داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار

الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
الشخصية بوصفها وعاء الأفكار


نرمين دميس

من قرأ أعمال د. سامح الجباس الروائية، يعلم جيدا أنه كاتب صاحب مشروع أدبى واضح المعالم، حيث يستدعى شخصيات حقيقية أثارت الجدل فى عصرها، ويوظفها فى بناء روائى مختلف، كما فى روايتيه «رابطة كارهى سليم العشي» و«بوستة عزيز ضومط»، وأخيرا رواية «داروين طنطا»..
لا أظنه يهدف إلى توثيق سيرهم الذاتية، بقدر ما أراد إزالة الستار عن شخصيات كان لها دور ثقافى وتاريخي، لكن تم التعتيم عليها، فنجده يقول فى خلفية غلاف الرواية: «اتفقوا جميعا على تشويه اسمه وسيرته، حتى بعد أكثر من مائة سنة على وفاته، هذه هى القصة المخفية عن داروين طنطا».
 وإيمانا منه أيضا بأن الأفكار لا تموت، فهى قابلة دوما لإعادة النظر والتطوير، وربما الهدم والبناء من جديد.
عندما نطالع العنوان «داروين طنطا» نظن أنها رواية شخصية، ويقفز إلى أذهاننا على الفور داروين صاحب نظرية التطور، وما نسب إليه «أن الإنسان أصله قرد»، فأثار جدلا واسعا آنذاك، وربما حتى اليوم، ليبقى السؤال: ما علاقته بطنطا؟! لنتبين أننا بصدد التعرف على الطبيب والمفكر اللبنانى شبلى شميل، الذى انتقل إلى طنطا مؤمنا بفكر داروين، فنال نصيبه من الرفض.
وبالاسترسال فى القراءة نكتشف أنها رواية فكرية، حيث سلسلة من الأفكار والرؤى الفلسفية العميقة، ودعوة إلى التحرر وإعمال العقل، لكننى ركزت قراءتى على بناء الشخصية فهى وعاء الأفكار وصوتها، ولا بد أن تمتلك مقومات التعبير عن هذه الأفكار والدفاع عنها. لذا أردت الوقوف على إدارة الكاتب للنص الروائى بما يحمله من مقاصد عن طريق بنائه للشخصية، وكيفية العمل على نموها فى ذهن وخيال القارئ.
فبالنسبة للملامح الشكلية كان شبلى شميل قصير القامة، ممتلئا بعض الشيء، ذا شارب كث، وملامح جادة. نلاحظ من الوصف أنه غير جذاب شكلا، فكان فكره ومنطق حديثه هو عنصر الجذب وليس الشكل، فننصت إليه وإن اختلفنا معه، كما أن جدية الملامح تتناسب مع آرائه الجريئة.
أما عن أبعاد الشخصية الاجتماعية، فنشأته فى إحدى المدارس الداخلية ببيروت صنعت ذكريات شكلت فكره عن التعليم ودور المعلم، فقد عانى من قسوة وتعنت المشرف، كذلك مفهومه عن العقاب، فرفض أن ينحصر فى القتل والحبس والتعذيب بسبب موقف فى طفولته، عندما غضب ذات مرة، فما كان من الناظر إلا أن طلب منه ألا يرتب على غضبه عملا إلا بعد مرور أربع وعشرين ساعة، فأحس أن هذا الرد أشد من الضرب والطرد، يقول: «السجون قبور فى الحياة».
