لاسلو كرسناهوركاى: أعتبر كل كتبى فاشلة

فى حوار طويل بعد فوزه بنوبل

لاسلو كرسناهوركاى
لاسلو كرسناهوركاى


حوار: ميرڤ إيمرا
ترجمة: أسماء يس

فى كل عام، خلال حفل توزيع جوائز نوبل فى ستكهولم، يلقى الفائزون خطابًا موجزًا ورسميًّا؛ وعادة ما يشكرون الأكاديمية السويدية ويتلمسون بعض الأمل فى مستقبل البشرية. أما الفائز بجائزة نوبل فى الأدب لعام 2025، الروائى المجرى لاسلو كراسناهوركاى، فلم يتطرق إلى مستقبل البشرية، بل وجه شكره إلى ماضيها: إلى فنانى الإغريق الكلاسيكيين؛ وإلى عصر النهضة الإيطالية؛ وإلى مدينة كيوتو؛ وإلى فيودور دوستويڤسكى، وويليام فوكنر، ويوهان سيباستيان باخ، «لإلهامهم الإلهى». وشكر أصدقاءه، الذين رحل الكثير منهم عن عالمنا، لتأثيرهم الشخصى عليه «أشكر صديقى يوسكا بالنيك، الذى أخبرنى وهو على السلمة الثانية من حمام السباحة فى عام 1960، كيف يولد الأطفال، وتحت وطأة هذا الاكتشاف المحزن، تمنيت الموت».

لن يفاجئ هذا الخطاب أى شخص قرأ روايات كراسنوهوركاى، فموضوعاته عميقة، والأماكن التى تدور فيها أحداثه عديدة ومتشعبة، وخياله سوداوى، لكنه مرح جدًا. وشخصياته إما مجانين أو أصحاب رؤى -وقد يصعب التمييز بينهما- أثقلتهم قناعاتهم بمفهوم مقدس للجمال والسمو فى عالم قاس وجاف. وقد وجدت كل رواية مترجمها المثالى إلى الإنجليزية. تدين روايات كراسنوهوركاى الأولى «ساتان تانجو»، و«كآبة المقاومة»، و«الحرب والحرب» بعظمتها الكئيبة للشاعر البريطانى المجرى چورچ سيرتيس، بينما تدين رواياته القصيرة «مطاردة هوميروس»، و«أعمال حفر القصر»، و«هيرمان»، وهى روايات إثارة مكثفة، تدور فى أجواء من جنون الارتياب، لكاتب القصة القصيرة چون باتكى. أما فى الآونة الأخيرة، فقد أضفى الأسلوب السلس والعفوى للمترجمة أوتيليه مولزت حيوية على روايات «سييوبو هناك فى الأسفل»، و«جبل إلى الشمال، وبحيرة إلى الجنوب، ودروب إلى الغرب، ونهر إلى الشرق»، و«عودة البارون فينكهايم إلى الوطن»، و«هيرشت 07769». وهذه الأعمال تمثل تحولاً فى كتابة كراسناهوركاى الأخيرة نحو ما وصفه هو نفسه بـ «الاعترافية المتفجرة»، وهو أسلوب يحاكى طريقته فى الكلام ويتحدى الصياغات المحكمة أو القواعد النحوية الدقيقة.
فى مارس، أجريت مقابلة مع كراسناهوركاى بمهرجان أثينا الدولى للأدب. وفى الليلة السابقة للحوار، تعشينا فى مطعم أسفل الأكروبوليس، ثم فى الصباح التالى، حضرنا حفل استقبال أقيم على شرفه فى مبنى البلدية، حيث استقبله رئيس البلدية، ووالده (الذى كان يحمل نسخته من «هيرشت 07769»)، ومجموعة من الموظفين، ومعهم جرو رئيس البلدية مفرط النشاط؛ بيريكليس. وقد ذكرنى ذلك بمسرحية «عودة البارون فينكهايم»، حيث ينتظر سكان بلدة مجرية متداعية عودة منقذهم المنتظر، الأرستقراطى المحلى الذى يستقبلونه بحفاوة مبالغ فيها. ولكن بينما يتسم البارون بالخجل والارتباك، يتميز كراسناهوركاى بالصراحة والجاذبية والرقى. 
