أوبن كالتشر
ترجمة: رولا عادل رشوان
من الصعب العثور على أفراد أحرار الفكر لم يُحقنوا بمصل عبادة شكسبير. فكل إنسان في مجتمعنا وعصرنا، منذ اللحظات الأولى لوعيه، قد غُرست فيه فكرة أن شكسبير عبقري وشاعر وكاتب مسرحي فذّ
بعد تحوّله الجذري إلى المسيحية اللاسلطوية، اتخذ ليف تولستوي موقفًا معارضًا بشدّة لكل ما هو راسخ ومألوف. وقد بلغت حدّة هجومه على الطبقة والتقاليد اللتين نشأ في كنفهما حدًّا جعل بعض النقاد المعاصرين لزمنه، يصفون هذا الصراع بكونه صراعًا أوديبيًا. فقد وقف تولستوي موقفًا مناهضًا للمؤسسات الأبوية التي رأى فيها آداة لقهر الطبقات العاملة وتقييد الحياة الروحية التي آمن بها وكرّس نفسه لها. كما دافع عن الثورة بوصفها «تغييرًا في علاقة الشعب بالسلطة»، على حد تعبيره في كتيّبه الصادر عام (1907) بعنوان «معنى الثورة الروسية»، وأضاف: «أن بوادر هذا التغيير تجري الآن في روسيا، ونحن، الشعب الروسي بأسره، نشارك في إنجازه».
مستخدمًا في عبارته ضمير «نحن»، يضع تولستوي نفسه صراحةً إلى جانب الفلاحين الروس، كما فعل في كتابات أخرى من تلك المرحلة، مثل «ثلاثة أيام في القرية» (1909-1910). قدّمت مقالاته، إلى جانب غيرها من نصوصه في تلك الفترة، ملامح فلسفة سياسية ونقدًا ثقافيًا ينزعان غالبًا إلى إبراز السلامة الأخلاقية المتجذّرة لدى الفلاحين، في مقابل الكشف عن مظاهر الانحلال التي أصابت الأرستقراطية ومؤسساتها. وانسجامًا مع هذا التوجّه، يوجّه تولستوي في أحد مقالاته، وهو مقال عن شكسبير نُشر عام (1906)، هجومًا إلى ذلك الأب الأدبي الذي يحظى بأعلى درجات التقديس، عارضًا ما سمّاه «رأيي الشخصي القديم الراسخ بشأن أعمال شكسبير، وهو رأي يقف في تعارض مباشر مع الرأي الذي استقرّ في نفوس الجميع عبر أوروبا بأسرها».
بعد تحليل مطوّل لمسرحية «الملك لير»، ينتهي تولستوي إلى أن أعمال الكاتب الإنجليزي «لا تستجيب لمقتضيات الفن الحقيقي، فضلًا عن أن نزعتها من أحطّ النزعات وأكثرها انحطاطًا أخلاقيًا». لكن كيف انتهى الأمر بأوروبا الغربية كلها إلى الإعجاب الشامل بشكسبير، ذلك الكاتب الذي «كان يمكن أن تصفه بأي شيء، إلا إن يكون فنانًا»؟ بحسب تولستوي في مقالته. يجيب تولستوي بأن السبب يعود إلى ما يسميه «عدوى الإيحاء»، وهي العدوى التي نشرها، في رأيه، أساتذة ألمان في أواخر القرن 18. وبلغة القرن 21، يمكننا القول إن تولستوي قد قصد أن فكرة «شكسبير العبقري» قد تحولت إلى ظاهرة واسعة الانتشار وذاك هو السبب في رأيه لما يحظى به شكسبير من شهرة وتقدير.
ويذهب تولستوي إلى تصوير تبجيل شكسبير بوصفه نوعًا من التلقيح الثقافي الضار الذي فُرض على الناس من دون إرادتهم، إذ يكتب: «من الصعب العثور في مجتمعنا المسيحي على أفراد أحرار الفكر لم يُحقنوا بمصل عبادة شكسبير. فكل إنسان في مجتمعنا وعصرنا، منذ اللحظات الأولى لوعيه، قد غُرست فيه فكرة أن شكسبير عبقري وشاعر وكاتب مسرحي فذّ، وأن جميع أعماله تمثل قمة الكمال».
