أحمد الزناتى
تجود كل حقبة زمنية بمجموعة من الفنانين الأفذاذ الذين يُولدون فى سنوات متقاربة، وفى محيط جغرافى واحد، وينطقون بلسان واحد. فى فيينا وُلدت مجموعة من أهم الكُتاب الذين مارسوا تأثيراً قوياً فى رسم ملامح الأدب الناطق بالألمانية فى القرن العشرين؛ روبرت موزيل مواليد نوفمبر 1880، وليو بيروتس مواليد نوفمبر 1882، وهيرمان بروخ مواليد نوفمبر 1886، وشتيفان تسفايج مواليد نوفمبر 1881، ويوزيف روت مواليد 1894، وهو وإن كان أصغرهم سناً، إلا أنه رفيق الدرب فى رحلة «التيه» والبحث عن هوية الإمبراطورية المنهارة، كما أنه يمثل صوتاً موازياً فى رثاء عالم الأمس لو استعرنا عنوان كتاب تسفايج. وقد وُفقت إلى نقل شىء من آثار أغلبهم إلى العربية، والمزيد فى الطريق.
فى كتابه فن الرواية (ت: خالد بلقاسم) يشيد ميلان كونديرا بالروائى النمساوى الراحل هيرمان بروخ إشادة قوية، مشيراً إلى ملحمة (السائرون نياماً)، وعدَّه مجددًا روائيًا كبيرًا، اكتُشفت أعماله بعد موته مثله مثل روبرت موزيل، وفيتولد جومبروفيتش، قال: «كل الأعمال الأدبية الكبرى تنطوى على جزء لم يتحقق؛ يُلهمنا بروخ ليس فقط بما استطاع إنجازه، بل بما طمح إلى تحقيقه دون أن ينال مبتغاه».
كما نوّه بعمله مفكرون كبار مثل حنة آرندت (التى نشأت بينه وبينها علاقة ملتبسة بين الحب والإعجاب والتردد)، حيث كانت آرندت من أوائل الذين كتبوا مراجعات نقدية عن روايته الأهم (فى نظرى) موت فيرجيل، وقالت عنها: «إننا أمام محاولة أدبية جديدة كل الجِدّة، شىء نستطيع أن نُطلق عليه التعليق على الذات بصبغة غنائية»، مهما بدا أسلوب بروخ معقداً أحياناً، فإنه أسلوب تطوّر تطوراً طبيعياً تماماً». وقد رُشح بروخ فى سنة وفاته لنيل جائزة نوبل فى الأدب.
>>>
هيرمان بروخ، روائى نمساوى يوصف بأنه كاتب الكُتاب، وفيلسوف الأدباء، وُلد لعائلة يهودية فى فيينا فى الأول من نوفمبر سنة 1886 ثم اعتنق الكاثوليكية عام 1909، وبعد صعود النازية واحتلال النمسا (الأنشلوس Anschluß) عام 1938، تعرض للاعتقال فترة قصيرة قبل أن ينجح فى الهجرة إلى بريطانيا ثم إلى الولايات المتحدة بمساعدة أصدقائه من الأدباء. قضى بقية حياته فى المنفى الأمريكى، حيث واصل الكتابة والبحث، وتوفى إثر نوبة قلبية فى نيو هافن بولاية كونيتيكت عام 1951. ثمة وجه غير معروف لبروخ، وهو الجانب الفكرى والفلسفى. ولشدَّ ما دُهشت عندما عرفت قبل سنتين أن أعماله الفلسفية والفكرية والنقدية الصادرة بعد وفاته عن دار زوركامب، تكاد تضاهى أعماله الإبداعية غزارة وعمقًا. سأحاول فى السطور الآتية تسليط الضوء على رؤية بروخ للفنان وعصره، كما سأتطرق إلى مقال كاشف عن رؤية الرجل لفن الترجمة من منظور إبداعى. وقد وردت المقالتان فى كتاب Schriften zur Literatur: Theorie (كتابات فى الأدب: النظرية) (دار زوركامب، الطبعة 2 – 1986).
