ثلاثة وجوه

للفنان: سمير عبد الفضيل
للفنان: سمير عبد الفضيل


عزة كامل

ما لم يُرَ
لم يكن البحر هادئًا… لكنه كان صامتًا بشكل مريب، كأنه يراقب.
المركب الصغير كان يتأرجح ببطء، لا بسبب الأمواج، بل كأن شيئًا تحته يدفعه… يختبر وزنه… أو ينتظر.
جلست ليلى فى المقدمة، عيناها مثبتتان على الأفق الذى لم يعد موجودًا. منذ ساعات—أو أيام؟—اختفى الخط الفاصل بين السماء والماء، وصار كل شىء رماديًا، كثيفًا، خانقًا.
«احنا بعدنا كفاية؟»
سألت سلمى بصوت منخفض.
لم تجب ليلى.
فى الخلف، كانت مريم تضم شيئًا إلى صدرها. فى البداية ظنّت سلمى أنه كيس… أو قطعة قماش. لكنها الآن كانت متأكدة.
كانت تحتضن طفلتها، لكن الطفلة… كانت قد ماتت.
رأت سلمى ذلك بعينيها.
ليلة المجزرة، عندما اشتعلت البيوت، وعندما سقطت الأجساد فى الشوارع، وعندما سمعت ذلك الصوت—الصوت الذى لم يكن بشريًا—كانت الطفلة أول من سقط.
إذًا… ماذا تحتضن مريم الآن؟
اقتربت منها بحذر.
«مريم…»
رفعت مريم رأسها ببطء. عيناها لم تكونا حمراوين من البكاء… بل غارقتين، كأنهما امتلأتا بماء البحر.
«هى نايمة بس».
تجمدت سلمى.
«مين؟»
ابتسمت مريم ابتسامة صغيرة، مرعبة، وهمست:
«البحر رجّعها».
فى تلك اللحظة، اهتز المركب بعنف.
ولأول مرة… سمعن الصوت.
صوت طرق… من أسفل.
لم يبدأ الأمر بالصراخ. وهذا ما ظل يطارد ليلى لاحقًا—أن المجزرة لم تُعلن عن نفسها كما ينبغى. لم يكن هناك إنذار، ولا ارتباك أولى، ولا حتى ذلك الصمت الثقيل الذى يسبق الكارثة. كان كل شىء عاديًا بشكل مريب. الريح كانت ساكنة، والبحر ممتدًا كمرآة مكسورة، والقرية تغفو على عاداتها القديمة. حتى الكلاب لم تنبح تلك الليلة.
ثم… اختفى الضوء.
ليس انقطاعًا مفاجئًا، بل تراجع تدريجى، كأن الظلام يتقدم ببطء محسوب، يبتلع المصابيح واحدًا تلو الآخر. فى البداية لم يلاحظ أحد. ثم بدأ الناس ينظرون حولهم، يتساءلون، يضحكون … حتى أدركوا أن الظلام لا يتوقف.
كانت ليلى أول من خرج إلى الشارع. لا تعرف لماذا. ربما لأنها شعرت بشىء يتحرك تحت جلد اللحظة. شىء لا يُرى… لكنه حاضر.
رأت الجيران يفتحون أبوابهم، يطلون برؤوسهم، ينادون أسماء بعضهم.
ثم جاء الصوت.
لم يكن صرخة. ولم يكن صوت إنسان. كان أقرب إلى… تذكّر. كأن الأرض نفسها تحاول أن تتكلم بلغة نُسيت منذ زمن.
تجمدت الأجساد.
ثم سقط أول شخص.
لم ترَ ليلى ما حدث له. فقط رأت جسده ينهار، بلا مقاومة، بلا محاولة نجاة، كأنه أُطفئ من الداخل.
وبعده… آخر. ثم آخر.
لم يكن هناك قاتل يمكن الإشارة إليه. لا سلاح. لا ظل. فقط ذلك الصوت، الذى بدأ يتكرر، أعمق، أقرب، كأنه يخرج من تحت القرية نفسها.
ركضت.
لم تفكر فى أحد. لا فى الجيران، ولا فى الأصدقاء، ولا حتى فى مريم التى كانت تناديها من بعيد. ركضت نحو البحر.
كانت تعرف الطريق دون أن تنظر. قدماها تتحركان أسرع من عقلها، تتجاوز الأزقة، تتخطى الأجساد التى بدأت تملأ الأرض—أجساد بلا دماء، بلا جروح، لكنها فارغة بشكل مرعب.
عند الشاطئ، كان المركب الصغير لا يزال مربوطًا. لا أحد هناك. وهذا… لم يكن طبيعيًا.
ترددت للحظة. نظرت خلفها. القرية لم تعد تُرى بوضوح. الظلام كان قد ابتلعها بالكامل، لكن الصوت… كان يقترب.
وفى تلك اللحظة، رأت مريم.
كانت تركض، حافية، تحمل شيئًا بين ذراعيها. كانت تصرخ، لكن صوتها لم يصل. كأن الهواء نفسه يرفض أن ينقل الألم.
«ليلى!».
هذه المرة، سمعَت.
اقتربت مريم، تتعثر، تنهار، ثم تنهض مجددًا. وعندما وصلت، أمسكت بذراع ليلى بقوة غير بشرية.
«سلمى… فين سلمى؟»
لم تجب ليلى. لم تكن تعرف. أو ربما… لم تكن تريد أن تعرف.
دفعَت المركب إلى الماء.
«اطلعى».
«سلمى»
«اطلعى»!
صرخت ليلى، وهذه كانت أول صرخة حقيقية فى تلك الليلة.
صعدت مريم، وهى لا تزال تضم ما بين ذراعيها. لم تنظر ليلى جيدًا.
