دايزي روكويل
ترجمة: أسماء يس
الآن وقد بلغ جارڤيس روكويل؛ أبي، الرابعة والتسعين، لم يعد يتذكر أنه أمضى معظم حياته في العلاج النفسي. يتذكر محلله النفسي الدكتور ويليس في سان فرانسيسكو، وأن صديقه ومحلله النفسي إريك إريكسون هو من أرسله إليه، لكنه لا يتذكر شيئًا عن عقود العلاج التي تلت ذلك، ولا عن معالجه الأخير الذي التقاه مصادفة في مكتبة محلية بعد بضع سنوات من مغادرته العلاج. ربما كان أبي في أواخر الستينيات آنذاك، وانزعج عندما حدّق به معالجه ببرود وانصرف. لاحقًا عرف أن الرجل كان مصابًا بألزهايمر ولا يتذكر أحدًا. وكان هذا النسيان مدمرًا له جدًا، لأنه كان المحلل الذي شخَّصه بمتلازمة النرجسية وهو في أواخر الخمسينيات. ليس باضطراب الشخصية النرجسية، فمع أن أبي مهووس بنفسه، فإنه رجل لطيف جدًا.
عقدة النرجسية تشخيص فرويدي قديم، ربما يصعب إيجاده اليوم. وتعرَّف بأنها نوع من حب الذات العصابي الناجم عن عدم تبادل الحب مع الآخرين، وبخاصة الوالدين. وكان أبي سعيدًا جدًا بهذا التشخيص، أحب أن يكون لديه اسم يطلق على شعوره طوال حياته، فذلك يشعره بالعظمة. لكنه كان أيضًا فاشلاً في تذكر الأسماء، ودائمًا ينسى اسمها، فيسألني «دايز، هل تعرفين قصة الإغريقي الذي كان يحدق في صورته على الماء ثم سقط؟»، وكنت أرد «نعم، نرسيس»، فيصيح بسعادة «صحيح! يقول محللي النفسي إنني أعاني من شيء كهذا». وكان هذا يتبعه دائمًا تذمر من قلة الاهتمام الذي ناله من والديه؛ أبوه لأنه كان مدمنًا على العمل، وأمه بسبب مشكلاتها النفسية، وما كان عليه من عبء ثقيل لأنه ابن فنان مشهور هو نورمان روكويل.
جرت دوامة المشكلات النفسية التي عانت منها جدتي لأبي العائلة بأكملها لدوامة العلاج النفسي لمجموعة متنوعة من الاضطرابات النفسية. من غير الواضح ما كانت حالتها ستشخص اليوم، لكن آنذاك، في الخمسينيات، كان مجال الصحة النفسية في بداياته، وقد سمعت بتشكيلة تشخيصات نسبت إليها حالتها: الاكتئاب، وإدمان الكحول، واضطراب الفصام الوجداني. كانت متزوجة من أشهر رسامي أمريكا الذي أصر على العيش في مكان ناءٍ -أرلينجتون، فيرمونت- هربًا من الحياة الاجتماعية المتوقعة من فنان مشهور. وحيدة، معزولة، أمًا لثلاثة أطفال، في الغابة، من كاليفورنيا، حاصلة على شهادة من جامعة ستانفورد، متزوجة من شخص مشهور لديه هوس غريب بالعمل بلا هوادة يومًا بعد يوم، وعليها إدارة شؤون المنزل ورعاية الأطفال والرد على المراسلات، والقراءة بصوت عالٍ للفنان.
مؤخرًا أخبرني أبي أنها قرأت لجدي رواية «الحرب والسلام» بصوت عالٍ مرتين، والعديد من أعمال ديكنز، كاتبه المفضل. ومثل توني لاست في رواية «قبضة من غبار» لإيڤلين وو، الذي ينتهي به المطاف في غابة أمازونية يقرأ أعمال ديكنز بصوت عالٍ لآسره لبقية حياته، حُكم عليها بقراءة روائع الأدباء بصوت عالٍ لزوجها مرارًا وتكرارًا.
