والألم فى التجربة الشعرية

الأشجار ما زالت تمشى: جدلية الذاكرة

الأشجار ما زالت تمشى
الأشجار ما زالت تمشى


د. هويدا صالح

«الأشجار ما زالت تمشى» هو عنوان الديوان الأحدث للشاعر محمود جمعة (بتانة ـ 2026)، وهى جملة عميقة تكشف العالم الشعرى للديوان، فالأشجار لا تمشى فى الطبيعة. لكنها فى الخيال الإنسانى، فى الحلم، فى الخوف، فى الحنين،تمشى دائماً. محمود جمعة يكتب من ذلك العالم الذى تمشى فيه الأشجار: عالمٌ لا يقبل القوانين الصارمة للواقع، عالمٌ يسكنه طفلٌ ستينى يحمل رصاصة عمياء ويبحث عن قطيفة صدر بيضاء ليريح رأسه المتعب.
ينبغى النظر إلى الشعر، فى مستواه الأعمق، بوصفه ممارسةً وجودية لا تكتفى بوظيفة التعبير، بل تنهض بوظيفة التأسيس: تأسيس المعنى فى مواجهة عالمٍ شحيح الدلالة. ضمن هذا الأفق، تتبدّى تجربة محمود جمعة فى ديوانه بوصفها تجربة تستحقّ الانتباه، لا لأنها تبتكر أسئلة غير مطروقة، بل لأنها تعيد طرحها بحدّة صدقٍ تلامس حدّ الإيلام.
يُقيم العنوان منذ البدء مفارقةً دلالية كثيفة: فالأشجار، بما ترمز إليه من ثبات وتجذّر، تُسند إليها هنا حركة المشى، فى انزياح يخلخل أفق التوقّع، ويؤسّس توتراً مركزياً بين الانتماء إلى الأرض والرغبة فى الانفلات منها. هذا التوتر لا يظلّ محصوراً فى مستوى العنوان، بل يتسرّب ليغدو البنية العميقة التى تنتظم خطاب الديوان، حيث تتشكّل ذاتٌ شعرية تعيش وهم الحركة والتقدّم، فيما هى، فى حقيقة الأمر، رهينة جذورها الجارحة، عاجزة عن الفكاك من ماضيها الأليم. من ثمّ، لا تعود الحركة علامة على الخلاص، بل تغدو قناعاً آخر للثبات، أو شكلاً مراوغاً من أشكال البقاء فى النقطة ذاتها.
ومن قلب هذه المفارقة المؤسسة، ينبثق صوتٌ شعرى مشدود إلى منطق العطاء حتى فى لحظات العوز، كأن الفقد نفسه يتحوّل إلى طاقة منح. فى قوله: «يمنح الطيور فتات قلبه المعلّق"، لا تشتغل الصورة بوصفها زينة بلاغية، بل باعتبارها تمثيلاً مكثّفاً لوضعية وجودية مأزومة: قلبٌ معلّق، لا لأنه متردّد فحسب، بل لأنه لم يعثر بعد على أرضٍ تؤويه أو يقينٍ يستقرّ فيه. هكذا يتبدّى الشعر، فى هذه التجربة، بوصفه فضاءً لتعليق الوجود أكثر منه حسمه، ولتأبيد السؤال أكثر من تقديم إجابة.
كذلك تتجلى فى الديوان « صورة الطفل» ذلك الكائن الضعيف الذى يتكرر فى الديوان كأنه الشخصية الحقيقية الوحيدة خلف كل الأقنعة، يطل الديوان بجملة تكاد تكون مفتاح العالم الشعرى فى الديوان كله «فأنا طفل غريب... ظلّ ستين عاماً يبحث عن صدر(ص7)».
«ستين عاما» رقمٌ لم يكتبه الشاعر عبثا، إنه اعترافٌ بأن الزمن مرّ، لكنه لم يُنضج صاحبه بالمعنى الاجتماعى المتعارف عليه،  أى لم يُحوّله إلى رجل يعرف كيف يطوى جراحه ويكتمها. الطفل فى شعر محمود جمعة ليس استعارة للبراءة ولا نوستالجيا للماضى، بل هو الحالة الوجودية الراسخة.
ذلك الطفل نفسه  يبحث عن صدر يبثه الحنين والألم، فيمنحه الحليب والسكينة، فالطفل لا يبحث عن «الحليب» بمعناه البيولوجى، بل الدفء البدائى الأول الذى يبحث عنه كل إنسان طوال عمره تحت أسماء مختلفة: الحب، الانتماء، الفهم.
«كنت فى زحام الجنون والمشاعر 
ظل ستين عاما يبحث عن صدر يبثه الحنين والألم 
فيمنحه الحليب والسكينة».
 غير أن الطفل يصطدم بواقع قاس، فالمرأة/الحسناء لا تفك الشفرة» ظل دون أن تفك حسناء  شفرة الحزن المقيم فى عروقه».