والحقيقة أننى كنت قد قرأت موادّ ومقالات يتكلم فيها كونديرا وغيره فى عالمنا العربى عن «الكيتش»، ولم يشر أحد إلى أن بروخ سابق زمنه بعقود، بل الأصح أن نقول: إن بروخ هو من أرسى دعائم الاصطلاح على المستويين النظرى والتطبيقى، ثم اقَتَبس الجميع (مجازاً) وهم يتكلمون عن الاصطلاح وتاريخه دون مزيد من البحث العلمى الدقيق.
أما مقال بروخ المقصود فهو بعنوان Das Böse im Wertsystem der Kunst (الشرّ فى منظومة القيمية للفن – منشور سنة 1933)؛ حيث يقرن بروخ الشرّ بالكيتش (= رداءة الذوق والابتذال)، وهو ربط سبق وأن تطرقتُ إليه قبل شهرين فى «بستان الكتب» وأنا أتكلم عن كتاب فلسفة الكتابة لديفيد أرندت.
>>>
يقول بروخ: «ليس الكيتش مجرد انحراف فنى أو رداءة فى الأداء، بل هو شر حقيقى فى منظومة القيم؛ إنه شر أخلاقى يقع فى صلب الفن بوصفه نسقاً قيمياً. والكيتش، فى جوهره، هو ذاك النتاج الصريح للعصر البرجوازى، فهو يستمد وجوده من ذلك التوق إلى الجمال السهل، و«ما يُعجب الناس فهو جميل «(Schön ist, was gefällt). وفق المبدأ المبتذل القائل بأن الجميل هو ما يحظى بالقبول- مُعرضاً عن ذلك الجمال الذى لا يستقيم إلا بكونه تجلياً للحقيقة، ومنحازاً إلى زيف يرفض استحقاقات الصدق الوجودى. وبذلك، يغدو الكيتش التعبير الأصدق عن نفاق العصر الحديث؛ العصر الذى يطمح إلى اقتناء الفن واستهلاكه، دون أن يكون مستعداً لأداء الضريبة الأخلاقية للحقيقة، ودون أن يغرس إبداعه فى تربة الجوهر. ففى الأزمنة التى كانت منظومات القيم فيها مستقرةً وراسخة، كان الشر يُستبعَد من مجالات القيم المختلفة بسهولة، بل بسهولة أكبر مما هو عليه الحال فى حاضرٍ انهارت فيه هرمية القيم وتفككت. وكان الناس يعرفون ما الفن، وما كانوا يفهمونه من الفن كان هو الفن الجيد. أو لتوخينا الدقة: إن التعبير الفنى عن العصر لا يمكن إدراكه إلا من خلال التوتر الهائل القائم بين الخير والشر. أما الشر فى الفن فهو الكيتش. ولعلَّ إعادة ترتيب القيم، وفعل الشر فى العالم، لا يبدوان فى أى موضع بمثل هذا الوضوح الذى يبدوان به فى وجود الكيتش. وليس من قبيل المصادفة أن يكون الكيتش ابن العصر البرجوازى؛ إذ إنه يظهر إلى الوجود فى اللحظة نفسها التى أصبح فيها العالم، من جهة، عصرَ الآلة، بعد أن غدا مظهره الواقعى ومظهره الروحى فى توافق بديهى، وأخذت نزعاته الوضعية، من جهة أخرى، تتكثف حتى بلغت أشد صور المادية صرامة».
يتابع بروخ: «وأنا لا أتحدث فى واقع الأمر عن الفن وحده، بل عن «موقف حيوى» ونمط عيش معين. إذ لا يمكن لـ«الكيتش» أن ينشأ أو يستمر ما لم يكن هناك «إنسان الكيتش»؛ ذلك الإنسان الذى يعشق الابتذال، ويرغب فى إنتاجه بوصفه صانعًا للفن، وهو مستعد - كمتلقٍّ ومستهلك - أن يشتريه بل وأن يدفع فيه ثمناً باهظاً. إن الفن – إذا ما أخِذ بمعناه الأوسع – هو دائماً مرآة للإنسان فى عصره، وإذا كان الكيتش «كذباً» – كما يُوصف غالباً وبحق – فإن اللوم معزوّ فى النهاية إلى الإنسان نفسه، الإنسان الذى يحتاج إلى مثل هذه المرآة الزائفة والمجمَّلة كى يرى فيها نفسه، ويعترف بأكاذيبه بفرحة صادقة (إن جاز التعبير)»؟
والحق أن إشارة بروخ السابقة دالة، وتصيب الحقيقة فى مقتل؛ فلو كان عالم اليوم طافحًا بالفن الردئ، فلا لوم إلا على صانعيه، ثم مستهلكيه. والآن، فى ظل طغيان وسائل التواصل الاجتماعى التى منحت كل من سَرق مقالة أو فكرة، أو ترجم كتابًا، أو أنتج فيديو، أقول: منحته صوتاً وقيمة ورأياً، فبات الكيتش هو النغمة المهيمنة، وبصورة أشد ضراوة مما كان عليه فى أى وقت مضى.