وعندنا لم يعد الوضع محتملاً، اضطر نورمان إلى التوقف عن عمله والبحث عن حل. في 1953 انتقلوا من فيرمونت إلى ستوكبريدچ، ماساتشوستس، حيث مركز أوستن ريجز، وهو مركز للعلاج النفسي أسسه الدكتور أوستن ريجز في 1919، الذي طور آنذاك منهجًا فريدًا للعلاج النفسي شمل جلسات علاجية مطولة وأنشطة علاجية، مثل التنس وصناعة الفخار وعلم النبات. يقع المركز ضمن صف منازل بيضاء فخمة ذات جدران خشبية تصطف بامتداد الشارع الرئيسي في ستوكبريدچ، ويبدو الحرم الجامعي الجميل بمروجه الواسعة وأشجاره الشامخة وملاعب التنس الجذابة، أشبه بمدرسة إعدادية منه بمستشفى للأمراض النفسية. اجتذبت ابتكارات ريجز العديد من أخصائيي الصحة النفسية البارزين، وأشهرهم إريك إريكسون، المحلل النفسي الذي تدرب على يد آنا فرويد، ووصل قبل عامين من وصول جدي وجدتي، أي في 1951.
وضعت ماري تحت رعاية المدير، الدكتور نايت، كما وضع عمي الأصغر بعد ذلك بوقت قصير. آنذاك لم تكن هناك قوانين تنظم هذا النوع من الأمور. وجد عمي الدكتور نايت مرعبًا للغاية، وقبل بضع سنوات، عندما زرت مستشفى ريجز لحضور فعالية (تكريمًا لمدرسة ريجز للرعاية، وهو برنامج وضع لتأهيل المرضى الخارجيين للعمل كمساعدين للمعلمين و«اختبار الطفولة كمراقبين ومشاركين»، وأنا نفسي تخرجت فيه)، ذهبت أبحث عن دورة المياه واكتشفت مذهولة أن الممر خافت الإضاءة كان مزينًا برسوم أتمها جدي لجميع أطباء ريجز النفسيين في الخمسينيات، وفهمت وجهة نظر عمي: كان للدكتور نايت مظهر سيد الظلام.
توفيت ماري روكويل فجأة عام 1959، وبما أن ذلك كان عصر العلاج المشبوه بالصدمات الكهربائية والكثير الكثير من المهدئات، وألقت العائلة باللوم في وفاتها على مزيج من هذه الأساليب المظلمة، وربما بالتبعية، على الدكتور نايت نفسه.
لكن بدايات الطب النفسي شهدت أيضًا عصر إريك إريكسون، الذي صاغ، من بين أمور أخرى، فكرة مراحل الهوية في الطفولة والمراهقة وأزمة الهوية. ويحكى إن إريكسون وجدي انسجما فورًا. رسميًّا، كان إريكسون محلل جدي النفسي، لكنه كان يزوره بانتظام في الاستوديو حيث يعقدان جلسات مطولة. وقد حكت ابنة إريكسون، سو إريكسون بلولاند، لأبي ذات مرة أنها تعتقد أنهما كانا يجلسان ببساطة، بنوع من النرجسية -بالمعنى الفرويدي- يتجاذبان أطراف الحديث عن شهرتهما الكبيرة وإتقانهما لعملهما، والضغوط المصاحبة لذلك. فهل من المستغرب إذن أن يكون حال جدي الذي اختار إريكسون أفضل من حال من اختار نايت؟
بالمصادفة كان جدي لأمي أيضًا يمارس تلك الممارسات العلاجية المظلمة في الخمسينيات، وكان طبيبًا عامًا ثم تحول إلى الطب النفسي عام 1950 بعد تعرضه المتكرر لمرض السل في ريف ماريلاند. ولطالما وصفته أمي بأنه طبيب نفسي شرير، وكأن هذا نمط معروف، وكنت في طفولتي أعتقد ذلك!
وفقًا لوصف أمي، تشبه تلك الأيام الأولى للطب النفسي، إلى حد كبير، الأهوال التي نراها في الأفلام القديمة. فعندما كان أحد أبنائه يدخل عليه ويقول مثلاً «لا أستطيع النوم»، أو «أشعر بألم في بطني»، كان يمد أصابعه الطويلة في جيب بنطلونه ويخرج حفنة حبوب ضخمة متعددة الألوان، تتخللها قطع من الخيوط والأربطة المطاطية. ويقول بنبرة جادة: «خذ حبة حمراء وحبة زرقاء، وستكون بخير». لم يكن أحد يعرف ماهيتها، ووجدوا ذلك شريرًا جدًا.
بعد علاقات جدي لأمي المتعددة خارج إطار الزواج، انفصل جداي في نهاية المطاف قبل ولادتي بعام. عندما تعرفتْ عليه كان قد تزوج من مريضة سابقة؛ امرأة ويلزية قيل إنها كانت تعاني من استسقاء الدماغ. كانت بشرتها شاحبة ومنتفخة، وشعرها ذهبي مجعد، نادرة الحديث كثيرة التحديق في الفراغ. وذات مرة في أثناء إقامتهم في منزل العائلة بستوكبريدچ، وجدت تتجول وسط الشارع في الصباح الباكر مرتدية قميص نوم أبيض فقط. لاحقًا، اكتشف أن حالتها كانت نتيجة مزيج من الكحول وتلك الحبوب متعددة الألوان التي كان جدي يحتفظ بها في جيوبه، لكنها خرجت من عزلتها بعدما تخلصت من هاتين المادتين، وصارت امرأة ذات دهاء سيدفع أمي لاعتبارها عدوة.
وبينما آمنت عائلة أبي إيمانًا راسخًا بفوائد التحليل النفسي والطب النفسي، كانت عائلة أمي على النقيض تمامًا، إذ تجنبت العلاج بكل الوسائل خوفًا من هذه المهنة. ولا عجب أن شعر كثيرون في عائلة أمي بالرعب عندما علموا أن زوجي اختار العمل في مجال الطب النفسي، ومنذ ذلك الحين وهو يواجه في التجمعات العائلية، بين آن وآخر، نظرة المجتمع إليه كطبيب نفسي شرير محتمل. كانت أمي تخشى هذه المهنة لدرجة أنها عندما كانت تشعر بالقلق من أي علامات اضطراب نفسي لدي في فترة المراهقة، تنصحني بقلق أن أتحسن وإلا ستضطر إلى إرسالي لمعالج نفسي. ويبدو أن تجربتها الشخصية كمريضة نفسية اقتصرت على فترتين قصيرتين في حياتها، مع أن تقلبات مزاجها الحادة كانت لتجعل المزيد من التجارب أمرًا مفيدًا. كانت الأولى بضع جلسات مع مستشار زواج عندما توترت علاقتها بأبي. وروايتها للقصة أن المعالج (الرجل)، الذي توطدت علاقته بأبي فورًا، نصحها بالهدوء والتصرف كزوجة صالحة. بالمصادفة، عانت زوجة هذا المعالج لاحقًا من انهيار عصبي. كان ذلك في أوائل السبعينيات، وأمي من رواد الموجة الثانية من الحركة النسوية، وفنانة حرة الروح تكره ارتداء الأحذية والالتزام بقواعد المجتمع. لكنها لم تهدأ، وانهار زواجها وأنا في الخامسة.
