لا أذكر كم مرة صدمنى السيد العديسى بإنسانيته الراقية، ولا كم مرة شعرت بالخجل من نفسى أمام طيبة قلبه ورهافة مشاعره، ولا أدرى كيف سيكون حال العالم فى غياب أمثال العديسى من بيننا.
نحن هنا لا نقف أمام شاعر فذ أو صحفى جريء طوّع أدوات اللغة وامتلك ناصيتها وقبض على زمامها وأمسك بتلابيب الكتابة فحسب، بل أمام حالة إنسانية استثنائية ومدهشة بذات القدر الذى تمتلئ فيه نفسك بالنشوى والحبور وأنت تردد بلسانك أو بلسان حالك «لسة الدنيا بخير».
حقا كانت الدنيا بخير طالما كان سيد حيا بين ظهرانينا، وربما لم ندرك حينها طوال فترة وجوده على ظهر الأرض أن أمثال العديسى وأشباهه – وهم أقلاء جدا – أننا مدينون له ربما بالحفاظ على إنسانيتنا طالما كان أمثاله بيننا على قيد الحياة.
عرفت العديسى منذ ما يقرب من اثنى عشر عاما، التقينا خلالها على فترات فى مناسبات مختلفة، مع قدر لا بأس به من المكالمات والرسائل، كان العديسى حالة تتجاوز حدود الصداقة والأخوة الصادقة، لا أذكر الكثيرين فى حياتى ممن دفعونى للخجل من نفسى بالقدر الذى أخجلنى به العديسي، لكن العديسى أجبرنى فى مناسبات عدة على مجاراته فى الإنسانية، كان الرجل عظيم التواضع، شديد الصدق والتلقائية، دائم المرح، ابتسامته لا تفارق وجهه، لن تجلس مع العديسى أبدا إلا وكانت الجلسة مشحونة بالدعابات والضحكات البريئة الصافية النابعة من القلب، وإن حالفك الحظ وظفرت بصداقته، فستكون حينها محط الثناء الدائم من العديسى الخلوق الذى يعرف كيف يعطيك قدرك، ويشعرك بالخير الكامن فيك، كان يعرف كيف يصالحك على نفسك بأن يشعرك دائما أنك تمتلك أشياءً رائعة ربما لم تنتبه أنت لها، وأنك استثنائى رغم كل شيء!
هكذا كان العديسى الإنسان بطبيعته، بإنسانيته غير الحبيسة فى أبياته الشعرية، بل العابرة للدوائر الحياتية، كانت إنسانية العديسى الناضحة فى شعره تتقاطع مع دوائر حياته الاجتماعية وقراباته وصداقاته وعمله وكل صلاته العامة والخاصة، لن تجد للعديسى خصومات البتة، لم يكن الشاعر الإنسان يعرف كيف يكره، ولا كيف يحسد أو يتشاحن أو يحمل الضغينة، كان إنسانا قديما انقرض نظراؤه فى عالم اليوم، كأنه سقط إليك من «جنة الإنسانية» التى تحدث عنها العظيم سيد حجاب فى أبياته الشعرية الغنائية الشهيرة، كان العديسى أحد مواطنى «المدينة الفاضلة» التى وصفتها «جمهورية أفلاطون»، وكأنه أحد الحواريين الأصلاء وقد ضل طريقه إلى زماننا بدلا من أن يصاحب السيد المسيح!.
أذكر ذات مرة أننى أغضبت العديسى بسبب تأخرى لعدة أيام فى تلبية طلب مُلِح، حينها اتصل بى متضايقا وطلب مقابلتى فى أحد المقاهى القريبة، ذهبت إليه يغمرنى الخجل والإحراج، توقعت سيلا من اللوم والعتاب والغضب لتباطؤى فى تلبية طلبه، لكنه ومع أول نظرة ألقيتها على وجهه قابلنى بابتسامته العريضة الصافية، استقبلنى بالأحضان والابتسامات كعادته كأن شيئا لم يكن، أنسانى الرجل تقصيرى فى حقه بهذا الاستقبال الدافئ الودود، واستضافنى على المقهى ودعانى لشرب الشاي، وتلاشى الزعل كأنه لم يكن!
هذا موقف واحد من مواقف عدة جمعتنى بالعديسى ربما لا يتسع المقام لذكرها جميعا، لكن نهاياتها ومدلولاتها جميعا متشابهة، هذه عينة من البشر لن تظفر كثيرا بلقائها، لكن إن أسعدك النصيب بلقاء أحدهم، فلا أنصحك بالتفريط فى صحبته؛ فهو عملة نادرة يصعب العثور على مثلها.
ذات يوم كتب العديسى وكأنه اطلع الغيب:
من الآن سيشعرون بالحسرةِ
وسيتألمونَ من الخَسارةِ
لأن ندمَهم عليكَ جاء متأخرًا
هم الذين لم يَشعرُوا ولو للحظةٍ واحدةٍ بوجودِك
بالرغمِ من أنك طوالَ عمرِك بينهم.
مات العديسى «ليشعرنا بالندم» كما تنبأ!!، وها أنا ذا أكاد أقتل نفسى ندما كأى إنسان يشعر بالفقد والتقصير، يتعاظم الندم مع حجم الفقيد، وكان العديسى من أعظم المفقودين، ها أنا ألوم نفسى على كل الأوقات التى أضعتها ولم أغتنم فرصة لقائه أو مجالسته أو محادثته أو حتى مراسلته، كان هنا بيننا، والآن لم يعد هنا، هكذا بكل بساطة أتقن العديسى الغياب كما أتقن نظم قصائده!
تنبأ الرجل برحيله بدقة بالغة، وتركنا غرقى فى بحار الندم والألم والحسرة كما كتب، والآن لا أملك فى وداع السيد العديسى الإنسان إلا أن أقول: «مع السلامة يا عديسي، إلى لقاء قريب فى جنة الإنسانية»!
المعماري ماهر استينو: القاهرة ممزقة والحل فى يد المثقفين
خالد عصام: الكتابة عملية اكتشاف تجرى داخل النص نفسه
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية





