30 يونيو فى مرآة السرد الأدبى

ثورة 30 يونيو
ثورة 30 يونيو


د‭. ‬محمد‭ ‬سليم‭ ‬شوشة‭ ‬

فى السنوات الماضية قاربت عدة أعمال سردية مهمة ثورة 30 يونيو من عدة زوايا، فهناك عدد من الروايات ركزت عليها وجعلت من أحداثها ركيزة أساسية للرؤية أبرزها رواية «نادى المحبين» للروائى صبحى موسى حيث تركز عليها بدرجة كبيرة وترى فيها خلاصًا واستعادة للمسار الصحيح وإعادة البلد الذى كان مختطفًا بعد 25 يناير. 

ورواية صبحى موسى توازن بين الثورتين من حيث براءة الأهداف وصدقها وإن كان خطاب الرواية قد لمّح لفكرة أن 25 يناير كانت وراءها تجهيزات وتهيئة غربية وإعدادات مريبة، لكنها فى المجمل ترى صدق المساعى وتركز على الجانب الشعبى البريء والنقي، ولكن الفارق بين الثورتين هو أن 25 يناير تتسم بالضعف أو عدم امتلاك السلطة وهو ما جعلها معرضة للسطو والسرقة والقفز عليها، بخلاف 30 يونيو التى كانت مزودة بالقوة أو مالكة لها ومتحصنة بالسلطة حين التحم فيها الشعب مع الجيش، وهو ما جعلها نافذة أو مالكة لأمرها وقادرة على المبادرة والفعل واتخاذ القرار.

ورواية صبحى موسى رواية سياسية بالدرجة الأولى، فهى عمل يركز على المكون السياسى والأسئلة والشواغل السياسية، ويقصد إلى تأمل تجاربنا عبر السنوات الماضية وبخاصة هذه الفترة الحافلة بالتحولات والقلق والحراك. ومن الجوانب المهمة فيها أنها ركزت على دور النخبة وتأثيرهم السياسي، وأن النخبة لابد أن يكون لها موقف واضح ودعم صريح لأحد الأطراف حتى يتمكن من السيطرة، وبخاصة النخبة المثقفة من المفكرين والإعلاميين والأدباء، وركزت كذلك على الأدوار الخارجية والتحالفات الإقليمية، ولهذا فهى عمل أدبى مهم على المستويين الجمالى والفكرى لمن أراد إعادة تأمل هذا التاريخ وإعادة قراءته. ولهذا فإن البنية الزمنية للرواية على نحو جيد من البراعة لأنها تمضى فى تتبع الخط الزمنى لعالم السياسة وتبدأ من ذروة أحداث 25 يناير وما بعدها وتضافر الخطوط لتوصيل الإخوان للسلطة وحتى انتهائهم بـ 30 يونيو، لكن فى مسار هذا الخط تم تقطيعه باستراجاعات ترتبط بتاريخ الشخصية وحكاياتها الشخصية مثل تفاصيل طفولته وانحرافه وحكايته مع أمه وغيرها من المشاهد الدالة والمحورية فى تكوينه النفسى مثل مشهد الحبس فى غرفة التبن، أو غيرها من مشاهد التعليم والصعود فى المجال الصحفى والفكرى والسياسى واسترجاعات ترتبط بما بعد أحداث 11 سبتمبر، وغيرها من وحدات الفلاش باك أو الاسترجاع والعودة إلى الذكريات بما لا يكسر الخط الزمنى الراهن بتوتره وتشويقه، بل كانت هذه الوحدات المسترجعة ذات ارتباط نفسى بالوحدات الراهنة وربما تقود إلى نوع من الاحتمال أو التوقع أو تكون دالة على مسار الشخصية وسمتها النفسى وما يمكن أن تفعل فيما هو قادم، أو تكون لها قيمة كبيرة فى مقاربة الشخصية على نحو عميق وتكسر الخط العام بالشخصى وتجعلنا أمام نموذج إنسانى نابض وحيوى يستحوذ على عاطفة المتلقى ووجدانه.