كانت تجربتها الثانية مع العلاج النفسي ذات طابع يونجي. تؤمن أمي بشدة بقوة الأحلام، وتدون كل ما تتذكره منها عند استيقاظها. وكان الطيران موضوعًا متكررًا في أحلامها وأنا في العاشرة تقريبًا، وقد رسمتْ سلسلة من اللوحات بناءً على هذه الثيمة، واستنتجت من أحلام الطيران أن أبي كان حذاءً ثقيلاً أرهق كاهلها، والآن وقد تحررت منه، تستطيع التحليق، مع أنني كنت أحيانًا أظهر في أحلامها وأسحبها من نقطة انطلاقها المبهجة. وقد أدى هوسها بالأحلام إلى سلسلة من جلسات تحليل الأحلام مع زوج ابنة عمي، وهو محلل نفسي يونجي. وبصفتها معلمة فنون للأطفال، لم تكن تكسب ما يكفي لتغطية تكاليف هذه الجلسات، فاقترحت مقايضته بمهاراتها كرسامة منازل داخلية، وقد وافق على هذه الصفقة. بعد مراجعة مذكرات أحلامها، أوضح المحلل اليونجي أن لديها نفسية تشبه نفسية حيوان غابة صغير، ولهذا تواجه صعوبة كبيرة في التكيف مع المجتمع. هذا على الأقل ما أخبرتني به، رغم أنه من المحتمل جدًا أنها لم تبح بالتشخيص كاملاً.
بينما كان باقي أفراد عائلته يتلقون الرعاية النفسية في مستشفى ريجز، أجبر أبي، الذي لم يكن أقل معاناة في ذلك الوقت، على الذهاب إلى كوريا. اختير للتجنيد في الحرب الكورية وهو يدرس الفنون والعائلة لا تزال في فيرمونت. استغل نورمان بعض نفوذه، وبعد أن وعد أحد الچنرالات برسم صورته، وأبلغ أبي بأنه على الرغم من عدم امتلاكه أي خبرة، عليه الالتحاق بالقوات الجوية، ما سيجنبه القتال في الخنادق. وانطلق إلى قاعدة جوية في سانت لويس حيث من المفترض أن يقضي فترة تجنيده. لطالما كان طالبًا متوسطًا، وقد ترك المدرسة الثانوية سابقًا للالتحاق بكلية الفنون. ولسبب ما اعتقد بعد تجنيده أن الالتحاق بالقوات الجوية يشبه الالتحاق بالجامعة، وحرص على حزم الكثير من الكتب، لكن بعد وصوله إلى القاعدة بفترة وجيزة، قرر نورمان أنه لا يرغب في رسم الصورة وأبلغ الچنرال بذلك. ربما لم يكن لديه الوقت الكافي؟ وسرعان ما أرسل أبي إلى كوريا، فلم يكن ذا فائدة تذكر لأحد. وهناك أمضى وقته في أعمال مكتبية شملت رسم ضباطه الأعلى رتبة لصحيفة القاعدة، وتقديم عروض عن الأمراض المنقولة جنسيًّا. كما كان قارئًا نهمًا، يذكر ت. س. إليوت وإريك فروم وغيرهما في رسائله إلى أهله، ويطلب مرارًا وتكرارًا إرسال السيرة الذاتية لماتيس. وفي إحدى رسائله يكشف أنه كان عضوًا في نادٍ للكتاب في القاعدة، وأن النادي قرأ كتاب باتريك مولاهي «أوديب: الأسطورة والعقدة»، ويذكر أن نظرة فرويد إلى «الفنان» هزته بشدة، وأصابته بالذهول لأسابيع.
بعد عودته من كوريا، لم تكن صحة أبي النفسية على ما يرام، مع أنها لم تكن كذلك من قبل، ويتضح ذلك جليًّا من رسائله إلى المنزل، حيث كتب عبارات مثل «على أي حال، أنا موقن من أنني أتخلص من عصابي بشكل أسرع يومًا بعد يوم. من المرجح جدًا أن أكون قد تعافيت منه تمامًا عند عودتي إلى المنزل».
عند عودته، كان عصابه لا يزال موجودًا رغم أنه تمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة في كوخ خشبي على أطراف بوسان، لذا ربما كانت الخدمة العسكرية أشبه بالدراسة الجامعية فعلاً في نهاية المطاف.
