ريم القمرى
ماذا لو كانت المقبرة أقل صمتاً مما نتخيل؟ ماذا لو أن الموت، الذى اعتدنا النظر إليه بوصفه نهاية للأصوات والحكايات، ليس سوى بداية اعتراف طويل؟
هذا السؤال ظل يرافقنى وأنا أقرأ رواية «رأيتَ ما لا يجوز لك» للكاتب طارق الطيب، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية فى 221 صفحة. فمنذ الصفحات الأولى لا يأخذنا الكاتب إلى المقبرة باعتبارها مكاناً للغياب، بل بوصفها فضاءً غريباً للحضور؛ حضور الذكريات، والأسرار، والأفكار التى لم تجد طريقها إلى الكلام فى الحياة.
يدخل البطل المقبرة ليكتشف أن الموتى الذين ينتمون إلى أزمنة وأديان وخلفيات مختلفة لا يزالون يتحركون ويتحدثون ويتذكرون، والأغرب من ذلك أنهم يملكون القدرة على قراءة الأفكار. هنا لا يعود ممكناً إخفاء شيء؛ الفكرة التى تعبر الذهن تصبح مكشوفة للآخرين كما لو أنها قيلت بصوت مرتفع. يتجلى هذا العراء الفكرى الصادم حين يباغته الموتى بمعرفة خواطره، فيقول: «... اطلّعت على خاطرى وفهمت ما يدور بذهنى، فخِفتُ فى الحال؛ خفتُ منها ومن نفسى أكثر... لم أعد أشعر بحرج من كشف المستور، ولم أعد آبه بما يدور فى رأسى، ربما أغنانى ذلك عن ضرورة طرح الأسئلة". إن هذا العبور السلس من الخوف والارتباك إلى التخلى الكامل عن الحذر، يعكس كيف يفرض فضاء البرزخ شروطه الوجودية الجديدة، حيث تسقط الخصوصية وتتحول «السريرة» إلى فضاء مشاع.
عند هذه النقطة تحديداً بدأت أتساءل: هل أراد طارق الطيب أن يجعل من البرزخ فضاءً للحقيقة المطلقة؟ أم أنه كان يختبر حدود قدرتنا على احتمال هذه الحقيقة؟
فى عالم الأحياء نقضى جزءاً كبيراً من حياتنا فى بناء المسافات بين ما نشعر به وما نقوله، بين ما نرغب فيه وما نعترف به. أما فى البرزخ الذى تتخيله الرواية، فإن هذه المسافات تتلاشى تماماً. لا أقنعة، ولا مواربات، ولا حاجة إلى تجميل الذات أو الدفاع عنها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا الانكشاف الكامل لا يقود إلى الصراع، بل إلى نوع من التصالح الغريب. الأعداء يتجاورون بلا عداوة، والقاتل والمقتول يستطيعان الجلوس معاً دون رغبة فى الانتقام. لا لأن الشر اختفى أو لأن المظالم لم تعد موجودة، بل لأن الموت جرّدها من أسبابها الأرضية، وكشف هشاشة كثير مما كنا نعتقد أنه يستحق كل ذلك الصراع. يضعنا السرد هنا أمام قانون أخلاقى جديد يحكم مجتمع الموتى؛ قانون يتجاوز ضغائن الأرض وأحقادها ليحل محلها عراء الحقيقة الشفافة، حيث يؤكد السارد هذه الحالة الوجودية بقوله المقتضب والحاسم: «هنا يتصرف الجميع بكل صدق، لا انتقام ولا نقمة". فالتصالح فى البرزخ ليس تنازلاً أو غفراناً اختيارياً، بل هو نتيجة حتمية لـ «الصدق المطلق» الذى ينفى الحاجة إلى الأقنعة الدفاعية، ويُبطل فاعلية الانتقام بعد أن فقدت المظالم غاياتها الدنيوية.
العائلة وعودة المسكوت عنه
من هذا الأفق الواسع، تهبط الرواية نحو أكثر المناطق التصاقاً بالحياة اليومية: العائلة.
لا يلتقى البطل بشخصيات مجهولة فحسب، بل يلتقى بأمه، وخالته، وأخته التى ماتت صغيرة، وأخيه التوأم الذى سبقه إلى الموت. ومع كل لقاء تنفتح نافذة جديدة على تاريخ عائلى كان يبدو مستقراً من الخارج، لكنه يخفى طبقات من المشاعر والرغبات والخيبات.