 هناك كذلك رواية «إنجيل مها» للروائى والقاضى الدكتور حسن هند وهذه الرواية وإن كانت سياسية الطابع كذلك وتتبع تحولات مصر السياسية منذ ما قبل 23 يوليو وصولًا إلى 25 يناير و30 يونيو لكنها يمكن كذلك أن تعد رواية فكرية واجتماعية، وكانت موجهة نحو مقاربة الأسئلة الأعمق وراء المظهر السياسي، حيث الحياة الفكرية والحزبية، وركزت بدرجة كبيرة على الأدوار التى لعبتها جماعة الإخوان فى سعيها للوصول إلى السلطة، وصورت حالتين متباينتين من التصور السياسي، أحدهما يتسم بالبراءة والنبل ويرجو الإصلاح دون توجهات أيديولوجية وتحزبات معينة، وحالة أخرى من الرغبة العنيدة فى الاستحواذ على السلطة من قبل الجماعة. وركزت هذه الرواية على مخططات الإخوان فى هذا المسار فى مقابل حالة البراءة التى عاشها الشباب الذين صورهم خطاب الرواية فى ارتباط رومانسى وحالة من الرغبة فى الحياة والرغبة فى الإصلاح السياسى الحقيقي، ركزت الرواية على تجارب مصر فى كتاب دستور ديمقراطى حقيقى يرسخ لانتقال السلطة بصورة سلسة بعيدًا عن العنف، وهكذا فهى تقارب حال القلق التى عاشها المجتمع المصرى فى فترة ما قبل 30 يونيو والخوف من الانفلات نحو عنف شامل وحرب أهلية، فكأنها تطرح مسارين لا ثالث لهما، مسار دستورى يحترمه الجميع ونقيضه من افتكاك السلطة بالقوة. والحقيقة أن بالرواية بعض الأشياء التى ربما تعد بمثابة الأسرار حول جماعة الإخوان وحول التدخلات الأمريكية القديمة فى المجتمع المصرى والسياسة المصرية وعبر أكثر من وسيلة للتدخل وأحدثها تلك الخاصة بالتوجه الاقتصادى وفاعلية الشركات متعددة الجنسيات واتفاقيات التجارة الحرة وبعض بنودها التى تصنع نفوذًا معينا، وكيف تسهم جماعة الإخوان تحديدًا بشركاتها فى دعم هذه المنظمات الدولية والاتجاهات العالمية وتصبح خاضعة تمامًا لها ومتجردة من أدنى شعور وطني، فتتعاون الجماعة فى عمليات غسيل أموال وعلاقات دولية مريبة تعمل الرواية على رصدها بدقة، فضلا عن أدوار أخرى كثيرة تشير الرواية لها على نحو طريف من التصوير الدرامى والمعلوماتى المقنع وعبر صورة رمزية. فتتداخل الأدوار وتتقاطع وتتحقق فى النهاية عديد الأزمات للإنسان المصرى الذى يحاول الثبات على المبدأ الوطنى أو يحاول أن يبقى على مبادئه وآماله وطموحه لنفسه ولوطنه.

وسبق هاتين الروايتين رواية مهمة هى رواية الكتابة بالمشرط للروائى الدكتور إيمان يحيى، وتركز على أحداث ما بعد وصول الإخوان للسلطة، وتركز بصورة كبيرة على أدوارهم فى الحياة الجامعية ومحاولة هيمنتهم على الوظائف الأكاديمية، وهى رواية ثرية وكشفت عن أن مقاومة الإخوان كانت متوزعة فى تلك الفترة على مجالات حياتية عدة، وأن الأمر لم يكن مقصورًا على المظهر السياسى الصرف أو الخالص، بل إن هذه الزوايا للنظر وتتبع تلك الحالة التاريخية من منظور أوسع وأفق أرحب ترسخ لصورة سردية أكثر شمولًا وأقرب للحقيقة، فكما كان هناك سعى إخوانى للهيمنة على نظام الحكم متمثلًا فى الرئاسة كانت لهم مساع أخرى لا تقل أهمية للسيطرة على الإعلام، وعلى الجامعات وبقية مؤسسات الدولة المصرية ومنافذ السلطة والفاعلية فيها.  

