرة، وروايات قليلة، الفرق بين الحكاية والرواية فارق شاسع، مع الأسف لم ينتبه إليه كثير من الروائيين، وتحديدًا كتاب الرواية التاريخية، والبوليسية، هم يقدمون حكايات، لا روايات مع الأسف. الرواية العربية فى أزمة حقيقية، معظم الكتاب يعتمدون على تقييمات القراء على مواقع القراءة كأبجد وجود ريدز وغيرها، ومع الأسف هؤلاء القراءة ينشغلون بالحكاية دون مراعاة لجوانب الرواية الأخرى، فإذا كانت الرواية مسلية وضعوا تقييمات عالية جدا، وهو ما يشعر الكاتب بالزهو، لكن مع الأسف هذا تقييم زائف، إضافة إلى أن النقد غائب ، وإذا انتقد أحد الرواية وأسلوبها هاجم أنصار الكاتب الناقد، سأضرب لك مثلا إحدى الروايات الصادرة حديثا والتى رأيت اهتماما مبالغا بها سواء فى الندوات، أو كتابة المقالات عنها، عندما قرأتها، الكاتب ينسب رواية زينب لهيكل إلى المنفلوطي، بكل تأكيد هو سهو غير مقصود، لكن أين المراجعين والمحررين، والأهم أن أحدا من النقاد لم يلتفت إلى هذا، الأمثلة كثيرة لعيوب فى السرد، أو الزمن لكن كله يمر.ليس معنى هذا أنه لا يوجد أعمال جيدة، لا بكل تأكيد، لكن مقارنة بما تصدره المطابع فالجيد قليل جدا، وغائب فى مواجهة الإسهال الروائى بتعبير محمد مستجاب، أما نقد الشعر فلا تعليق. نحن فى أزمة حقيقية، وسبب الأزمة هو القراءة، الكتاب لا يقرؤون إلا ما يكتب عنهم فقط، وكأن العالم يدور حولهم هم دون غيرهم.
نتاج غزير من المؤلفات المهمة، لكنك تميل فيها للنماذج الأساسية بعيدا التجارب الحديثة، ما هو تفسيرك لذلك؟
هذا غير صحيح، فلو تتبعت ما أنشره من مقالات، لوجدت أننى كتبت عن كافة الأجيال الإبداعية محليًّا وعربيًّا، والمثال البسيط الرواية الفائزة بالبوكر هذا العام «أغالب مجرى النهر»، كتبت عنها مقالة قبل فوزها بأسبوع، وكنت متنبئًا بفوزها، السبب الذى دفعك إلى قول هذا (فى ظني)، هو أننى لم أجمع هذه المقالات النقدية التى أنشرها فى الصحف والمجلات عن الرواية فى كتاب، فكل ما أصدرته بعيد عن هذه المقالات، وسوف أجمعها فيما بعد؛ لذلك يظن البعض أننى أكتب عن الكبار المؤسسين ولا أهتم بالروائيين الجدد.
كيف أثرت الرحلة التركية فى رؤيتك للأدب التركى ولرؤيتك النقدية بصفة عامة؟
بكل تأكيد هناك استفادة كثيرة، ثقافيًّا، واجتماعيًّا، لكن الحقيقة لا يوجد نقد فى تركيا، وما ينشر فى الصحف والمجلات بما فيها المحكمة أشبه بتقارير صحفية، فلا يوجد مدارس نقدية، ولا أعرف السبب، ربما لغياب اللغة الإنجليزية؛ فالأتراك منحازون للغتهم، وهو ما سبب حالة من الانعزال وعدم مواكبة الجديد بالنسبة لنظريات النقد.
هل فكرت فى خوض تجربة الترجمة من التركية للعربية؟
لا لم أفكر وعرض عليّ، لكن تركيزى منصب على النقد فقط.
بعيدا عن شفق وباموق. من الذى يمكن أن تقدم تجربته للقارئ العربى وتنصح المترجمين بالالتفات إليه؟
هناك كتاب كثيرون وبدأت الترجمة تصل إليهم، لكن بسبب ذيوع شهرة باموق بوصفه حاصلا على نوبل، وأليف شفق لتبنيها القضايا النسوية، هما الأكثر شهرة، لكن هناك اسكندر بالا، ونازان باكير أوغلو، ورشاد نورى غونتكن، أحمد حمدى تانبينار، وزولفو ليفانيلى وآخرين.
لو اتيحت لك الفرصة للترجمة. من هو الروائى الذى تحب أن تقدمه للعربية؟
لن أقدم على هذه التجربة. لا أريد، هذا مبدأ. بلغتنا العامية «صاحب بالين كذاب» كما أن الكثير يترجم حاليا بالذكاء الاصطناعي.
لو حدث؟
لو حدث سأترجم لزولفو ليفانيلي. لأنه مشتبك مع قضايا الواقع التركي، وإشكالياته، حيث تتداخل فى أعماله الروائية الأبعاد السياسية والتاريخية والفلسفية، والصدام بين الشرق والغرب ومن ثم تظهر قضايا الهوية والاغتراب المعنوى والواقعي، إضافة إلى أنه موسيقى فينعكس الإيقاع والحس الموسيقى داخل أعماله. كما أنه مهتم بقضايا المرأة والحريات، ومقاومة السلطة الأبوية ويمزج أسلوبه بين التوثيق التاريخي، والصحفي.

دراسة ميدانية : تكشف عزوف المشاهدين عن دراما رمضان!
حسن شحاتة سر حياتى
الدراويش.. أبطال كأس العالم!





