الناقدة إيمان كامل تكتب:«كوم النور».. سيرة بطل أم حلم أمة؟

د.ريم بسيونى
د.ريم بسيونى


حتى تكتمل الدائرة لابد من أن يعثر الصوت على صداه، ويتعرف المغرد على أثره فيمن حوله، ويستشعر المبدعون نتيجة ما يسطرون، وهذه النافذة تحاول أن تكون طاقة على الأثر والنتيجة، وعبر السطور التالية تقدم الناقدة إيمان كامل الباحثة بقسم النقد فى أكاديمية الفنون رؤية متعمقة وقراءة مكثفة فى رواية « كوم النور .. عباس حلمى الثانى « الصادرة عن دار نهضة مصر للنشر.

ليس كل ما يمحى من التاريخ يختفي.
بعضه فقط يغير مكانه من الكتب إلى الذاكرة.
تبدو رواية «كوم النور» للكاتبة ريم بسيونى فى ظاهرها امتدادا لمشروعها فى استعادة التاريخ المصرى عبر السرد الروائى، حيث تتخذ من شخصية عباس حلمى الثانى محورا لحكاية تمتد عبر عقود مضطربة غير أن هذه القراءة رغم وجاهتها تبقى محدودة إذا ما اكتفينا باعتبار الرواية سيرة «حاكم وطني» فى مواجهة الاحتلال.
فى مستوى أعمق لا تعيد الرواية سرد التاريخ بل تعيد مساءلته وتحديدا مساءلة مفهوم «البطل».
تروى حكاية عباس على لسان راو من رواة السير الشعبية على غرار من ينشدون سير عنترة وأبى زيد الهلالى والزير سالم. هذه البداية ليست مجرد إطار حكائى بل إعلان ضمنى عن طبيعة النص: ما نقرؤه ليس تاريخا رسميا بل حكاية تروى. وهنا يتحول عباس من شخصية تاريخية إلى بطل سيرة ملحمية تعاد صياغته وفق ما استقر فى وجدان الناس لا وفق ما حفظته الوثائق.
بهذا المعنى تقوم الرواية بحركة مزدوجة: تفكك السردية الرسمية التى همشت عباس وتعيد إدخاله فى فضاء الذاكرة الشعبية حيث يعاد تخليده.
غير أن المفارقة الأهم أن عباس بوصفه بطلا لا يواجه جيوشا بقدر ما يواجه أحلاما. فهو حفيد مشروع لم يكتمل وابن تجربة مهزومة وأمل حركة وطنية تبحث عن رمز وأداة محتملة فى يد سلطة استعمارية. تحيط به أحلام الآخرين من كل اتجاه: حلم الجد، وتخاذل الأب، وتطلعات الأسرة، وطموحات الشعب، ورغبات القوى الاستعمارية، وحتى أحلام من اقتربوا منه على المستوى الشخصي.
الجميع رأى فى عباس حلما يمكن أن يتحقق عبره لكن السؤال الذى تطرحه الرواية بعمق: ماذا عن حلمه هو؟
لم يحلم عباس لنفسه بقدر ما حمل أحلام الآخرين، وسار بها مثقلًا، محاولًا إنقاذ ما لم يكن سببا فى انهياره. وهنا يتجلى كـ»بهلوان» يسير على حبل مشدود فى حالة دائمة من التأرجح لا بين النجاح والفشل بل بين أن يكون نفسه أو أن يكون ما يطلب منه أن يكونه. قوته لا تنبع من انتصاراته بل من إصراره على البقاء وفيا لحلم لم يعد يملك تحقيقه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما: أن الحلم لا ينتصر بالضرورة عبر صاحبه. فبينما يهزم عباس سياسيا ويمحى اسمه من السرديات الرسمية، ينتصر حلمه خارج حدود سلطته فى ذاكرة الناس، فى أغنية شعبية، وفى وجدان جماعى لم يحتفظ بالرجل بقدر ما احتفظ بما مثله.
«كوم النور» ليست رواية عن تحقيق الحلم، بل عن انتقاله. عن اللحظة التى يغادر فيها الحلم صاحبه ليصبح ملكا لمن آمنوا به أكثر منه. فالحلم هنا لا ينتهي، بل يستمر، متحولا إلى ذاكرة جمعية تعاد صياغتها عبر الزمن.
ورغم محاولات إقصاء عباس من التاريخ الرسمي، تكشف الرواية أن ما يمحى من الكتب يحفظ فى الحكايات. فالحاكم قد يعزل، وقد يهزم مشروعه، لكن البطل إذا دخل السيرة لا يموت.