إسكندريتي وَجْدٌ (وفقدان) بالمدينة الرخامية، البيضاء - الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائماً على وجهها المُزبَد المضيء. إسكندرية، يا إسكندرية، أنتِ لستِ، فقط، لؤلؤة العمر الصلبة في محارتها غير المنفوضة.
رخام متسايل يبض بعربدة اللحم الشبقي أعمدةً تميد بها الصخور، ويسندها ظلام القلب العنيد؛ كثافة العصائر الجسدية تنزّ من شرخ الحب العريق، وما زالت التيجان المرمرية المكللة بأغصان العنب الحجري تسقيها خمر الكروم المكنوزة أبداً لا تسيل، تواجه الأفق بصمت وتسائله بصمت؛ صروحاً تتحدى السنوات والحقب والدهور، ولا يعنو بها زلزال الإنكار.
تكسرت نفسي معكِ على سلم الرخام الأسود المستدير، وأنتِ تتعثرين في شباك الرفض، قوية الخيوط غير مرئية؛ ذراعكِ في يدي نحيلة غصناً مورقاً، رقيق العظام كما هي دائماً في حلمي، لم أكن قد قبضت عليها قط.
وعلى طول العمر جرأة التقارب بينها ليست غير مألوفة، الحلم هو الحقيقة الوحيدة في عرفاني، والحلم لم يحدث قط. قلتُ: دعني، دعني الآن. وجهكِ فاكهة مضرجة بدم الشجاعة، هل كان أيضاً دم الحلم الذي لم يُسفَك قط، سوائل الغضب المحسوبة الانسكاب تطيع بالحبوس، مرارتها لا تُطاق.
أصابعي وحدها من غير إرادتي، تزيح خصلة من الشعر عن تاج الجبهة الناصعة مسّ الشعر الخصيب واندفاق الدم في شرايين الشوق المفتوحة حتى الآن.
يدي ورقة شجر خفيفة النسيج أسقطتها أشباح الشتاء، منقبضة الأصابع على سماء مستغلقة أدحضها ولا تموت، في العتمة المحيقة ليس إلا نور يحيط برخام وجهكِ المكسور وجسدكِ القائم شامخاً ومليئاً رغم الاندحار. طقوس النكث وإقرار الإيمان مرة بعد مرة بلا انتهاء، كل صبح وكل مساء، وصورتكِ منحة وذبيحة.
عرشت أشواق عشقي في مدينتي العظمى الإسكندرية، الثغر المحروس، الميناء الذهبية، رؤيا ذي القرنين وصنيعة سوستراتوس المهندس العظيم، ولؤلؤة قُلبطرة الغانية الأبدية، المدينة الساطعة المرخمة لا تحتاج بالليل إلى نور لفرط بياض رخامها، أكاديمية أرشميدس وأراتوسنيس الفيلسوف والشاعرين أبولونيوس وقالبياخوس، مثوى الميوزات جميعاً وعاصمة القداسة والفجور معاً، أرض القديس مرقس والقديس أنانيوس وأصحاب الكنيسة البوقالبة أوريجانوس والأسقف ديونيزيوس والأنبا أثناسيوس الرسولي الواقف وحده مع الحق ضد كل العالم. مدينة البطاركة عمود الأرثوذكسية القويم، أكليل السبعين ألف شهيد الذين سوف يُبعثون إلى جانب المسيح، وجوههم بيضاء كاللبن والصاروفيم، يغنون في مكرمتهم ويُسبحون. رأس فاروس يلقي نوره من إليوسيس الحضرة إلى قانوب أبو قير، من الجومنازيوم ومعبد باسيدون إلى الامبريون والستاديون، من الهيبودروموس إلى معبد السيرا بيوم، من تل رانوتيس كوم الشقافة إلى السلسلة رأس لوقياس، من تل بانيون كوم الدكة وكامب شيزر إلى بتراى حجر النواتية، المرسى العظيم الشأن لا يضارعه إلا مرسى قاليقوط في بلاد الهند، تنبثق من قلبها المسلة الجسيمة التي ليس تحت قرار الأرض مثلها بنياناً ولا أوثق عقداً، أفرغ الرصاص في أوصالها، فهي مُؤصرّة لا ينفك التئامها، وعمود السواري المنحوت من رخام جبل إبريم الأحمر، تاجه منقوش مُحزّم بأحكم صنعة وأتقن وضع ليس له قرين، مدينة المراتع والمحارس والمدارس والمسارح والجنان، ذات العماد، ذات الأربعة آلاف حمام، الأربعة آلاف ملهى، كلها قمينة بالملوك الأربعة آلاف. يقال لا يبيعون إلا البقل الأخضر دعك من الآلاف الأخر. عروس البحر الدفاق من القلزم إلى بحر الزقاق، جامعة المزارات من سيدي المرسى أبي العباس وسيدي أبي الدردار إلى سيدي الشاطبي وسيدي جابر وسيدي كريم رضوان الله عليهم أجمعين. ذات الشوارع الفساح وعقائد البنيان الصحاح، جليلة المقدار، رائعة المغنى، شامخة الكبرياء. إسكندرية يا إسكندرية شمس طفولتي الشموس، وعطش صباي، ومعاشق الشباب.
قلتُ: أما زلتِ تحلمين بالديمومة بما هو أكثر من الخلود؟
قلتُ: ألا ترين أن هذا كله حلم سيئ وخيم العاقبة؟
قلتِ: لا.
الملائكة الرخامية من وراء أسرار الجبانات تحلق معي في الأفلاك العلوية صلبة وبيضاء، بأجنحتها المبسوطة الثابتة، ووجوهها الجميلة كأنها تبتسم لي أنا وحدي.
مقطع من كتاب «اسكندريتي»- كولاج روائى - 1994
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
كتابى .. شاعر أسود فى مدينة بيضاء
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى






