الأمن الإقليمي العربي في زمن التحولات الكبرى  «1»

الكاتب الصحفي حاتم نعام
الكاتب الصحفي حاتم نعام


لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه اليقين متى ستنتهي الحرب الإيرانية «الأمريكية الإسرائيلية» أو ما ستكون نتيجتها النهائية وكل ما يقال أو يطرح هو تقديرات مهمة لكنها ليست حقائق مؤكدة لكن ما كشفته هذه الحرب أن الأمن الإقليمي العربي ليس معزولا عن الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية.

فقد أعادت المواجهات العسكرية والتوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة  طرح قضية الأمن الإقليمي باعتبارها إحدى أهم القضايا الاستراتيجية التي تواجه المنطقة العربية، فقد أثبتت الأحداث أن أي صراع بين القوى الإقليمية والدولية لا يبقى محصورا  بين أطرافه المباشرين، بل تمتد آثاره إلى مختلف دول المنطقة من خلال تهديد أمن الحدود، وتعطيل حركة التجارة والطاقة، وزيادة المخاطر الاقتصادية والإنسانية.

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: الصف العربي أقوى من صوت عابر

لقد كشفت الأزمة الأخيرة أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مترابطة أمنيا بصورة تجعل استقرار أي دولة مرتبطا باستقرار جيرانها، فالتوترات العسكرية أدت إلى مخاوف واسعة بشأن أمن الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة النفط والطاقة العالمية، كما انعكس التصعيد على أسواق المال والطاقة، وأثار مخاوف من اتساع نطاق الصراع ليشمل دولا أخرى في المنطقة.

وتبرز أهمية الأمن الإقليمي في كونه إطارا للتعاون الجماعي بين الدول من أجل مواجهة التهديدات المشتركة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سيبرانية أو بيئية. 

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: أطفالنا بين الحقوق والحماية في البيئة الرقمية 

فالتحديات الحالية لم تعد تقتصر على الحروب التقليدية، بل تشمل أيضا الهجمات على البنية التحتية، وأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن بعض الدول العربية وجدت نفسها متأثرة بالصراع رغم عدم مشاركتها المباشرة فيه، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى آليات إقليمية أكثر فاعلية لمنع انتقال الأزمات عبر الحدود.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة أمن إقليمي عربية وإقليمية أصبح ضرورة استراتيجية لا خيارا سياسيا مؤقتا، ويتطلب ذلك تعزيز الحوار الدبلوماسي، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الأمنية، وتنسيق الجهود لحماية المصالح المشتركة.

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: حرب غزة.. توقفت في الميدان واشتعلت في الذاكرة

كما ينبغي دعم الحلول السياسية للنزاعات بدلا من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، لأن التجارب أثبتت أن الحروب قد تحقق مكاسب مؤقتة لكنها غالبا ما تترك آثارا طويلة الأمد على الاستقرار والتنمية.
كذلك يرتبط الأمن الإقليمي ارتباطا وثيقا بالتنمية الاقتصادية. فالمستثمرون والأسواق العالمية يبحثون عن بيئة مستقرة، بينما تؤدي الصراعات إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وإلى تباطؤ النمو الاقتصادي. وقد أظهرت التقارير الدولية أن استمرار التوترات في الخليج والممرات البحرية الحيوية ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي والإقليمي على حد سواء.

والتطورات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أكدت أن أمن المنطقة العربية لا يمكن ضمانه من خلال السياسات الفردية فقط، بل عبر رؤية جماعية تقوم على التعاون والحوار واحترام سيادة الدول وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. فكلما نجحت دول المنطقة في بناء منظومة أمن إقليمي متماسكة، ازدادت قدرتها على مواجهة الأزمات وحماية مصالح شعوبها وتحقيق التنمية والاستقرار المستدام. 

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: أبناء الحروب والأزمات

ويمكن استخلاص عددا من الدروس المستفادة من التطورات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل والصرعات في المنطقة بشكل عام، منها:

 إن الأزمات الإقليمية تؤكد أن العمل الجماعي والتنسيق بين الدول العربية أكثر فاعلية من التحركات الفردية في حماية المصالح المشتركة.  ومن هنا تأتي أهمية الأمن الجماعي العربي

 وبما أن التصعيد العسكري يزيد من المخاطر والتكاليف،  ستظل المفاوضات والحلول السياسية الوسيلة الأكثر استدامة لتسوية النزاعات. فالأولوية هنا لتغليب الحوار والدبلوماسية

كما أن قوة الدول في مواجهة الأزمات الخارجية ترتبط بمتانة جبهتها الداخلية واستقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهو ما يعزز الاستقرار الداخلي

واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها هوالأساس لبناء الثقة والتعاون الإقليمي وتقليل بؤر التوتر.

والتحديات الأمنية العابرة للحدود تتطلب آليات مشتركة للتشاور وإدارة الأزمات والتعاون الأمني. لبناء منظومة أمن إقليمي متكاملة

ولأنه لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون بيئة آمنة ومستقرة، وأن التنمية نفسها تسهم في الحد من أسباب الصراعات. فلابد من الترابط بين الأمن والتنمية

اقرأ أيضًا| حاتم نعام يكتب: الكلاب الضالة وإدارة الأزمة

والاستعداد للتغيرات الدولية والإقليمية بسبب سرعة التحولات الجيوسياسية التي تستدعي تعزيز القدرات الاستراتيجية للدول العربية وتطوير رؤى مشتركة للتعامل مع الأزمات المستقبلية.

في النهاية  أن استقرار المنطقة وأمنها لا يتحققان بالقوة أو بالتحركات المنفردة، بل عبر التعاون الإقليمي والحوار وبناء الثقة وتغليب المصالح المشتركة على الخلافات.