الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى

رؤية اجتماعية انتقادية
رؤية اجتماعية انتقادية


محمد صالح الشنطى

تضم المجموعة القصصية «الرجل الذى لا يُقطع لسانه»، الصادرة عن دار عرب للنشر والترجمة، للكاتب عبد الله الدحيلان عشرين قصة متفاوتة الطول، فبعضها يتكون من أكثر من صفحة فى عدة مقاطع مُرقّمة، والبعض الآخر لا يتجاوز السطور، ولعل من المفيد البدء بالقصة المحوريّة التى تحمل عنوان المجموعة، فهى العتبة الأولى التى يمكن أن تقود القارئ إلى مجمل النصوص القصصيّة فى المجموعة، وليس ثمة شك فى أن القصة تحمل بُعداً رمزيّاً، فهى أقرب إلى الأمثولة (الأليجوريا) ولعل المؤشر الأول للرؤية فى هذه المجموعة يتمثّل فى المقدّمات المقتبسة من أقوال وحكم استقلت كل عبارة منها فى صفحة، وتضم دلالات عامة، إذ لا تتعيّن فيها الأسماء ولا الأماكن؛ بل تقتصر على الصفات والمواقع؛ فهناك الوالى والمساعد والثرثار، فالقصة تقوم على رؤية شديدة الوضوح تتمثّل فى غلبة المصلحة وانقلاب الموازين ونكران الحق واستثمار القوة، مما يذكرنا بمقولة (ميشيل فوكو) عن ارتباط الخطاب بالقوة والسلطان .