تكشف الأم عن حب قديم لم يكن موجهاً إلى الزوج الذى عاشت معه، وتكشف الخالة بدورها عن عاطفة أخرى ظلت حبيسة الصمت. يتبدى هذا الشرخ العاطفى الصادم فى اعتراف الأم الشجاع والمتأخر الذى يهز الصورة النمطية للمؤسسة العائلية، إذ تقول دون مواربة دفاعية: «خنتُ أباك بقلبى، لكن لم يلمسنى نبيل لمسةً أندم عليها... اعترفت أنا له بإهماله لى وبميلى إلى نبيل الذى لم يلمس منّى إصبعاً"، ملمّحةً فى الوقت ذاته إلى أسرار مُتبادلة ومكتومة تشير إليها بقولها: «لم يعترف نديم لى قطّ بما كان بينه وبين رحمة"، غير أننى لا أعتقد أن أهمية هذه الاعترافات تكمن فى بعدها العاطفى وحده، بل فى الطريقة التى تُروى بها. فالموتى هنا لا يتحدثون بوصفهم متهمين أمام محكمة أخلاقية، ولا يحاولون تبرئة أنفسهم؛ إنهم يروون حياتهم كما هى، مجردة من الحاجة إلى الدفاع أو التبرير.
هنا شعرت أن الرواية لا تنشغل بإدانة شخصياتها بقدر ما تنشغل بفهمها.
ولا أعرف إن كانت الرواية تريد أن تقول إن الحب يفقد توهجه دائماً حين يتحول إلى حياة يومية، لكن بعض شخصياتها توحى بشيء من هذا القبيل. فالعاطفة التى بدت كبيرة فى فضاء الحرمان والبعد بقيت متوهجة فى الذاكرة، بينما خضعت العلاقات التى تحققت فعلاً لاختبارات الزمن والاعتياد والتفاصيل الصغيرة.
ولعل السؤال الذى يلوح بين السطور ليس: مَن أحب مَن؟ بل: لماذا تبدو بعض المشاعر أكثر جمالاً حين تبقى معلقة فى منطقة المستحيل؟
غير أن الرواية لا تكتفى بكشف أسرار الآخرين، بل تدفع البطل إلى مواجهة نفسه أيضاً. وهنا تبلغ جرأتها ذروة خاصة؛ فهو يعترف بغيرته من أخيه التوأم، وبالفرح الذى شعر به حين مات، كما يستعيد مشاعر الغيرة التى انتابته تجاه أخته الرضيعة. يتبدى هذا البوح الصادم والمجرد من تجميل الذات حين يستحضر البطل مشاعره الدفينة قائلاً: «مرضَ البسام مرضاً مستعصياً، فطرِبتُ من الفرح وحاولتُ أن أُخفى ابتهاجى، لكن ازداد الاهتمام به، فحنقتُ أكثر وتمنيتُ له الاحتضار العاجل. كأن الله تقبل دعواتى السريرية، فمات فى نهاية الصيف...".
قد تبدو هذه الاعترافات صادمة أو قاسية، لكنها لا تُقدَّم بوصفها إعلاناً عن الشر بقدر ما تُقدَّم بوصفها جزءاً من تلك المناطق المعتمة التى يخفيها البشر داخلهم؛ مناطق نادراً ما نعترف بوجودها، ليس لأنها غير موجودة، بل لأن المجتمع لا يمنحنا مساحة آمنة للاعتراف بها، فيأتى البرزخ ليكون تلك المساحة الوحيدة الممكنة لتعرية النفس.
الموت والحرية... مفارقة البرزخ
كلما تقدمتُ فى القراءة، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه عليّ: لماذا يبدو موتى هذه الرواية أكثر حرية من أحيائها؟
قد يبدو السؤال متناقضاً للوهلة الأولى. فنحن اعتدنا أن ننظر إلى الموت بوصفه نهاية الإمكانات كلها؛ نهاية الحركة والرغبة والاختيار. غير أن طارق الطيب يقترح مفارقة مختلفة. فالموتى فى البرزخ لا يملكون القدرة على تغيير ما حدث لهم، لكنهم تحرروا من عبء آخر ظل يلازمهم طوال حياتهم: الخوف.
الخوف من الفضيحة، والخوف من الأحكام، والخوف من اهتزاز الصورة التى نصنعها لأنفسنا أمام الآخرين.