وهناك كذلك كتب سردية أخرى أقرب للتأريخ أو للتحقيق الصحفى مثل كتاب «سنوات الخماسين» للكاتب الصحفى الكبير ياسر رزق، وحتما هناك أعمال أخرى ركزت على هذه الأحداث فى تسلسلها التاريخي، أى فى سرد تأريخى يحاول أن يطرح شكلًا من الارتباط السببى والتحليل للأحداث بصورة منطقية. وقريب من هذا الشكل ما نجد فى كتاب «ريش.. عين على مصر» للروائية والشاعرة الإمارتية ميسون صقر القاسمي، وهو بالأساس كتاب عن مقهى ريش وخرج من هذا إلى أفق أوسع حيث تاريخ المقهى ودوره فى الحياتين الثقافية والسياسية، ومن هذا المنظور رصد الكتاب تاريخ التحولات السياسية الكبرى، وركز بصورة كبيرة على ثورتى يناير و30 يونيو ودور مقهى ريش فيهما حيث كان نقطة تجمع لكثير من تيارات المثقفين، ومنه خرجت البيانات وكانت تصاغ وتنشر. 

والحقيقة أن هذا النوع من السرد لا يقل أهمية عن السرد الأدبى الجمالي، أى الصريح فى انتمائه للأنواع الأدبية المعروفة، ذلك لأن هذا السرد سواء كان تأريخًا سياسيًا أو ثقافيًا هو بالضرورة يحمل ملامح وأبعادًا أدبية وجمالية ويمثل قدرًا من المتعة الذهنية ومتعة تتبع الحقيقة أو جماليات المعرفي، لأن جلاء الحقيقة هو بذاته يمثل بعدًا جماليًا مهمًا ويتجاوب مع احتياج إنسانى راسخ للتنوير والمعرفة أو الاستبصار بالأحداث، ليربط الماضى بالحاضر بالمستقبل، لأن كثيرًا من هذه الأحداث الثورية متكررة وتتسم بالطابع الدائري. لكن النقد لدينا – كعادته- ليس فى حالة صحية كافية بما يجعله يدقق فى كل شيء ويتتبع كل مادة سردية أو كل خطاب سردى مكتوب. وإذا كان السرد يتفاعل مع الحياة وأحداثها ومنعطفاتها بكل عفوية وبشمولية وبصورة طبيعية فإن النقد يبدو مريضًا وانتقائيًا وعاجزًا ليكون انعكاسًا حرفيًا لواقعنا الفكري، فالنقد هو دال على مستوى الفكر والفلسفة والحياة العلمية والفكرية. بخلاف السرد الذى هو أقرب لممارسة فنية حياتية تتسم بالطابع الحتمي، أى أن الإنسان لابد وأن يكون ساردًا وفنانًا فى كل أحواله، ولن يتخلى عن الفن لأنه متجذر وراسخ فيه بصورة فطرية.

أما فى القصة القصيرة فهناك قصة للأديب الكبير الدكتور محمد المخزنجى عن 30 يونيو بعنوان «شجرة الباوباب»، وقد ركزت فى منظورها أو رؤيتها على ما كان فى اعتصام النهضة من عنف بدأه المسلحون فى جماعة الإخوان، ولكنه مع هذا المنظور التصويرى شديد الدقة والتركيز على وصف هذه الأحداث وتسجيلها كان يركز بصورة أكبر على الإنسان والطبيعة فى المطلق، ليكون المخزنجى كعادته مركزًا فى سرده على ما هو عام وثابت. يحتفى بالطبيعة والبيئة ممثلتين فى حديقة الأورمان التى كانت من امتدادات الاعتصام ونالها من العنف ما نال الأبرياء غيرها، لتكون هذه القصة واحدة من أجمل النصوص الإبداعية التى سجّلت هذه الأحداث وحفرتها فى وجدان القارئ المصرى إن لم تكن الأجمل على الإطلاق.

 يتحدث السرد بصوت الراوى العليم عن بطل القصة الذى كان مسكونًا بالفضول فى متابعة أحداث فض الاعتصام، «فقد شاهد وسمع سيارات شرطة حديثة مزودة بميكروفونات قوية وصافية الصوت، تُوجِّه نداءات للمعتصمين بفض الاعتصام مع ضمان خروجهم الآمن إلى بيوتهم، وكانت تُحدِّد الطرق التى يمكن أن يسلكوها لضمان أمنهم وسلامتهم مع التعهد بعدم ملاحقتهم». وهى القصة التى نشرها فى المصرى اليوم فى 2016 ثم نشرها ضمن مجموعته القصصية الفاتنة صياد النسيم الصادرة عن دار الشروق 2018.