حين استشار إريك إريكسون بشأن صحته النفسية، نصحه بالانتقال غربًا إلى كاليفورنيا بدلاً من العلاج مع الدكتور نايت «اذهب غربًا يا فتى، هذا في دمك!» هكذا يصيح أبي دومًا وهو يسرد هذه القصة، مقتبسًا بشكل خاطئ عبارة توسعية كلاسيكية من القرن 19. حزم أبي أمتعته في سيارته وانطلق إلى سان فرانسيسكو، حيث الدكتور ويليس في انتظاره. وأهم ما أخبرني به عن هذه المرحلة من العلاج هو التالي؛ عندما أخبر الدكتور ويليس أنه منزعج من عدم قدرته على رسم الأيدي بشكل صحيح، نصحه بالعودة إلى المنزل ورسم مئة يد وإحضارها إليه. فعل ذلك، وشفي من مشكلته في رسم الأيدي (والمعنى الضمني أنني سأستفيد أيضًا من هذا التمرين).
وخلال هذه الفترة كان يقضي وقته في: 1. الرسم في شقته والتحديق بارتياب من النافذة 2. الذهاب إلى المحلل النفسي 3. العمل في بقالة لورنزيني براذرز الإيطالي بشارع فيلمور، حيث كان يوصل اللحوم والأسماك المجمدة. وحتى الآن، مع أن ذاكرته لم تعد مثلما كانت، فإن ذكرياته عن العمل عند لورنزيني براذرز ما تزال حاضرة في ذهنه بوضوح تام. كانوا أربعة إخوة جميعهم يحملون أسماء أبطال الأوبرا الإيطالية: ماكسيميليانو (ماكس)، سبارتاكوس (سبوت)، ويليام تيل (تيل)، وليونيداس (نيني). ماكس قائد جوقة أوبرا سان فرانسيسكو، يتمتع بصوت جهوري عميق، وسبوت ينظف الدجاج، وتيل مثليًّا، أما نيني فيروي الكثير من النكات البذيئة. والجزاران، مارسيل وهنري لا بوياد، فرنسيان. وكان أبي يقضي أيامه في ركن شاحنة التوصيل على تلال وسط مدينة سان فرانسيسكو الشهيرة، ثم يركض إلى منازل العائلات المرموقة حاملاً طرودًا من قطع اللحم والأسماك المجمدة.
هذا في عصر جيل البيت في سان فرانسيسكو، ورغم أن أبي لا يعتبر نفسه فنانًا من جيل البيت، فإنه كلما رأيته هذه الأيام يروي لي قصة لقائه الوحيد مع ألن جينسبيرج. استدعاه أحد معارفه إلى مقهى قريب -ربما مقهى «كويكسيستنس بيجل شوب» الشهير، الذي كان البيت يرتادونه، لكنه ليس متأكدًا- قائلاً «هناك شخص أريدك أن تقابله». كان ألن جينسبيرج جالسًا على ترابيزة مع مجموعة من الناس، ويزعم أبي أن الشخص الذي عرفهما عليه أراد ببساطة أن يرى جينسبيرج يلتقي بابن نورمان روكويل، وكأن هذا حدث قابل للاشتعال، يجمع بين قوتين متناقضتين. تم التعارف، لكن بفتور من جهة شاعر البيت، الذي يصر أبي على أن يده كانت مرتخية ومترهلة، مثل سمكة رطبة.