الحزنُ إذاً شفرةٌ مقيمة فى العروق أى ليس طارئاً ولا ظرفياً، بل هو نسيجٌ فى الدم. والحسناء التى كان يُعوِّل عليها آثرت أن تُغازل وهمها وتُضاجع خياله؛ فهى لم تخنه مع آخر بالمعنى الفجّ، بل خانته مع صورةٍ وهمية لم تكن هو أبداً. وهذا النوع من الخيانة أشدّ إيلاماً لأنه لا يقبل المواجهة.
فى قصيدة «من شرفة الألم» تتكشّف البنية المكانية بوصفها عنصراً بنيوياً حاسماً فى تشكيل الرؤية الشعرية داخل الديوان. فمحمود جمعة لا يكتب فى فضاءٍ مفتوح أو أفقٍ ممتد، بل ينحاز إلى تخوم الأمكنة: الشرفة، الجدار، المسافات البينية، وحدود الرؤية. وهى ليست اختيارات اعتباطية أو مجرد عناصر تزيينية، بل مؤشرات دالّة على موقع الذات الشاعرة، التى لا تستقر فى الداخل ولا تنخرط فى الخارج، بل تظلّ معلّقة فى منطقة بينية، تؤسّس لوجود قلق، منزوع اليقين، ومفتوح على الاحتمال دون أن يحسمه.
«من شرفة الألم 
الآن..
يمكنك الرحيل 
الريح أغلقت أبوابها وتوقفت 
ما عادت تحمل إليك ذلك الأنين
ولا دموع نخلة تعرّت
وأضرمت الحنين فى أوراقها 
وكتمت أخبار الثمار فى وجدانها 
والحزن النبيل
الدفء فى المسافة البينية صار ثلجا».
ضمن هذا السياق، تبرز الجملة: «الدفء فى المسافة البينية صار ثلجاً» بوصفها لحظة تكثيف دلالى عالية. فالشاعر لا يلجأ إلى التصريح المباشر بانهيار العلاقة، بل يشتغل على تحويل حسّى ملموس، ينقل التجربة من مستوى القول إلى مستوى الإحساس. إنّ الانتقال من الدفء إلى الثلج لا يصف الفقد بقدر ما يجعله محسوساً، قابلاً لأن يُعاش جسدياً، بحيث يُستدرج القارئ إلى اختبار البرودة لا إلى فهمها فحسب. وهنا تتجلّى فاعلية الاقتصاد اللغوى، حيث تُنجز الصورة ما تعجز عنه العبارة التقريرية.
أما الذروة التخيلية فى القصيدة فتتمثّل فى قوله: «كلما حاولت أن تطلّ من شرفة الألم / انتحرت». فى هذا الانزياح الحاد، تُسند فعلية الانتحار إلى الذكريات ذاتها، لا إلى الذات الشاعرة. وبذلك ينقلب التصوّر المألوف: فالشاعر لا يقمع ماضيه بالنسيان، بل إنّ الماضى ذاته يفقد قدرته على التجلّى، ويتهاوى بمجرد اقترابه من سطح الوعى. إنها صورة بالغة الغرابة والدقّة فى آن، تُعيد صياغة العلاقة بين الماضى والحاضر بوصفها علاقة هشّة، لا تقوم على الاستدعاء والاسترجاع، بل على التآكل والانمحاء الذاتى. ومن هنا تنبع قوة هذه الصورة، إذ لا تكتفى بتمثيل الفقد، بل تكشف آليته الداخلية، وتمنحه بعداً وجودياً يتجاوز التجربة الفردية إلى أفق إنسانى أرحب:» كلما حاولت أن تطل من شرفة الألم 
انتحرت 
وصورتنا معا 
انتحبت 
كأم تركت صغارها فى ضلوع المستحيل
لن تستطيع يا خيالى الوجود
أن تعيش داخلى».
كما تُمثّل قصيدة «حديث الرصاصة العمياء» ذروة النزوع التجريبى فى الديوان، سواء على مستوى البنية أو الرؤية. إذ ينهض النص على شكل حوارٍ متقطّع بين صوتين: صوت المرأة التى تسعى إلى تعريف الشاعر وتثبيته داخل صورة محدّدة، وصوت الشاعر الذى يبادر، فى كل مرة، إلى مقاطعتها واستعادة تعريف ذاته وفق منطقه الخاص. غير أنّ هذا البناء الحوارى لا يُفضى إلى تواصل حقيقى، بل يكشف، على العكس، عن عجز بنيوى فى الإصغاء؛ فكل صوت ينغلق داخل دائرته، لتغدو القصيدة مثالاً على «الصمّ المتبادل"، حيث يتحوّل الحوار إلى مونولوجين متوازيين يتوهّمان التلاقى دون أن يبلغا حدّه:» استوقفتنى والريح تذهب بى:
هل أنت (محمود) الذي..
نعم سيدتى، لكننى لم أهضم الدنيا
لفظتها مرتين وهى تلوكنى:
فصرت فى خارجها شهابا تائها فى الفضاء».