والحقيقة أن سرد المخزنجى فى العموم له خصوصية وفرادة كبيرة تجعل من هذه القصة علامة بين كل ما كتب عن ثورة 30 يونيو، ليس فقط لكونها رصدت زاوية نظر مغايرة، ولكن لما تتسم به عين المخزنجى من الحساسية فى الرصد والدقة فى التصوير والتتبع للإشارات الدالة، كما هو الحال فى هذا المقطع: «كان مدخل الميدان من شارع مراد، المحصور بين سور حديقة الحيوان وحديقة الأورمان عند تمثال نهضة مصر، مقطوعاً ببوابة خشبية كبيرة من بوابات السرادقات أقامها المعتصمون، تعلوها لافتة عريضة تُمجِّد مرسى وتطالب بعودته للرئاسة، وتحتها قليلاً إلى الوراء كان تمثال نهضة مصر رابضاً وقد تشوَّه بكتابات تسب قيادة الجيش وتتهم ملايين 30 يونيو الذين فاضوا فى شوارع البلاد رفضًا لحكم الإخوان بأنهم خونة وعبيد عسكر ولاعقو بيادة، إضافة إلى عبارات سباب بعضها فاحش للجيش والشرطة تجاور آيات قرآنية تتوعد الكافرين وتبشر الصابرين، ومن وراء ذلك بدت هناك تِباب من الأجولة المملوءة بالرمل تُظاهِرها متاريس خفيضة مبنية بالطوب والأسمنت أقامها المعتصمون، ولم تكن الخيام واللافتات تسمح برؤية العمق فيما وراء ذلك». 

فنجد أن المخزنجى هنا يرصد تفاصيل المشهد على اتساعه بصورة دقيقة وتتسم بالشمولية ويتجه السرد بصورة خاصة نحو مخطط المكان وتمركز المعتصمين فيه وتمترسهم وحصونهم وما كان من عنف لغوى وتنابذ مع الموقف المصرى العام من الملايين التى أيدت ثورة 30 يونيو.

وأهم ما فى هذه القصة فى رأينا هو ما ترمى إليه من دلالة بعيدة أو رمزية، أى البنية الدلالية الأعمق أو الرمز، حيث وراء هذا السرد للظاهر والواضح والمدرك بالحواس هناك أهداف دلالية أبعد، وقد كان خطاب القصة موفقا إلى حد بعيد فى اختيار هذا النوع من الأشجار ليكون أبرز المتضررين وليكون فى توازٍ مع الجندى الذى أصيب فى أول الاعتصام وعاينه بطل القصة ودمه ينزف مثل صنبور. هذا النوع من الأشجار شديدة القدم التى قد يصل عمرها خمسة آلاف عام وأشار السرد إلى إحدى أقدم هذه الأشجار فى الجنوب الأسترالى وقد تخطى عمرها الألف عام. لتكون هذه الشجرة تمثيلًا حرفيًا لكل ما هو بريء فى هذه الوحشية والهمجية والعنف التى مارسها المعتصمون المتطرفون أو فلولهم، فقد أشارت القصة إلى أن كثيرًا من المعتصمين استجابوا لنداءات ميكروفونات الشرطة وخرجوا من الاعتصام وعادوا إلى بيوتهم سالمين، بينما ظلت قلة مصرّة على العنف. 

فإذا كانت الشجرة رمز لكل بريء بما فى ذلك الطبيعة وبخاصة هذا النوع القديم من الأشجار بما له من عطاءات وما يرمز إليه عند بعض الأمم، فقد أسمت بعض الأمم البدائية فى مناطق جنوب الصحراء الأفريقية شجر الباوباب هذه بشجرة الحياة لما لها من قدرة على اختزان المياه لسنوات طويلة فى ساقها العريض الأجوف. هذا التوازى الذى صنعه السرد بين الجندى وشجرة الباوباب العتيقة التى عمرها من عمر حديقة الأورمان تخطى مائة وخمسين عامًا هو ما يمثل نافذة عريضة للرمز واكتناز دلالة إضافية بعيدة يستطيع المتلقى استناجها عن صراع الحضارة والهمجية، صراع البربرية ضد التاريخ، هجمة البربرية على التاريخ ومقاومة التاريخ والحضارة وصمودهما حتى وإن كانت هناك حتمًا تضحيات. 