طوال عطلة نهاية الأسبوع، تكلمنا عن قصص حب كافكا، والمؤلفين الموسيقيين المجريين، وصوت العود، والمعابد اليابانية، ومتاجر السيجار فى نيو إنجلاند. وقبل أن نصعد إلى المسرح، رأى بقعة بيضاء على بنطلونى الأسود، فالتفت إلى الرجل الذى بجانبى وقال: «بعد إذنك يا توماس»، ثم ركع لينظف طرف البنطلون.
وهذا الحوار مختصر ومنقح، وترجمت مولزت إجابات كراسناهوركاى عن اللغة المجرية.
تأثرت جدًا بخطابك فى حفل جائزة نوبل، وخصوصًا عندما ذكرت أخاك الأكبر، وشكرته على حمله لك على كتفيه دائمًا فى طفولتكما، لأنه علمك «أن هناك طريقة أخرى للنظر إلى العالم». ماذا كنت ترى هناك؟
فى البداية لم أكن أرى شيئًا. وكان أخى الأكبر يغضب منى، لأن شيئًا ما يتسرب من سروالى الصغير إلى كتفيه. وطبعًا لم يكن يستسيغ ذلك، فيهزنى غاضبًا، ولم أكن أستطيع رؤية العالم بوضوح. الآن وقد كبرنا، سألته عن مدى سوء ذاك الوضع بالنسبة له. فقال: «ما زلت أشعر به». لكنى من تلك اللحظة أدركت أن العالم كان فى حركة دائمة. ومن حينها سعيت جاهدًا للحفاظ على هذه السرعة فى كل ما أفعله. وهذه السرعة هى التى حددت أسلوبى فى تأليف الموسيقى فى صغرى، ولاحقًا، أسلوبى فى كتابة الجمل. وربما فى هذا تفسير لماذا أصبحت جادًا بعض الشىء.
تتميز جملك بسرعة فائقة؛ فهى طويلة، معقدة، ذات أنماط متكررة مثيرة، ويمكن أن تمتد على مدى رواية كاملة، مثلما فى رواية «هيرشت 07769». لكنها لم تكن دائمًا على هذا النحو. لقد تغير أسلوبك: أولاً وبشكل جذرى، بين روايتى «كآبة المقاومة» و«الحرب والحرب»، حيث كل فصل قصير مبنى على جملة واحدة، غالبًا ما تقتصر على حدث واحد، أو مكان واحد، أو وجهة نظر شخصية واحدة؛ ثم مرة أخرى، بين روايتى «الحرب والحرب» و«عودة البارون فينكهايم»، المقسمة إلى حلقات أطول، كل منها يتكون من جملة واحدة تجمع بين أحداث ووجهات نظر متعددة، وتتحرك بحرية عبر الزمان والمكان، فكيف أثر إحساسك بالسرعة على طريقة صياغتك للجمل؟
أعتقد أن هذا يعود إلى ازدياد قربى من اللغة العامية- المحكية. مثلاً، عندما يريد أحدهم قول شىء بالغ الأهمية، لنفترض أن رجلاً يريد أن يقول لامرأة، أو امرأة تريد أن تقول لرجل: «أحبك منذ سبعة عشر عامًا، ولم أعد أحتمل، علىَّ أن أخبرك، لأن الأمور لا يمكن أن تستمر هكذا»، فاصلة، فاصلة، فاصلة، من المستحيل اختصار اعتراف جارح كهذا، من الكلام الحى إلى جمل قصيرة منمقة. هذا النوع من المشكلات هو ما حدد علاقتى بالسرعة. وبالنسبة لى، السرعة المنتقاة بعناية هى ما يحدد طابع العمل النثرى. بالطبع، لا أقصد السرعة بالمعنى المادى للكلمة، بل بالمعنى المجازى البحت، مع أنها قد ترتبط أيضًا بالمفهوم المادى للسرعة. لا شك أننى فى أول كتابين أو ثلاثة لى، لم أشعر بهذا الالتزام باستخدام لغة حية كتلك التى تشبه الاعترافات. بالنسبة لى، صار الوضع أكثر جدية، لأننى لم أكن راضيًا عن الكتب التى أنشرها. ربما يبدو هذا غريبًا، لكننى عمليًّا أعتبر كل كتبى فاشلة، ولولا سلسلة الإخفاقات تلك، لأنهيت مسيرتى بعد كتابى الأول. ليس للكتاب المقدس جزء ثانٍ، أليس كذلك؟ ثم حين بلغت منتصف العمر، وفى أثناء عملى على «سييوبو هناك فى الأسفل»، رغبت بشدة فى قول شىء مهم. أردت أن أقول شيئًا مهمًا عن عجزى عن قول أى شىء مهم، لأننى كنت أعانى من مشكلات جمة مع مفهوم الأهمية، بل وحتى مع مفهوم التعبير. لكن لم تكن لدىَّ أى مشكلة مع هذا الخطاب الاعترافى. كنت ألتقط خيطًا من الأحداث التى تدور فى خلفية حياتى، ثم ينفجر فجأة فى ذهنى، فأنطلق منه. فى البداية، كانت الجمل حبيسة رأسى، فأظل أذرع الغرفة التى أعيش فيها جيئة وذهابًا، ثم فجأة، أجد نفسى أمام ما يقارب خمس عشرة أو عشرين صفحة على ورق بحجم A4، وقد صححت جميع الأخطاء فى الإيقاعات والنغمات والوتيرة، كأننى حالم متحمس مثل [فريدريش] هولدرلين أو هاينريش ڤون كلايست. خلال تلك الفترة، لم يكن من السهل العيش معى، لأننى لم أكن أستطيع التركيز على أى شىء آخر. كان هدفى أن أجسد شخصيات كتبى، التى لم تكن موجودة بعد، فى الواقع بطريقة تجعلها باقية فيه. مثلاً، لم يعد الأمير ميشكين اليوم بطل إحدى روايات دوستويڤسكى، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من واقعنا. لقد كتب دوستويڤسكى الأمير ميشكين بقوة هائلة جعلته جزءًا من الواقع كما نعرفه، وقد طمحت أنا كذلك إلى شىء مماثل.
قلت إنك غير راضٍ لأن كل ما كتبته كان فاشلاً. كيف توصلت إلى هذا الحكم؟ ما الذى شعرت أنك لم تتقنه؟
أنا لست من هواة قراءة كتبى. لن أعيد قراءة أى منها بمزاجى. لكن كان لى صديق، هو بيلا تار، الذى أخرج أفلامًا مستوحيًا أعمالى، وعملنا معًا على هذه الأفلام، وكان علىَّ أن أقرأ نصوصى بصوت عالٍ لأكتب سيناريو لبيلا، وهذا صعب جدًا، لأننى كنت أخشى أن يتكرر الأمر نفسه، وقد تكرر بالفعل دائمًا، كنت أبدأ القراءة، وفجأة أرى خطأ فادحًا فى الإيقاع، أو الرتم، أو المضمون، أو خللاً فى الشكل، طيب، لا بد أننى ارتكبت خطأً، لكنه بالنسبة لى ليس مجرد خطأ واحد، بل يفسد العمل بأكمله. وهذا يزعجنى كثيرًا لدرجة أننى أحاول تداركه فى الكتاب التالى. حياتى كلها ما هى إلا محاولة للتعويض، لكننى لا أحقق نجاحًا يذكر. وربما هذا السعى للكمال ليس حقيقيًّا، فأنا أحب الأخطاء عمومًا، باستثناء ما ارتكبته فى أثناء عملى مع بيلا. عندك مثلاً الفن اليابانى. فمحبو الفن اليابانى لا يملون من الثناء على سعيه للكمال، ومع ذلك، فلا يعتبر الفن اليابانى سعيًا للكمال، لأنه لا يحبذ السيمترية. فعند تجهيز أماكن تناول الطعام، أو فى حديقة حجرية فى دير بوذى، لا يوجد مبدأ حاكم للسيمترية المركزية أو التناسب، بل ثمة ولع بالخطأ. فى فنون الخزف اليابانى، مثلاً، ومن أوائل عصر ميجى، القطعة التى بها عيب جوهرى لها قيمة عظيمة، لأن العيب يجعلها أكثر تميزًا. وأنا كذلك فى كل شىء آخر، باستثناء كتبى.