تتجلّى هذه المفارقة بوضوح فى الصيغة التبادلية الناقصة: «هل أنتَ محمود الذى..» حيث يبادر الشاعر إلى استكمال الجملة قبل أن تتمّها المرأة، فى فعلٍ دالّ على استعجال القبض على المعنى، أو الهروب من تعريفٍ قد لا يريده. وهكذا، يغدو التعريف ذاته ساحة صراع خفى، لا بحثاً عن الهوية بقدر ما هو مقاومة لفرضها من الخارج:» ألست (محمود) الــ
ـ نعم نعم، عشت أيام الغربة الصدئة
أخلع الرصاصة العمياء من عين عصفور 
أراد الصياد قتله
لكنه تمسك بصدر طفلة دافىء
يعرف أنها سريعة البكاء..
أنت لا تكف عن الكلام
أردت أن أقول أنت من".
ضمن هذه البنية المتوتّرة، يبرز اعترافٌ لافت: «أعترف أننى سرقت عشرين قلباً فضياً / وقيّدت عشرين روحاً لؤلؤية». لا يُقرأ هذا الاعتراف بوصفه نزوعاً إلى التوبة أو ادّعاءً للفخر، بل باعتباره توصيفاً كثيفاً لطبيعة العلاقة التى يقيمها الشاعر مع الآخر: علاقة تقوم على الأخذ والاحتواء، وربما التملّك الرمزى. غير أنّ الشاعر لا يلبث أن يُوازن هذا الإقرار بعبارة كاشفة: «مقيّدٌ للوراء»، بما يشى بأن فعل السيطرة ذاته محكوم بقيدٍ مضاد؛ فهو ليس ذاتاً حرّة بالكامل، بل كيانٌ تشدّه ذاكرته إلى الخلف، وتحدّ من قدرته على الانفلات. بذلك، تتأسّس جدلية دقيقة بين الفاعلية والعجز، بين من يقيّد ومن هو واقعٌ تحت القيد»  أوافق يا  سيدتى على اتهامك..
أعترف أننى سرقت عشرين قلبا فضيا 
وقيدت عشرين روحا لؤلؤية
وتلمست مئات الجلود الناعمة
وصرعتنى عشرون فاتنة
لكننى مقيد للوراء ، لا ألوى على شىء». 
أما الذروة التصويرية فى القصيدة فتتجلّى فى مشهد العصفور والرصاصة: الشاعر الذى ينتزع الرصاصة العمياء من عين عصفور كان الصيّاد يستهدفه:
"أخلع الرصاصة العمياء من عين عصفور 
أراد الصياد قتله».
إنها صورة رمزية مكثّفة تختزل رؤيته للعالم ولذاته؛ فهو الكائن الذى يمارس دور الحماية إزاء الهشّ والبرّيء، دون أن يمتلك، فى المقابل، ما يحميه. ويكتمل هذا البعد حين يلجأ إلى صدر طفلة « يعرف أنها سريعة البكاء"، فى انحيازٍ واعٍ إلى الهشاشة بوصفها ملاذاً، لا ضعفاً. هنا، لا يعود التعاطف موقفاً أخلاقياً فحسب، بل يتحوّل إلى قدرٍ وجودى، حيث لا يجد الشاعر خلاصه إلا فى مرآة ضعفٍ يشبهه، ويعيد إليه صورته فى أنقى تجلّياتها.
فى قصيدة «عائد من سبأ» يبلغ الديوان لحظته الأكثر صفاءً وتركيزاً، حيث تتخفّف اللغة من زوائدها لتغدو أقرب إلى جوهر التجربة. تتجلّى المرأة هنا فى صورة مركّبة: قطّة ناعمة عالقة بين الثلج والنار، كائنٌ يتأرجح بين قطبين متضادين، دون أن يستقرّ فى أحدهما. غير أنّ الذروة الدلالية تتكثّف فى صورة المرآة، حيث لا يظهر منها سوى نصفها، فيما يُقذف النصف الآخر خارج مجال الرؤية. هذه الصورة لا تُقرأ بوصفها استعارة جمالية فحسب، بل بوصفها معادلاً موضوعياً لطبيعة العلاقة العاطفية فى تجربة الشاعر:
«عائد من سبأ
حبيبتى قطة ناعمة وقعت بين الثلج والنار 
فلا يمينها دافئ 
ولا يسارها آمن
نصفها فقط يبين فى المرآة
وتقذفنى بنصفها الآخر».
ينتمى هذا الشعر إلى ما يمكن تسميته بـ«جغرافيا القلق الوجودى»، حيث تتبدّل القيم المألوفة وتفقد وظائفها التقليدية: فالحب لا يعود وعداً بالخلاص، والذاكرة لا تنهض بدور العزاء، بل تغدو عبئاً إضافياً، واللغة نفسها تنخرط فى محاولة يائسة لإنقاذ ما يستعصى على الإنقاذ. ضمن هذا الأفق المأزوم، لا يقدّم الديوان عزاءً جاهزاً، بل يضع قارئه فى حالة تذبذب مستمر بين التعاطف والانقباض، بين الانجذاب إلى حرارة التجربة والنفور من وطأتها الثقيلة.