كما كان طبيبا صاحب مبدأ، يعالج مرضاه بالمجان، ومصدر رزقه جاء مما يكتب من مقالات علمية وطبية منشورة. وإذا تطرقنا إلى الأبعاد النفسية التى تعكس أفكاره ومشاعره، سنجد أن الكاتب منذ الفصل الأول المعنون بـ«كشكول طبيب»، عرفنا على بعض صفاته وفلسفته التى تمهد لمسلكه الفكرى والسلوكى بعد ذلك منها: أنه لا يميل إلى الأفكار التقليدية أو الحبيسة.. فوجدناه يؤكد أن العيش على الموروث دون إعمال العقل فيه هو سر التراجع الذى أصاب الشرق. لا يحب تسمية الأماكن بأسماء لها مرجعية دينية كالمدرسة القبطية أو الجمعية الإسلامية، فهو يكره التصنيف أيا كان. يكره اللجوء إلى الآخرين، فكان دائما يواجه منفردا دون حاجة لمن يقويه ويدعم موقفه. لا يحب أن يُفرض عليه شيء، فلم يرضخ أبدا للخيار الواحد حتى فى أبسط الأمور. موهوب فى الشعر لكن دون أن يطغى الأدب على العلم الذى يقدسه. استنكر ردود أفعال الناس تجاه الطب فى البلاد الشرقية، ولجوئهم إلى الخرافات مثل: الزار وقراءة الكف.
وقد ذكرنى ذلك بطبيب «قنديل أم هاشم» الذى واجه الجهل بالحيلة عندما أوهمهم أنه يعالج بزيت القنديل، بينما اختار «شبلي» الصدام والمواجهة، ولم يخفض رأسه للريح كما يقولون، فقناعته أن الصدمة توقظ الأفكار من نومها العميق، والحركة مهما كانت خير من السكون.
وأما عن الجانب الوجدانى وعلاقة «شبلي» بالمرأة، فعلى طول الرواية لم نشهد ظلالا رومانسية تربطه بإحداهن ولا حتى ذكرى من الماضي، لم يلجأ الكاتب لمثل تلك الحكايات التى تمنح القارئ وقفة يلتقط فيها أنفاسه وسط مثل هذا السرد العميق، لما فى ذلك من علاقة بطبيعة تفكير الشخصية، حيث كان لا ينجذب للنساء كسائر الرجال، يقول : «ربما أملك عقلا آخر فى صدرى بدلا من القلب».
 ليفاجأنا الكاتب بفصل معنون بـ«المرأة» يفسر الأمر بما يتوافق مع قناعاته العلمية كعهده دائما، حيث يخبرنا - من خلال مونولوج داخلى فى لقاء مع إحدى الجمعيات النسائية - أن (الغريزة الجنسية) أهم وأشهر الصفات المشتركة بين الإنسان والحيوان، ولأنه يؤمن أنه كإنسان تطور كثيرا عن الحيوان، وجب عليه أن يتجنب كل ما يعيده إلى الصفات الحيوانية، ولأنه لن يستطيع التخلى عن المأكل والمشرب والحركة، فكان الأيسر هو الاستغناء عن تلك الغريزة.
نأتى إلى اللغة التى تحدثت بها شخصية شبلى شميل، حيث جاءت فكرية فلسفية مناسبة للسياق، وللفترة الزمنية التى دارت فيها الأحداث (أواخر القرن التاسع عشر) فنجد كلمات مثل : «الماريستانات، تياتروهات، لوكاندة، أجزاخانة، الأجزجي، والحوذى وغيرها».
كذا أسماء الشخوص مثل: سكسك، المعاجيني، كحل العين الحواكيري، وحمزة العمريطي، ...
وقد لجأ الكاتب إلى السجع والكلمات المقفاة التى خففت بعض الشيء من حدة وجفاف الكلام الفلسفى على غرار «مقامات الحريري» مثلا، يقول فى وصف شقاء المريض:
«إذا شرب الماء الزلال المعقم، وجده مرا كالعلقم، أو ذكر أشهى الطعام لديه، هفت نفسه عليه، أو توسد وثير المهاد، فكأنه يتقلب على شوك القتاد، مفكك الأوصال، مقطع الآمال، ليله طويل بما يعانيه من الآلام التى تحرمه لذة المنام».