اتسع – فيما أعتقد - النطاق الدلالى للكيتش، وصار مرادف الفوضى؛ فوضى الآراء والأحكام غير المؤسسة على فهم أو ذوق أو علم أو تكوين معرفى راسخ. فكثيرًا ما يتحول الإخفاق فى ممارسة فن بعينه إلى ولعٍ بالحكم عليها؛ فمن أخفق فى كتابة رواية اشتغل بالتنظير لفن الرواية، أو حطَّ من شأن فن الرواية عمومًا، ومن لم يفلح فى ممارسة الترجمة أو لم يتقن لغة حتى، انبرى يُفتى فى مناهجها وطرائقها، إلخ. وينسحب ذلك على القارئ الكيتش؛ ولئن سألت بعض القُراء عما أعجبهم فى رواية ما، لاكتفى بعضهم بأحكام سريعة من قبيل: لم تعجبنى النهاية أو الرواية حلوة قوى وخطفت قلبي! وليس فى هذه الإجابات ما يُعاب فى ذاته؛ فهى تمثل الانطباع الأول الذى يتركه العمل الفنى. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الانطباع العابر إلى بديل عن الفهم، وحكم عام، وحينما يكتفى القارئ بما أثاره النص فيه من قبول أو نفور دون أن يسأل نفسه: لماذا أثّر فيَّ على هذا النحو؟ وما الذى أراد المؤلف قوله؟ هنا يقترب القارئ من الأفق الذى وصفه بروخ بالكيتش.
يحكى بروخ أمثولة رمزية من التراث اليهودى تقول: يسافر رجل يدعى «لايب شيكل» إلى بلدة يعيش فيها حاخام معروف بقدرته على إبراء العميان، ورغم أن «لايب» يتمتع بنظر سليم، إلا أنه يسير فى طريقه حاملًا عصا المكفوفين، وعاصبًا عينيه. وعندما يلتقيه أحد معارفه ويستنكر عليه فعله مستغربًا ذهابه هناك وهو مبصر، يجيبه «لايب» ببلاغة: إنه يتعامى عن عمد، لأنه يوقن بأنه حين يقف فى حضرة هذا الرجل العظيم والأصيل، يجب أن يكون «أعمى» لتتمكن تلك العظمة من منحه الرؤية الحقيقية. يريد بروخ أن يقول إن الإنسان المعاصر، فى ظل ثقافة الكيتش يظن نفسه مبصراً، وأديبًا بارعًا، وناقدًا، وصاحب ذوق رفيع، لكنه فى الحقيقة يرى العالم برؤية سطحية. ولكى يستطيع الإنسان تذوق الفن الأصيل واستعادة بصيرته، عليه أولاً أن يتخلى عن كبريائه وأوهامه المسبقة، ويقف أمام الإبداع الحقيقى بتواضع مثله مثل ـ «الأعمى».
>>>
وأما المقال الثانى الذى أود التطرق إليه فهو مقال عن فن الترجمة وعنوانه (ملاحظات حول فلسفة الترجمة وتقنيتها 1950: Einige Bemerkungen zur Philosophie und Technik des Übersetzens)؛ وفيه لم تفارق بروخ روح الروائى. حيث ارتدى بروخ قناعَ المترجم، وتحدث من وراء حجاب بلسان «ج. س. أونتيرماير «مترجمة روايته الأضخم والأعقد» موت فيرجيل إلى الإنجليزية». أراد أن يقدم للقراء مقالًا يشرح فيه صعوبات النقل ومشكلات التأويل. المقال قطعة نثرية جامعة بين الميتا فيكشن، والنقد، وفلسفة اللغة مع إشارات إلى ك.ج. يونج ونظرية الأنماط الفطرية Archetypes، مشيراً إلى معانى جديدة لم يتنبه لها (المؤلف) وهو يكتب الرواية بفضل المترجمة؛ فلا ترجمة دون تأويل.
لعل أجمل ما يميز بروخ فى نظرى هو ذلك الحدس الباطنى العميق الذى يسم أى فنان/ مبدع حقيقى؛ تلك النفحة الجوانية التى تضفى على عمله مسحة سحرية باطنية سرية، تصنع من عمله فنًّا يخاطب الروح. وليتأمل كل كاتب أو فنان بعد إنهاء عمله الإبداعى لمسة السحر غير المُفسرة التى مسته بعد أن أنهى روايته أو قصيدته أو قصته، ليدرك صدق كلام بروخ، ففى ظنى سيظلُّ الفعل الإبداعى فعلًا مبهمًا حتى على صاحبه!
يقول بروخ: «سأقولها منذ البداية دون مواربة: لا شيء يُنجز فى الحياة دون حدس، ولا شىء يكتمل دون حبٍ. وحينما يكتمل العمل، سواء أكان ترجمة، أم ضربة بلياردو موفقة، أو أى شىء آخر، فإن المرء لا يكاد يعرف شيئاً عن الأسباب التى أدت إلى نجاحه. لقد حدثت هكذا فحسب؛ فلا يوجد لاعب بلياردو يستطيع استحضار المعادلات الرياضية الفيزيائية التى وجّه بها كراته، وإذا ما سُئل كيف استطاع ذلك، فسيتمتم بشىء عن الصدفة، أو الغموض، أو الحدس، أو أنه -إن أدرك أن هذه الكلمات ليست سوى تفسيرات تافهة وضحلة، بل هى فى الحقيقة ليست تفسيرات على الإطلاق- سيكتفى بهز كتفيه. إن سر قابلية الترجمة هو سر وجودنا ذاته. لقد منح الله البشرية ألسنةً شتى، بيد أنه أبقى فيهم جميعاً أثراً من «صلب آدم»؛ وهو ما أورث اللغات قدرة جوهرية على التجاوز، وجعلها قابلة للترجمة فيما بينها، وذلك بالرغم من كارثة «برج بابل» التى شتتت الألسنة، ولم تشتت الجوهر الإنسانى الواحد، ولذلك فالمترجم لا ينقل كلمات وجُملاً، بل يترجم «محتوى المعنى». فإذا استوعب المترجم دلالة الجملة فى لغتها الأم، وجب عليه أن يصيغها فى لغة الهدف كأنها لغته الأصلية؛ وإذا نجح فى ذلك، سيُدهش إذ يكتشف أن السمات اللغوية للنص الأصلى قد تجلت فى لغة الهدف على نحو مكافئ، بفضل «الميتا- نحو» الكامن فى جوهر اللغات كافة.خلاصة القول: أعتقد أن عليَّ البدء بسرّ الطبيعة البشرية، حيث تؤول كل مشكلاتنا فى نهاية المطاف إلى هذا السر، وليس أقلها مشكلة الترجمة، وأعني: مشكلة «قابلية الترجمة Übersetzbarkeit». فلو لم تكن هناك فى العمق وحدة هيكلية شاملة لكل ما يحمل سمات الإنسان -وهذا ما يجب أن يعيه المترجم فى مهمته الديمقراطية السلمية السامية- ولو لم تكن هذه الوحدة الهيكلية موجودة فى كل التعبيرات البشرية، لما وُجدت على الإطلاق أى قابلية للترجمة. إن «العنصر المشترك للمقارنة» (tertium comparationis) الضرورى لكل قابلية للترجمة هو الإنسان نفسه، هو البنية الأساسية الموحِّدَة لذلك السر الذى نسميه «الروح البشرية».
يواصل بروخ كلامه: «ولنضرب مثلًا صغيراً على ما أعنيه: يتأثر الإنسان بلا انقطاع بمشاعره الفطرية مثل الألم واللذة، فهى ترافق كل ما يعيشه وكل ما يعبر عنه، ولما كانت كذلك، فلا بد أن شيئاً من رموزها الأولية كامنٌ فى كل رمز من الرموز الأرقى، فلا بد فى كل رمز يعبر عن الألم أن تومض - إن جاز التعبير- تلك «الدمعة الأولى»، ولا بد فى كل ما يعكس الفرح أن يتردد صدى تلك الابتسامة الأولى للبشرية. وفى هذا الارتباط المستمر بالمشاعر الأولية ورموزها، يظهر جلياً - بل يكاد يكون مخططاً أساسياً- كيف تنتظم كل الرموز البشرية فى قرابة طبيعية محتوىً وشكلاً؛ فهى تؤثر فى تشكيل بعضها بعضًا بلا انقطاع [لعل القارئ يلاحظ هنا تأثّره بيونج].