لهذا تبدو اعترافاتهم شديدة العفوية. لا أحد يحاول تلميع ماضيه، ولا أحد يسعى إلى الظهور بمظهر الضحية أو البطل. إنهم يتحدثون عن حياتهم كما يتحدث شخص عن طريق سلكه وانتهى منه. الطريق لم يعد قابلاً للتعديل، ولذلك لم تعد هناك حاجة إلى الكذب بشأنه.
وربما لهذا السبب أيضاً لا يشعر القاتل بالحاجة إلى الدفاع عن نفسه، ولا يشعر المقتول بالحاجة إلى الانتقام. فالأهواء التى غذّت الصراعات فى الحياة فقدت سلطتها هناك. لا لأن العدالة لم تعد مهمة، بل لأن الموت وضع الجميع أمام حقيقة أكثر جذرية: لقد انتهى كل شيء بالفعل.
هنا تطرح الرواية سؤالاً مقلقاً: هل نحن أحرار حقاً ما دمنا أسرى نظرة الآخرين إلينا؟
فالأحياء فى الرواية يبدون أكثر قلقاً من الموتى. يخشون انكشاف أسرارهم، ويخفون رغباتهم، ويعيدون صياغة ذواتهم باستمرار كى تصبح مقبولة اجتماعياً. أما الموتى فقد فقدوا هذه الحاجة تماماً. لقد سقطت الأقنعة، ومع سقوطها سقط الخوف أيضاً.
ولا أخفى أننى، أثناء القراءة، كنت أتساءل إن كان البرزخ فى هذه الرواية يمثل عالماً للموتى فقط، أم أنه يمثل حلماً قديماً يراود البشر جميعاً: أن يُنظر إليهم كما هم، لا كما يضطرون إلى الظهور.
من هذه الزاوية، لا يعود البرزخ مجرد مكان بين الموت والحياة، بل يتحول إلى استعارة للحرية القصوى؛ حرية متأخرة لا تتحقق إلا عندما يصبح الإنسان غير مُطالب بالدفاع عن نفسه أمام أحد.
الأب / الجرح الخفى
على امتداد الرواية، وبين كل الحكايات التى يرويها الموتى، ظل هناك خيط خفى يشد البطل إلى عالم الأحياء: الأب.
وربما كان هذا أكثر ما أثار انتباهى أثناء القراءة.
فالأب المصاب بالزهايمر لا يحتل مساحة كبيرة من الأحداث إذا نظرنا إلى الرواية من الخارج، لكنه يحتل مساحة هائلة فى وجدان البطل. وبينما ينشغل الجميع باستعادة ماضيهم، يبقى هو مشغولاً برجل تركه خلفه وحيداً.
هنا تحديداً تتحول الرواية من تأمل فى الموت إلى تأمل فى الذنب.
فالبطل لم يكن يخاف البقاء فى المقبرة فقط، بل كان يخاف أن يعود متأخراً. كان يحمل فى داخله شعوراً ثقيلاً بأنه ترك أباه فى أكثر مراحل حياته هشاشة، ومضى وراء سفره وحياته الخاصة.
ولعل أجمل ما فى معالجة الرواية لهذه العلاقة أنها لا تقدمها بصورة مثالية أو عاطفية زائدة. إنها علاقة إنسانية بكل ما فيها من محبة وتقصير وندم وارتباك. علاقة ابن يكتشف متأخراً أن الزمن الذى يملكه مع أبيه أقل مما كان يتصور.
ولذلك لم أستطع النظر إلى مرض الزهايمر فى الرواية باعتباره مجرد تفصيل طبى. بدا لى وكأنه استعارة أخرى للفقد. فالأب الذى تتآكل ذاكرته تدريجياً يشبه عالماً بأكمله يتسرب ببطء من بين الأصابع. ومع كل ذكر للأب كنت أشعر أن الرواية تطرح سؤالاً صامتاً لا يتعلق بالموت وحده، بل بالعلاقات التى نؤجلها ظناً منا أن الوقت ما زال يتسع لها.
الزمن وفاجعة التأخر
تبلغ الرواية ذروتها الإنسانية عندما يُسمح للبطل بمغادرة البرزخ والعودة إلى الحياة لفترة محدودة. طوال إقامته فى المقبرة كان يعتقد أن ما يفصله عن أبيه مجرد مسافة يمكن اجتيازها. كان يتخيل أن الفرصة ما زالت متاحة، وأن العودة قادرة على إصلاح ما انكسر.