انبثقت كل رواية إذن من هوسك بإتقان أسلوبك النثرى. وشخصياتك أيضًا مهووسة؛ إنهم رجال يسعون إلى لقاءات مقدسة مع أشياء نادرة وجميلة: مخطوطة، حديقة، هيكل عظمى لحوت، موسيقى باخ، كتب مكتبة نيويورك العامة، الأكروبوليس. يكاد لا أحد يفهم هؤلاء الرجال أو يتعاطف معهم. غالبًا ما يدمرون، أو يشوه بعضهم، ويموت بعضهم عندما يدركون، كما تقول إحدى الشخصيات، أن «العالم الأسمى قد اختفى من عالم البشر». فما ثمن الهوس بالجمال فى عالم البشر، عالم البربرية، حيث لا شىء مقدس؟
كل ما هو جميل -سواء طبيعى أو من صنع الإنسان، أو من خلق الله أو من صنع الحياة نفسها- موجود فى عالم لا ينتهك، ولا يتغير أبدًا، نحن فقط من نتغير، علاقتنا بهذا العالم فقط هى التى تتغير، وفرصنا فى التواصل معه تتغير. فى عصر النهضة، تحسنت فرصنا، أما الآن، فى عصرنا الحديث، فقد تلاشت فرصنا فى إظهار هذا الجمال كاملاً، وفى التفاعل معه، وفى أن يحتضن أرواحنا. وفى كتبى، أصبح هذا أحد أهم المواضيع بالنسبة لى. أسقطت هذه المعضلة على شخصياتى، لأروى كيف كانوا يواجهون هذا السؤال، وكيف انتهى بهم المطاف بالفشل. وهناك سمة شخصية واحدة فى كتبى: أسقط إخفاقاتى على شخصية أو أخرى فى رواياتى، لتكون هى من تعانى، لأنى لا أريد أن أعانى بعد الآن.
هل نحن فى أدنى مستويات علاقتنا بالجمال، وفى أعلى مستويات معاناتنا؟
مرت البشرية بعصور عديدة، وأنا هنا أتكلم عن الحضارة الأوروبية فقط. من وجهة نظر الثقافة الأوروبية، سادت هنا فى حوض البحر المتوسط ثقافة عملية اعتبرت الوجود الإلهى بديهيًّا، ولم يكن تقديم القرابين فى المعابد للتأثير على الآلهة أمرًا يثير أى إشكال. وهذه العلاقة جعلت حياة الناس فى العصور القديمة خالية من الإشكاليات فيما يتعلق بالفصل بين المتعالى والواقع. ثم ظهرت المسيحية فى الثقافة الأوروبية، وهى ديانة حققت اكتشافًا مذهلاً، ألا وهو أن السبب الرئيسى لكل شىء -البشر، والحيوانات، والطبيعة، والخصوبة، وعالم الجمادات، والكون- يمكن تركيزه فى نقطة واحدة. وقد جعل هذا الاكتشاف الجميع يشعرون بالسكينة، ويدخلون مباشرة فى فضاء لم يعد فيه حد فاصل بين الإلهى والواقع البشرى. وفيما يتعلق بالطبيعة البشرية، أصبح السؤال الجوهرى هو كيف يمكن توزيع هذا الاعتراف فى جميع أنحاء مجتمع بعينه، سواء فى أوروبا أو فى الشرق الأدنى. بالطبع، لم يكن الوضع مثاليًّا قط، ولم يكن ذلك يعنى، مثلما فى الحواديت الخرافية، أن الجميع يستطيعون الدخول فى علاقة مثالية مع الإله متى شاؤوا. لقد وفر الله سطحًا لظاهرة الجمال، وكان هذا السطح هو المظهر الخارجى للشىء، أى شكله الممنوح له. بتعبير عمومى، يمكننى القول إنه كان كيانًا يمكن الإحاطة به. ثم جاء عصر النهضة، الذى كان عمليًّا للغاية أيضًا، ووفر إمكانات أكبر بكثير للشخص المتعلم، بالابتعاد قليلاً عن العلاقة الصوفية أو المتعالية، للوصول إلى جمال إنسانى محض؛ جمال من صنع الإنسان. وبعد عصر الباروك، بدأت المشكلات واستمرت فى الظهور. عالم مجرد ليس من الله، بل من الإلهى، وكان هذا بالتأكيد إشكاليًّا للبشرية. وكان بإمكان المرء الاستمتاع به، لأن العالم موجود حتى دون الله، ونحن البشر قادرون على بناء ما نشاء… لأننا، مممم، أين نحن الآن؟ 
نحن نعيش فى حضارة تقنية فقدت سحرها..
ولكن هذه الحضارة التقنية الحالية، رغم كل مشكلاتها الجسيمة، تبدو ودودة بشكل مذهل، لأنها تبدو بلا حدود تقريبًا. ولأن الإنسان خطير، فإن الحضارة التقنية التى بناها خطيرة أيضًا. لكن علاقتنا بهذا الحد قد تغيرت جذريًّا. فمثلاً منذ عصر التنوير، لم يعد الإنسان المعاصر بحاجة إلى هذه العلاقة بالحدود. مايكل أنچلو أصبح الآن مجرد مغناطيس يوضع على الثلاجة، أو صورة ألتقطها وأنا أقف أمام تمثال صنعه. لكنه لا يزال جميلاً. أشياء أخرى لا تزال جميلة. لوحة «الموناليزا» جميلة، وذلك المعبد المهيب القريب من مكاننا جميل. كل الأشياء جميلة؛ المهم أننى لا أستطيع أن أجربها. كم عدد سكان الأرض الآن؟ ربما ثمانية مليارات، لو سألنا خمسة مليارات سائح عما إذا كانوا يعرفون شيئًا عن الأكروبوليس، أعتقد أن كل مَن فى هذه القاعة سيشعر بحزن شديد. نعم، رأيت الأكروبوليس، وكان غاية فى الجمال، ولكن لنفترض أن الشمس كانت ساطعة جدًا ذلك اليوم، ولم أرَ منه شيئًا يُذكر لأننى نسيت نظارتى الشمسية. يمكننا أن نسمى هذا تدهورًا، ولكن يمكننا أيضًا وصفه بشىء آخر: أن متطلبات الإنسان الحديث، وما بعد الحداثى، وما بعد ما بعد الحداثى قد تغيرت. هذا الإنسان يطالب بحياة الأولوية القصوى فيها للمتعة. وهذا موقف مريح للغاية بالنسبة لكائن مثل الإنسان. ربما يتصور أن هذه ليست عملية سلبية، والمهم هو الجمال الذى أبدعه مايكل أنچلو، أو الجمال الذى شيده العبقرى أو العباقرة الذين بنوا الأكروبوليس. لكن من المرجح أن يقل عدد ممن يشعرون بهذا، لقد تغيرت علاقتنا بالماضى جذريًّا، ونصفها تقريبًا يساء فهمه. والثقافة اليوم، فى ظل ازدهار الشعبوية الأوروبية، ليست سوى ايديولوچية يمينية أو يمينية متطرفة سخيفة، تعلى من شأن التقاليد، إذ تعتبر الثقافة نبيلة، وتجعلنى نبيلاً، وكل مَن يرفض هذا يصبح عدوى. تنشأ علاقة عاطفية من نوع ما، لكنها علاقة سلبية تمامًا. وأنا سعيد جدًا بتقدمى فى السن، لأنى فعلاً أشعر بالأسف على الشباب. يمكننى أن أرثى عصرًا ثقافيًّا، وربما لا يمثل هذا عصرًا بالمعنى المتعارف عليه، ليس كما مثلت حضارة الباروك أو الرومان أو الإغريق القدماء عصرًا، بل إن مجمل الحضارة الإنسانية حتى الآن يمثل حقبة واحدة، وقد انتهت، وإن كانت قد انتهت حقًا، فأنا سعيد جدًا بالتحسر عليها.
ربما لا ينبغى أن تشعر بالشفقة على الشباب، لأن رواياتك تجسد علاقة مختلفة بالجمال والتاريخ. المشهد الذى وصفته للتو، لرجل يزور الأكروبوليس فى يوم حار صافٍ لكنه لا يستطيع رؤيته لأنه نسى نظارته الشمسية، مأخوذ من قصة «سييوبو هناك فى الأسفل». فى هذه القصة، يتعثر الرجل، وقد أعماه ضوء الشمس، محاطًا بسياح غير مدركين. وأظن أن المفارقة هى أن تجربة الأكروبوليس قد تحولت إلى سلعة لدرجة أنه لا يكاد يهم إن رآها الرجل أم لا. مع ذلك، فعجزه عن التواصل مع الجمال يذكرنا بنقيضه: ثقافة كانت تدرك الجمال يومًا باعتباره ساميًا. لقد شعرت بكآبة شديدة وأنا أقرأ «سييوبو هناك فى الأسفل»، لكننى شعرت أيضًا بشىء من الريبة، أو ربما مجرد أمل، فى إمكانية وجود علاقة جديدة مع الفن.
لقد اكتشف الرومانسيون تلك الكآبة، وكانت فى صورتها الأكثر فظاظة تعادل اليأس. والعصر الرومانسى هو ما جلب لنا ذلك الشكل التعبيرى الذى أعانى منه بشدة. إنها إشارة بالغة الأهمية تدل على أننا نواجه مشكلة كبرى فى ما يتعلق بعلاقتنا بالفن التى كانت بديهية سابقًا: علاقة تربطنا بالله، أو بالألوهية، أو ربما بعظمة الإبداع البشرى، وهذا فارق جوهرى جدًا.
من المحتمل أن يكون هذا هو الوضع الجديد للعالم، وأننا فى بدايته تقريبًا، لا فى نهاية سابقه. ولعل من الأنسب ألا نجبر الأجيال الشابة على مشاركتنا الحزن على عظمة الشاعر دانتى، أو على روعة الكاتب يوريبيدس. إذ سيضطرون لتحملنا ونحن نندب غياب مايكل أنچلو وباخ ودانتى، ولن يكون هناك من يكتب أعمالاً كهذه، وويل لنا.
أرى أن هذا غير مقبول، فأول ما يخطر ببال المرء عند شعوره بالضياع والضعف هو البحث عن شكل يحرره من هذا الضياع، وعندها تبدأ هذه الآيديولوچيات السياسية فى الظهور بسهولة، دون أى أساس فلسفى جاد، أو حتى دون أى أساس فلسفى على الإطلاق. وعندما يفقد الإنسان إحساسه بهويته، تبرز الحاجة إلى ما يسمى بالهوية الوطنية وأفكار مماثلة فى سخافتها. والتمسك بالتقاليد، أو بالأحرى التشبث بها، هو بحد ذاته توجه سياسى. لندعها تظل كذلك، أو الأفضل من ذلك، لنبعدها تمامًا عن الساحة السياسية، لأنها لن تؤدى إلا إلى مشكلات جسيمة. عندما كنت صغيرًا وأفكر فى المستقبل، استنتجت تلقائيًّا أن العالم غير مقبول، والحل الوحيد الممكن هو التمرد عليه. وهناك مقولة أود تعديلها قليلاً، أو إضافة تفسيرى الخاص إليها: الشاب الذى لا يتمرد ليس لديه قلب، والشيخ الذى يتمرد مثير للسخرية. ومع أننى لا أعتبر وجهة النظر التى أتبناها مثيرة للسخرية، فإنها تعنى أن على المرء أن يتمرد من أجل أفكار أوضح، وعلينا بطريقة ما أن نستعيد تعريفات الأشياء، وأن نحدد من جديد معنى التطور، وما هو الله، وما إلى ذلك. وإذا لم ننظر إلى هذه المفاهيم من جديد ومن منظور مختلف، فلن يكون لدينا فرصة تذكر، لأننا أينما انتهى بنا المطاف سنظل نتحرك فى مكاننا، ولن نتحرك إلا بقدر ما تتحرك الأرض معنا. إذ تبدأ السرعة عندما نقوم ولو بحركة صغيرة، لأننا حتى بهذه الحركة الصغيرة، نكتسب سرعة أكبر من سرعة الأرض، إذا انطلقنا فى الاتجاه الصحيح، وإذا فعلنا ذلك، فسنتمكن من توضيح هذه المفاهيم مرة أخرى. ربما لن تكون هذه فترة سعيدة أو هادئة فى الفكر البشرى، لأننا قد نصل إلى استنتاجات معينة لا تساعدنا على فهم واقعنا بشكل أفضل، لكن ليس علينا أن نقول للشباب: «إن لم توافقونى الرأى، فأنتم حمقى»... لننتظر قليلاً، ونتحلى بالصبر.