وفقًا لزوجي الطبيب النفسي، يعاني أبي اليوم من خرف متوسط إلى متقدم. فإلى جانب تركيزه على سان فرانسيسكو في الخمسينيات، يردد أيضًا عددًا كبيرًا من أبيات الأغنيات الشعبية القديمة، مثل: «عشرة سنتات للرقصة، هذا كل ما يدفعونه لي، يا له من عبء ثقيل!»، و»أدخن السجائر وأشاهد برنامج كابتن كانجارو، لا تقل لي إنه ليس لدي ما أفعله!». وهو يعرفنا، ويقرأ النيويورك تايمز يوميًّا، مع أنه لا يتذكر منها سوى فظاعة ما فيها. ولفترة طويلة بين انتهاء علاجه النفسي ووقتنا الحالي، ربما 20 عامًا أو نحوها، كان مهووسًا بما سيحدث بعد موته. وأبعده هذا الهوس عن روائع الأدب التي اعتاد قراءتها إلى أقسام الكتب المستعملة التي تتناول الخوارق، فصار مفتونًا بتجارب الحياة بعد الموت والتناسخ واختطاف الكائنات الفضائية، فقرأ عددًا كبيرًا من الكتب حول هذه المواضيع (وهو مصطلح كان يستخدمه لوصف قراءة أجزاء من كتاب مرارًا وتكرارًا دون إتمامه). وامتلأ كرسيه في الصالة بأكوام متراكمة من هذه الكتب، التي لا يزال يطلع عليها يوميًّا، حتى إنه سجل في جلسات علاجية لاسترجاع ذكريات حياة سابقة، واكتشف أنه في حياة سابقة، كانت سيدة راقية في عصر هنري چيمس، ونظر إلى أسفل فرأى أبازيم حذائه.
لكنه يقول الآن إنه لم يعد يؤمن بالجنة أو التناسخ، وأنه عندما يرحل سيختفي ببساطة. بعد سنوات من الحوارات المتكررة حول الحياة الآخرة، التي أصبحت مزعجة لدرجة أن معظم أفراد العائلة كانوا يجدون عذرًا للهروب كلما طرح الموضوع، نجد أنفسنا على الجانب الآخر من المعادلة، نؤيد بسعادة فكرة الجنة والتناسخ. بطريقة ما، يبدو محزنًا أنه تخلى ببساطة عن كل شيء. وأفكر في تلك العبارة من إحدى رسائله إلى الوطن من كوريا: «على أي حال، أنا موقن أنني أتعافى من عصابي (أو اضطرابي النفسي) بسرعة أكبر فأكبر كل يوم. ومن المرجح جدًا أن أكون قد تخلصت منه تمامًا عندما أعود إلى الوطن. ويحدث الشيء نفسه لكل من أمي وتومي. وآمل أن…».
عندما قرأتها للمرة الأولى ضمن مجموعة رسائل اكتشفناها مؤخرًا، كان قد كتبها إلى أهله من كوريا، فكرت في مدى حزني لأنه لم يتخلص قط من عصابه بسبب القلق والانغماس في الذات اللذين شغلاه لعقود. وأن أمه لم تتعافَ هي الأخرى. لكنني الآن أفكر في السلام النسبي الذي ينعم به في سنواته الأخيرة، وأتذكر مدى عُصابه وأنا طفلة، وكيف كان يجلس مُنكبًا على لوحة الرسم، يحمل مسطرة وقلمًا وحبرًا، يرسم على لوحات كبيرة ذات أشكال هندسية لا نهائية متقنة، بينما يدخن علبتين من سجائر «ترو بلو» يوميًّا. ربما أثمرت كل تلك السنوات من التحليل النفسي شيئًا ما في النهاية، وربما كان محقًا في الاحتفاء بتشخيصه بعقدة النرجسية، بل والاستمتاع بها، لأنه يستحضر تلك الصورة الآسرة للرجل الإغريقي وهو يحدق في انعكاس صورته. وبالنسبة لأبي، فإن الصور البصرية، لا الفكر المجرد أو الكلمة المكتوبة، هي ذروة التجربة الإنسانية. ولعل قدرته على تخيل محنته كصورة مرئية هي ما حرره في النهاية من وباء المرض النفسي العائلي في الخمسينيات، الذي حجب إدراكه لفترة طويلة
معركة تولستوى وجورج أورويل على شكسبير
يتجلّين فى صورة همسات تُلقى فى آذان من يستدعيهن
من التراجيديا إلى الإبادة: «أدب غزة» يولد من رحم الأدب الفلسطينى