لكن الرواية تفاجئه ـ وتفاجئ القارئ معه ـ بحقيقة أخرى. يعود إلى الحى، فيجده مختلفاً. ويصل إلى البيت، فيكتشف أنه تحول إلى مكان مهجور يعلوه الخراب. كل شيء يوحى بأن زمناً طويلاً قد مر فى غيابه.
تباطأت قراءتى عند هذه الصفحات الأخيرة. ليس لأن الحدث مفاجئ فحسب، بل لأن الخراب الذى وجده البطل لم يكن خراب بيت فقط. كان أشبه بالوصول متأخراً إلى كل شيء.
هنا يتحول البيت إلى أكثر من مكان. يصبح صورة مادية للزمن حين يواصل عمله بصمت، بينما نظن نحن أن الوقت ما زال ينتظرنا. ويصبح الخراب الذى يملأ الغرف والساحات مرآة لفكرة أكثر قسوة: بعض الأشياء لا تضيع دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء إلى أن نعود فلا نجدها.
فى هذا المشهد تحديداً شعرت أن الرواية تغادر سؤال الموت لتطرح سؤالاً آخر أكثر إيلاماً: ماذا نفعل حين نكتشف أن ما كنا نريد إصلاحه قد صار ينتمى إلى الماضي؟
وربما لهذا السبب بدا لى البيت المهجور أكثر حضوراً من المقبرة نفسها. فالمقبرة كانت مكاناً للاعتراف، أما البيت فكان مكاناً للمواجهة. مواجهة الحقيقة التى لا يستطيع أى اعتراف أن يغيرها: أن الزمن لا يعود إلى الوراء.
الذاكرة والنسيان وحدود الاحتمال الإنساني
إلى جانب الزمن، تفتح الرواية باباً آخر لا يقل أهمية: باب الذاكرة والنسيان. فالبطل يُحذَّر من أن العودة إلى الحياة قد تعنى فقدان ما رآه فى البرزخ، وأن تلك التجربة الاستثنائية قد لا يبقى منها سوى أثر باهت يشبه الحلم. ولذلك علينا أن نتوقف طويلاً أمام معنى النسيان. فنحن غالباً ما ننظر إليه بوصفه نقصاً أو ضعفاً، لكن الرواية توحى بإمكانية النظر إليه بطريقة مختلفة. ماذا لو كان النسيان أحد الشروط التى تجعل الحياة ممكنة؟ ماذا لو أن الإنسان لا يستطيع الاستمرار حاملاً كل جراحه وأخطائه وخساراته بدرجة الوضوح نفسها؟
الحقيقة الكاملة تبدو فى الرواية امتيازاً للموتى أكثر مما هى امتيازاً للأحياء. أما الأحياء فيحتاجون إلى قدر من الغموض، وقدر من النسيان، وربما حتى إلى بعض الأوهام الصغيرة كى يتمكنوا من مواصلة العيش.
ومن هنا يتجاوز البرزخ معناه الدينى أو الميتافيزيقى المباشر ليصبح استعارة لحالاٍت إنسانية كثيرة نعبرها فى حياتنا. فكم من مرة وجد الإنسان نفسه فى برزخ بين ماضٍ لا يستطيع العودة إليه ومستقبل لم تتضح ملامحه بعد؟ وكم من مرة احتاج إلى النسيان كى ينجو من ثقل ما يعرف؟
لا تقدم رواية «رأيتَ ما لا يجوز لك» تصوراً تقليدياً عن الموت أو البرزخ، بقدر ما تستخدمهما أداة للتأمل فى الإنسان نفسه: فى رغباته الخفية، وفى مشاعره التى يخجل من الاعتراف بها، وفى علاقته المُعقدة بالذاكرة والزمن والندم.
وبعد إغلاق الرواية، لم يبقِ السؤال بالنسبة إليّ: ماذا رأى البطل فى عالم الموتى؟ بل ماذا سيحدث لو أُجبر كل واحد منا على مواجهة نفسه بذلك القدر من الوضوح الذى واجه به موتى طارق الطيب ماضيهم؟ هل نحتمل الحقيقة كاملة؟ أم أن شيئاً من النسيان، وشيئاً من الغموض، وشيئاً من الأقنعة، هو ما يجعل الحياة ممكنة أصلاً؟
ابعت لى جواب!
الأشجار ما زالت تمشى: جدلية الذاكرة
الفنان .. فى زمن الكيتش