ويعلن تولستوي أن الحقيقة هي أن الشاعر الممجَّد ليس سوى «كاتب ضئيل الشأن، يفتقر إلى الحسّ الفنّي... وكلما أسرع الناس في التحرر من التمجيد الزائف لشكسبير كان ذلك خيرًا لهم».
ويكتب أيضًا: «لقد آمنت، وبقناعة راسخة لا يداخلها شك، أن ذاك المجد المسلّم به، والذي يتمتع به شكسبير بوصفه عبقريًا عظيمًا، والذي يدفع كتّاب عصرنا إلى تقليده، ويدفع القراء والمتفرجين إلى الانبهار بمزايا غير موجودة فيه، فيشوّه بذلك إدراكهم الجمالي والأخلاقي، ليس إلا شرًّا عظيمًا، شأنه شأن كل زيف».
فما الذي دفع كاتب الروائع الخالدة «الحرب والسلام» و«آنا كارينينا» إلى التنكّر بهذه الحدّة لإبداع كاتب «الملك لير»؟
بعد أربعين عامًا، جاء رد جورج أورويل على هجوم تولستوي في مقال حمل عنوان «لير وتولستوي والمهرّج» (1947). وكانت إجابته أن اعتراضات تولستوي «على تفكك بناء مسرحيات شكسبير، وعلى الاستطرادات غير الضرورية، والحبكات غير المعقولة، واللغة المفرطة»، ليست في جوهرها سوى اعتراض على النزعة الإنسانية الأرضية عند شكسبير، وعلى «فيض الحيوية» الذي يميز أعماله، أو - إذا رغبنا في استعارة مصطلح وافي من التحليل النفسي - على متعته الوجودية.
يقول أورويل في مقاله: «لا يحاول تولستوي فحسب أن يحرم الآخرين من متعة لا يشاركهم فيها. نعم، هو يفعل ذلك، لكن خلافه مع شكسبير أعمق من ذلك بكثير. إنه خلاف بين الموقف الديني والموقف الإنساني من الحياة».
ويعترف أورويل بأن «كمية كبيرة من الكلام الفارغ والهراء قد كُتب عن شكسبير بوصفه فيلسوفًا أو عالم نفس أو «معلّمًا أخلاقيًا عظيمًا» وما إلى ذلك». والحقيقة، في رأيه، أن الكاتب المسرحي لم يكن «مفكرًا منهجيًا»، بل إننا لا نعرف حتى «إلى أي مدى كانت الأعمال المنسوبة إليه من تأليفه فعلًا». ومع ذلك، يوضح أورويل كيف أن تلخيص تولستوي النقدي لـ«الملك لير» يقوم على لغة منحازة بشدة وأساليب مضللة اتبعها تولستوي في تحليله. ناهيك عن أن تولستوي «يكاد لا يتناول شكسبير بوصفه شاعرًا». يعود أورويل بعدها ليتساءل: «لماذا اختار تولستوي «الملك لير» تحديدًا؟». والجواب في رأيه أن هذه الشخصية تشبه تولستوي نفسه إلى حد لافت، حيث يتنازل «لير» عن عرشه، لكنه يتوقع من الجميع أن يواصلوا معاملته بوصفه ملكًا».
ثم يضيف:»أليس في هذا ما يذكّر، على نحو يثير الدهشة، بتاريخ تولستوي نفسه؟ أرى أن هناك تشابه عام بينهما يصعب تجاهله، لأن أبرز حدث في حياة تولستوي، كما في حياة لير، كان فعل تنازل هائل وغير ضروري. ففي شيخوخته، تخلى عن أملاكه ولقبه وحقوق مؤلفاته، وحاول محاولة صادقة، وإن لم تكلل بالنجاح، الإفلات من مكانته الاجتماعية المتميزة ليعيش حياة الفلاحين. لكن التشابه الأعمق يتمثل في أن تولستوي، مثل لير، تصرف بدوافع خاطئة ولم يبلغ النتائج التي كان يرجوها. فبحسب تولستوي، تتمثل غاية الإنسان في السعادة، ولا سبيل إلى السعادة إلا بتنفيذ مشيئة الإله. لكن تنفيذ مشيئة الإله يقتضي التخلي عن جميع الملذات والطموحات الأرضية والعيش من أجل الآخرين وحدهم. ومن ثمّ، فقد تخلّى تولستوي عن العالم وهو يتوقع أن يجعله ذلك أكثر سعادة. غير أن هناك حقيقة واحدة مؤكدة بشأن سنواته الأخيرة، وهي أنه لم يكن سعيدًا».
ورغم أن أورويل يشك في أن الروائي الروسي كان مدركًا لهذه الحقيقة، أو أنه كان سيعترف بها لو لُفِت انتباهه إليها، لكنه يؤكد في تحليله أن تولستوي في مقاله عن شكسبير بدا وكأنه يتعامل مع دروس «الملك لير» معاملة شخصية للغاية. يكتب أورويل: «لم يكن تولستوي قديسًا، لكنه بذل جهدًا هائلًا ليصبح كذلك، وكانت المعايير التي طبّقها على الأدب معايير تنتمي إلى عالم ما وراء الدنيا». ولهذا السبب لم يكن قادرًا على تقبّل «النزعة الدنيوية الواضحة» عند شكسبير و«أنانيته البشرية العادية الملتصقة والمرتبطة بالأرض»، ويرجع ذلك، جزئيًا على الأقل، إلى أنه لم يكن قادرًا على تقبّل هذه الصفات في نفسه.
في الواقع، تلك تهمة شائعة جدًا؛ مفادها أن أحكام الناقد تكشف عن انشغالاته الذاتية أكثر مما تكشف عن العمل الذي ينقده. وغالبًا ما يكون هذا النوع من التأويل النفسي لدوافع الكاتب غير مبرر أو مفصّل بشواهد بالتضاد مع ما قدمه أورويل في تحليله. حيث يبدو أن أورويل، في هذه الحالة، وكأنه نجح فعلًا في الكشف عن صراع نفسي شخصي حقيقي كامن في مقال تولستوي عن شكسبير، وربما أصاب المصدر العميق لرد فعله العنيف تجاه «الملك لير» تحديدًا، تلك المسرحية التي «تكشف نتائج ممارسة نكران الذات بدوافع أنانية».
يستخلص أورويل من الخلاف الفلسفي بين تولستوي وشكسبير نتيجة أشمل وأعمّ، فيكتب: «وهذا لأنني أرى أن الموقف المسيحي هو موقف قائم على المصلحة الذاتية والسعي إلى اللذة، لأن هدفه الدائم هو الهروب من صراع الحياة الأرضية المؤلم والعثور على سلام أبدي في نوع من السماء أو النيرفانا... وكثيرًا ما يبدو أن هناك هدنة بين الإنساني والمؤمن الديني، غير أن الحقيقة هي أن موقفيهما لا يمكن التوفيق بينهما؛ فلا بد للإنسان من أن يختار بين هذا العالم والعالم الآخر».
وفي هذه النقطة الأخيرة، لا شك في أن تولستوي وأورويل كانا سيتفقان. فبحسب تحليل أورويل، فإن هجوم تولستوي على النزعة الإنسانية عند شكسبير يزيد من حدّة التناقض القائم بين هذين الموقفين، كما يزيد من حدّة التناقض بين النزعة الإنسانية التي طبعت مرحلة تولستوي السابقة وبين التدين المتوقد الحماسة، وإن كان مشوبًا بالتعاسة، الذي انطبع على سنواته الأخيرة.
ماذا لو كنت ابنًا لفنان شهير
يتجلّين فى صورة همسات تُلقى فى آذان من يستدعيهن
من التراجيديا إلى الإبادة: «أدب غزة» يولد من رحم الأدب الفلسطينى