« وجرى فى خاطره أن الشجرة المثقَّبة بالرصاص عندما تفقد ماء عمرها ستهوى متهدلة تتكدس على نفسها وتموت، ولن تموت واقفة جافة كما بيْن البوشمان والأبورجنيز فى البرارى الأفريقية القاحلة والصحارى الأسترالية الحارة شديدة الجفاف، بل ستتحلل فى رطوبة أرض وهواء هذه الحديقة. وحمله تفكيره فى نزيف الشجرة وموتها إلى نزيف المُجنَّد الشاب الذى شخب دمه بفعل تلك الرصاصة الأولى فى هذا الصباح الدامى، يفكر فيه بوجعٍ وأسى: هل سيتمكنون من إنقاذه؟ هل حقاً سيتمكنون؟». 

وبرغم أن الدكتور محمد المخزنجى يتطابق مع بطل قصته فى بعدين مهمين وهو أن هذا البطل طبيب مارس الطب لسنوات طويلة، والمخزنجى أيضًا طبيب وإن لم يمارس الطب، ويعيش كذلك مثله بطله فى محيط ميدان النهضة وحديقة الأورمان، برغم هذا فإن هذا النص لم يكن مجرد حالة تسجيلة أو نوعًا من الشهادة على حدث كبير، وخرج إلى صورة النموذج الفنى عميق الدلالة، تتجدد قيمته وتمتد عبر الزمن بعيدًا عن الحدث نفسه، ليكون السؤال القابع فى أعماق السرد عن مصير الحضارة فى ظل هذه الصراعات الوحشية والبربرية على السلطة هى الهاجس الحقيقى الذى يجب أن يشغل الإنسان المصرى كما يشغل بطل القصة. مصير الحضارة والبراءة ومصير الاستدامة ومصير مقدرات الوطن من كل هذه المنعطفات الحادة التى يفرضها علينا الإرهاب أو التطرف مع كل تحول سياسى وكل فترة يرى فيها فرصة للانقضاض على الحكم برغم رفض الشعب أو عدم قبوله بهم.

وهكذا يمكن القول بأن ثورة 30 يونيو كانت حاضرة بقوة فى خطابات سردية أدبية كثيرة، سواء كانت فى الأنواع الأدبية التقليدية مثل الرواية والقصة القصيرة أو المسرح أو فى كتابات تاريخية وسرد سيرة، على نحو ما هى حاضرة فى سرود فنية أخرى مثل الخطاب الإعلامى أو السينمائى أو الدرامي، وأنها مثل كل الأحداث الكبرى تفرض نفسها على المخيلة الأدبية وتفرض نفسها على الفنون والآداب، وتصبح مجالًا لطرح الأسئلة وإثارة الاستفسارات ومراجعة الأفكار والتصورات، وتدمج الفكرى بالفنى والجمالي. وأن الأدب هنا يتجلى بقيمته الفكرية والاجتماعية الكبيرة، حيث يصير مرآة لتأمل التاريخ ومسارات الهوية الوطنية ويصبح ساحة قابلة لأن نرى فيها أنفسنا بصورة أوضح ونحدد علاقتنا بالآخر، وأن السرد والهوية لا يمكن فصلهما، وأن السردية القادرة على التغلب والسيطرة على العقل الجمعى هى التى تفرض نفسها وتصنع تاريخًا جديدًا بصورة كاملة، من هنا ندرك تأثير الأدب فى الوجدان وبخاصة وهو الأكثر بقاءً وصمودًا فى الذاكرة أكثر من الخطابات الإعلامية السيارة أو القابلة للتلاشى والنسيان بخلاف الأدب المرشح للبقاء والخلود.

اقرأ  أيضا: وزارة الثقافة تحتفل بذكرى 30 يونيو