فكّت الحبل، دفعت المركب، وقفزت داخله، وبدأت تجدف بجنون.
خلفهما، اختفى الصوت فجأة. وهذا… كان أسوأ.
لأن الصمت الذى تلاه لم يكن راحة. كان انتظارًا.
ما عاد
لم تعرف أيهن متى بدأ البحر يتحرك. لم تكن هناك موجة أولى، ولا ارتطام مفاجئ، ولا حتى تغير فى اتجاه الريح. فقط… فى لحظة ما، لم يعد المركب ساكنًا كما كان.
كان يتحرك. لكن ليس بفعل الماء.
كانت ليلى أول من لاحظ. توقفت عن التجديف، رفعت المجداف قليلًا، وتركت المركب ينجرف. نظرت إلى السطح—الماء بدا طبيعيًا، هادئًا أكثر مما ينبغى. لكن الإحساس… لم يكن كذلك.
«فى حاجة تحتنا».
قالتها بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها الشىء نفسه.
سلمى، التى لم تتذكر أى منهما متى صعدت إلى المركب، كانت جالسة فى الخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها، تحدق فى الماء منذ وقت طويل.
«هو مش تحتنا».
قالت.
نظرت إليها ليلى بحدة.
«أمال فين؟»
رفعت سلمى عينيها ببطء. ابتسمت ابتسامة صغيرة، غير مريحة.
«جوانا».
لم ترد ليلى. لكن مريم… ضحكت.
ضحكة قصيرة، جافة، كأنها خرجت من مكان أعمق من الحلق.
«هو بيرجع بس».
قالت.
«مين؟»
سألت سلمى.
لم تجب مريم مباشرة. بل نظرت إلى ما بين ذراعيها.
وهنا… اضطرت ليلى أن تنظر.
القماش كان مبتلًا. والشكل… لم يكن ثابتًا. كأن ما بداخله يتحرك ببطء، أو يتنفس… أو يتذكر كيف يفعل ذلك.
«مريم…»
قالت ليلى بحذر: «إحنا شفناها».
«ما شفتوش حاجة».
قاطعتها مريم بهدوء مفاجئ.
رفعت القماش قليلًا.
لم ترَ ليلى بوضوح. لم تستطع. عيناها رفضتا أن تركزا. لكنها رأت كفاية.
لون الجلد… لم يكن لون موت. ولم يكن لون حياة. كان شيئًا بين الاثنين.
وفى اللحظة نفسها—
طرق.
جاء الصوت من أسفل المركب. مرة واحدة. خفيف… لكنه واضح.
تجمد الثلاثة.
ثم… طرق ثانية. أقوى هذه المرة.
وضعت سلمى يدها على حافة المركب، وانحنت قليلًا، كأنها تحاول أن ترى عبر الخشب.
«فى حد».
همست.
«مفيش حد».
قالت ليلى بسرعة.
لكن الطرق جاء مرة ثالثة. ثم… توقف.
مرّت ثوانٍ طويلة، ثقيلة.
ثم صوت سحب.
كأن شيئًا يحتك بأسفل المركب… ويتحرك ببطء حوله.
دارت سلمى بعينيها، تتابع الصوت.
«مش لوحده».
قالتها وكأنها تلاحظ أمرًا عاديًا.
«فى أكتر من واحد».
تراجعت ليلى إلى الخلف، قلبها يدق بعنف، لكنها لم تسمح لنفسها بالذعر.
«هنكمل. هنبعد أكتر».
أمسكت المجداف.
لكن قبل أن تضرب الماء ظهر شىء.
يد.- ليست كاملة. فقط أطراف أصابع، شاحبة، متورمة، ظهرت للحظة من الماء بجانب المركب… ثم اختفت.
شهقت مريم. وضمّت ما بين ذراعيها أقرب.
«قلتلك… بيرجعوا».
نظرت إليها ليلى. وللمرة الأولى… لم تكن خائفة من البحر. كانت خائفة منها.
ما يطفو
لم يكن الصعود مفاجئًا وهذا ما جعلَه أكثر رعبًا لم يخترق الشىء سطح الماء بعنف ولم يُحدِث ذلك التمزق الحاد الذى يسبق ظهور الكوابيس بل ارتفع… ببطء محسوب كأن البحر يسلّمه إلى السطح لا كجسدٍ غريب بل كأثرٍ مؤجل.
كانت سلمى أول من رآه
لم تصرخ فقط انحنت أكثر حتى صار وجهها قريبًا من الماء إلى حدٍ يكفى لأن ترى انعكاسها يختلط بملامح أخرى ملامح لم تكن لها
«فى حد بيبص لى»
قالتها كمن يصف حلمًا لا خطرًا
توقفت ليلى عن التجديف لكنَّ يديها ظلّتا مشدودتين على الخشب كأنها لو تركته ستفقد توازن العالم كله لا المركب فقط.
«اطلعى لفوق»
لم تتحرك سلمى
«مش غريب».
همست وعيناها مثبتتان فى العمق «هو حافظ شكلى»
فى تلك اللحظة خرج الوجه.
لم يكن مكتملًا النصف الأعلى فقط كأن الماء رفض أن يتخلى عنه بالكامل عين واحدة مفتوحة والأخرى… غائبة أو مطموسة أو ربما لم تكن موجودة من البداية الجلد مشدود بشكل غير طبيعى كأنه تعلّم أن يكون وجهًا بعد أن نسى كيف.
لكنه… كان يبتسم
ابتسامة بطيئة غير مستقرة تتشكل كما تتشكل الأمواج الصغيرة تأتى وتذهب دون قرار.