وهكذا فى كثير من المقاطع مع وجود صفحات فلسفية مكثفة إن اقتطعتها بعيدا عن الرواية، لظننت إنك فى كتاب فلسفى بحت، وهذا مما يثقل أحيانا على القارئ، رغم مناسبته للجو العام للرواية.
وقد استخدم الكاتب عدة تقنيات لتمرير الأفكار ووضوح صوت الشخصية مثل المونولوج الداخلي، والخطب التى تلقى على تلامذة المدارس، أجزاء من مقالات منشورة للسارد فى الجرائد أو كتبه الخاصة، وكان الأجمل على الإطلاق هو حواراته مع باقى شخوص الرواية سواء مع أصدقائه، أو مع من يعارضونه مثل حواره البديع مع «جمال الدين الأفغاني» الذى واجهه بتناقضه فى نهاية الحوار، وأيضا حواره مع الشيخ رشيد رضا الذى اتهم شبلى بالماسونية، عندما استشهد بعقاب الله لبعض الناس فى القرآن بأن سخطهم قرودا لا خنازير رغم أنها كائنات مكروهة فى عقيدة الإسلام، مدللا على فكرة الأصل الواحد للكائنات، وأن العقاب كان بردهم إلى أصلهم الأقل ارتقاء، يقصد الآية الكريمة من سورة البقرة:
«ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين».
والحقيقة أننى تعجبت من رد الشيخ رشيد الهجومي، حيث كان يستطيع أن يقوض حجته بالقرآن نفسه، مستشهدا بالآية الكريمة من سورة المائدة: «من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت».
ربما أراد الكاتب أن يبرز مدى ثبات د. شبلى و شدة إيمانه بما يقول، مما يُفقد محاوره القدرة على الاحتفاظ بثباته الانفعالي. أجاد الكاتب التعبير بصوت الشخصية لدرجة تجعل القارئ يتوقف أثناء القراءة متسائلا:
هل هذه الحوارات حقيقية أم متخيلة؟! خاصة أن منها شخصيات واقعية بأسمائها، ولأنه معروف عن الكاتب جهده البحثى الكبير قبل الكتابة. هكذا وعبر لغة تتبنى منطق علمى مرتب، عبَّر شبلى عن أفكاره بهدوء الواثق ودون انفعال رغم الهجوم، فتحدث عن الحقيقة قائلا: «الإنسان لا يرى الحقيقة لأنه غارق فى جهلها». وعن الروح والإنسان، والحرب التى رآها صرخة تستفز الأمم لتنتبه إلى حقوقها، فتهب للإصلاح.
وعن الانتحار يقول: «الإنسان فُطر على حب الذات، إذن فالانتحار ليس من صفاته الفطرية».
أما الوجدان فلم يجده ميزة خاصة بالإنسان دون غيره من الموجودات، فكل هذه العوالم تدافع عن نفسها حفظا لكيانها، مما يدل أنها تشعر بذاتيتها. وغيرها من الآراء التى تصب فى نفس الوعاء الكبير وهو أصل الإنسان، ليباغتنا فى فصل الختام بينما اشتد عليه المرض، وكأنه فى لحظة مكاشفة تأتى قبيل الموت يقول: «لمَ توقف علم التطور عند الإنسان ولمْ يتجاوزه؟ لمَ لمْ يتطور الإنسان إلى إنسان أفضل؟ إنسان أرقى؟ إنسان يقدس الخير ويعمل من أجل الآخرين»؟.
ليكون عنوان هذا الفصل «لطمة على خد العالم» مناسبا لختام الرواية، فيترك القارئ يتساءل هل رأى شبلى جانبا خفى عنه فى نظرية التطور التى دافع عنها عمره كله؟! هل مارس إعمال العقل الذى طالما نادى به؟! ولمَ لا والكلمة الأخيرة لم تأتِ بعد، والقول الفصل مكانه بالتأكيد ليس على الأرض.