تختتم خطابك فى تسلم جائزة نوبل، بعنوان «كفى حديثًا عن الملائكة»، بدعوة مماثلة للتمرد، ودور قد يلعبه مفهوم جديد للملائكة فى تحقيقها. وقلت فى الخطاب إنك لن تتحدث عن ملائكة الماضى، رسل السماء الذين مجدهم مايكل أنچلو وچيوتو، لأن السماء اليوم أصبحت مستعمرة من قِبل رجال مثل إيلون ماسك. ستتحدث فقط عن ملائكة جدد يسيرون بيننا، ليس لديهم رسالة يوجهونها ولا رسالة يتلقونها، ولا يمثلون سوى فرصة لنشهد ظلم العالم، وقسوته، وعدم رحمته تجاه العزّل. تتخيل أن اللقاء مع هؤلاء الملائكة الجدد قد يشعل يومًا ما نوعًا من التمرد، الذى تسميه تمردًا «على الكل»... ما التمرد على الكل؟ وكيف يختلف عن التمرد على الجزء؟
كانت الملائكة قديمًا تحمل بشارة دائمًا -فقد ألقت على مريم تحيتها الملائكية [السلام عليك يا مريم]- لكن الناس اليوم لم يعودوا بحاجة إلى هؤلاء الملائكة، لذلك هلكوا، ولذلك لا تزال هذه الملائكة الجديدة بيننا، ولكن بصورة مختلفة تمامًا، ومن ثَم بهدف مختلف تمامًا، مع أنها تشبهنا. وقد يصادف أى منكم أحدها، سواء هنا فى أثينا أو فى أى مكان آخر. إذا وقف أمامكم شخص ما، رجلاً كان أو امرأة، طفلاً أو مسنًا أو ناضجًا، أو أيًّا كان شكله، ويبدو أنه يريد حقًا أن يقول شيئًا، وتظنون أن هذا الشخص قد تكون لديه نوايا سيئة، أو أنه مجنون، أو أيًّا ما كان، فهذا الكائن ينتظر منكم ببساطة أن ترسلوا له رسالة. هذا الشخص يحتاج إلى الرسالة الآن، وينتظرها منا، مع أننى أعتقد أنه سينتظر عبثًا. والتمرد على الجزء واضح المعنى. ففى وضع لا يطاق، يصبح الاستمرار فى تحمل ظروف معينة مستحيلاً. ونتحدث هنا عن أمر ملموس؛ كظلم معين، أو تسريح عمال فى مصنع، أو نظام تقاعد سيئ، ونحو ذلك. أما التمرد على الكل فيولد اليأس، إذ يشعر الإنسان حينها أن شيئًا ما يعوق استمراره. ويشبه هذا حال القابع فى ظلام دامس، لا يرى شيئًا، فيشعر بالخوف والرعشة والتخبط. تخيل ظلامًا دامسًا، حيث يبحث المرء عن بصيص نور، لأنه ببساطة يحاول التمرد على الظلام بالتغلب على يأسه، وهكذا يتمرد عقله بالكامل؛ أى عندما يعجز عن تحمل ذاته، فيرى ليس فقط أن الحياة البشرية فى وضع معين غير مقبولة، وإنما العالم بأسره والحضارة الإنسانية والوضع الإنسانى برمته، ويحاول بطريقة ما أن ينأى بنفسه عن كل ذلك. وأنا لا أتمنى أن يمر أى منكم بهذا… لا أتمنى ذلك لكم، ولا لنفسى.