ولنأخذ مثالاً من «تجربتى»: تتسم جُمَل هيرمان بروخ فى روايته «موت فيرجيل» بطولها وإيقاعها المعقد. ولو حاولتُ محاكاة تركيبها فى الإنجليزية محاكاة حرفية، لخلقت مسخاً لغوياً يشوه المعنى. ولكن باكتشافى أن الإنجليزية قادرة على استيعاب الجملة الطويلة، أدركتُ، من ثمَّ، أن الزعم بأن الجملة الطويلة تتأبّى على الذائقة الإنجليزية «هو حكم سطحى. ففى العمق، ثمة اختلاف بين التركيب الألمانى -الذى يبنى الجملة بناءً هرمياً يرتكز على روابط منطقية دقيقة- وبين التركيب الإنجليزى الذى يضع الأفكار جنباً إلى جنب، تاركاً لمخيلة القارئ حرية الربط والاستنتاج. إن الإنجليزية تمنح القارئ مساحة أكبر من الثقة، بينما تشيّد الألمانية معمارها المنطقى كبناء محكم. (انتهى الاقتباس من مقالة بروخ).
هذا الكلام – فى رأيى - هو «ميثاق شرف» المترجم الذى يرفض أن تكون الترجمة عملية آلية، فهو (أعنى بروخ) يرفع الترجمة من خانة «النقل» إلى خانة «الإنشاء الفنى»، ويرى أن الفارق بين المترجم العادى والمترجم الماهر هو تلك «اللحظة الغامضة» التى تتجاوز القواميس والمعاجم والاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعى، حيث يمسك المترجم بمقابل لغوى يصف المشهد الواحد فى اللسانين بدقة، وقد صادفتُ هذا كثيرًا، لا سيما وأنا أترجم لنمساوى آخر من بنى جلدتهم (لكنه ذئب منفرد) اسمه ألفريد كوبِن، وترجمتُ تعبير: «إن كلامهما ليخرج من مشكاة واحدة»، مستعيرًا التعبير المنسوب للنجاشى. وليراجع القارئ مقدمات المرحوم د. محمد عنانى لأعمال المترجمة ليفهم قصد كلامى.
وختامًا؛ ثمة نادرة طريفة صادفتها وأنا أقرأ بعض رسائله، أحب أن أوردها، لأنها كاشفة عن سمات بروخ الشخصية؛ فقد كان الرجل – على عمق أفكاره ومآسى حياته - محبَّا للنكات والفكاهة كما يروى أصدقاؤه، وهى سمة تميز أبناء برجِه الفلكى كافة! كان بروخ يسخر – وهو فى أزمة الغربة وضيق ذات اليد وعدم انتشار أعماله - من الظلام الذى يختاره كل إنسان ليعيش فيه بمحض إرادته.
ففى رسالة مؤرخة فى مارس 1950 كتبها إلى صديقه الفيلسوف الألمانى جونتر أندرس (زوج حنة أرندت السابق) من باب التسرية عن النفس وهما يتكلمان عن فناء العالم والحروب النووية، أى قبل الأزمة القلبية القاتلة التى أودت بحياته فى 30 مايو 1951، حكى بروخ نكتة تقول: فى إحدى المصحات النفسية عُثر على أحد النزلاء وقد شنق نفسه من السقف، لأنه كان يتوهم أنه ثريّا (نجفة)، وعندما سُئل نزيل آخر: ألم تر المشنوق يا رجل؟ لماذا لم تنزله؟ أجاب محتجًّا: بالطبع رأيته! ولكنى كيف أجلس فى الظلام إذن؟
ابعت لى جواب!
رأيت ما لا يجوز لك: عراء الاعتراف
الأشجار ما زالت تمشى: جدلية الذاكرة