وفكرة الصمت وسلطة الخطاب تتكرّر فى كثير من قصص المجموعة؛ ففى قصته «الغربان» ينحو الكاتب المنحى ذاته فى بيان كتم الأصوات، يشير إلى ذلك بطل القصة الذى ظلّ مستلقياً فى فراشه ليصحو ليجد من حوله قد فقدوا القدرة على الكلام وأُغلقت أفواههم؛ وكان فى غفلة عن هذا الحدث حتى إذا فتح فمه وخالف ما هو سائد من عجز عن الكلام اتُّهم بالخيانة؛ مستدعياً قصة قابيل وهابيل؛ فالقصة محتشدة بالسمة الرئيسة فى هذا الفن القصصى وهى التوتر والأزمة؛ حيث تختتم بوسم المتحدث «المخالف لما عليه القوم» بالخيانة إذ تنقلب المعايير فى مفارقة ساطعة، فوحدة الانطباع التى هى خاتمة المطاف تتمثل فى هذه الرؤية الواضحة، حيث أقفل باب الكلام وعمّ الصمت، وبدت الرؤية واضحة مشيرة إلى الغفلة والصمت والظلم وجماليات القصّة تتبدى فى مقدّمة مُلغِزة تصوّر نموذجاً اجتماعيّاً سلبيّاً غافلاً عما حوله، حتى إذا افاق من غفلته وجد كلّ شيء من حوله وقد تغيّر، والقصة تنطوى على «غرائبية» مقصودة محمّلة بالرمز مثقلة بالتأزّم.
 وفى هذا الاتجاه وعلى هذا النحو تأتى قصة «السائل» حيث يأمر رئيس الشرطة بأن يمشى السائل محدودب الظهر كغيره؛ فالسؤال ممنوع والخطاب السائد هو خطاب القوة، وكما سبق فى القصة السابقة؛ فالنطق بما يخالف المطلوب خيانة تستحق العقاب، وليس ثمة ما يسوّغ الكلام بغير ما يأمر به صاحب الصولجان حتى ولو كان أمراً مُهيناً وخضوعاً مذلّاً، ومع هذا الطقس الاجتماعى المخالف لنواميس الطيعة فى غرائبية واضحة «لا معقولية الحدث» يوصف ذلك فى مفارقة صارخة تتمثل فى إطلاق وصف «عام الحكمة» على كل ما انطوى عليه من الإذلال.
 وفى قصة قصيرة جداً تحت عنوان «الأشقاء» تتجلى المفارقة الفاضحة حيث يشجر الخلاف بين المجموعة لحدث يبدو عفويّاً يتمثل فى لمس مؤخرة أحدهم دون قصد، ويتم التصالح والعودة إلى الوئام فى الغرفة المغلقة؛ حيث يُفهم من ذلك ما هو مسكوت عنه من تجاوزٍ لمجرد اللمس بدون قصد إلى إتمام الفعل بالاتفاق وعن طيب خاطر كما يمكن أن يفهم إيحاءً وكأنه كان أمراً مرغوباً فيه وكان الاحتجاج عليه ضرباً من ضروب التمويه، وهذه النزعة الانتقادية تتدلى فى نهاية القصة وفى لحظة التنوير.
 وفى قصة «الأسقف المشوّهة» يتبدى نهج الترميز والتمثيل بشكل واضح، إذ لجأ فيها الكاتب إلى البناء المقطعى الذى ينهض على توالى المشاهد فيما يشبه الشريط السينمائي، ويمضى فى اتجاه آخر مختلف يحاول فيه استبطان سيكولوجية المرأة وعلاقتها بالرجل؛ وهو موضوع جدير برواية كاملة؛ ولكن الكاتب يعالجها فى فقرات مشهديّة ثلاث ليفضى إلى انطباع موحد حول العلاقة بين الرجل والمرأة، ويحرص على أن يكون السارد مرة بلسان الراوى العليم، ومرةً أخرى على لسان المتكلم وهو المرأة؛ وهو هنا يعمل على تطوير منهجه فى استثمار الرمز وبناء المفارقة فيلامس تخوم التجريد فى الفكرة التى يعالجها، فالأسقف المشوهة التى تستحوذ على اهتمام المرأة توحى بتشوه العلاقة بين الرجل والمرأة، والباب المفتوح الذى تنكشف فيه عورة الرجل لها إيحاءات دلالية متعددة تتمثّل فى الكشف عن شهوانية الرجل وانحسار البعد العاطفى الذى يعتبر قوام الحياة الزوجية الحميمة مع مرور الزمن، وتضحية المرأة التى تفقد سحرها بمجرد أن تحمل من الرجل؛ حيث ينحسر البعد الوجدانى ليحلّ محلّه الجانب الشهوانى والمادي، وهى رؤية تأتى على لسان المرأة، وتتمثل فى مفارقة وجوديّة ورؤية انتقاديّة واضحة فى أبعادها الواقعية ورؤيتها التخييليّة.
 وفى هذا الإطار من التشكيل الفنى فى القصة «البناء المشهدي» تأتى قصة «أصحاب السعادة» التى تروى على لسان المتحدث بضمير المتكلم؛ ولكنها كما اعتاد الكاتب تنهض على التمثيل عبر ما يمكن أن يسمى بالتخييل: والنزعة الانتقادية فيها شديدة الوضوح كما هو الحال فى مختلف النصوص فى هذه المجموعة؛ إذ يحاول الكاتب أن يصرف نظر القارئ عن التخصيص والتعيين والتأويل فيأتى بها على لسان الراوى المشارك: فيومئ إلى سلوك طائفة من أصحاب النفوذ الذين يهتمون بالمظاهر ويحرصون على أن يكونوا من أرباب الأبهة؛ وكذلك سلوك المنافقين من يتزلفون لهم فيتوسل بتقنية المشاهد الذى تتبدى فيها خريطة الرؤية وتتشكل عبر حركة السرد من خلال هذا النمط من البناء، وهى – هنا- تتكوّن من ثلاثة مقاطع: المقطع الأول يرسم فيه مشهد التحضير للاستقبال ومعاناة الوقوف والانتظار، والمشهد الثانى على لسان الراوى المشارك الذى يصف ويعلّق ويعقّب، والمشهد الثالث يتبيّن فيه سلوك الزائر الوجيه واستعلائه واستخفافه، والمفارقة تكمن فى النهاية فى السطور الثلاثة الأخيرة حيث يتهامس أصحاب الحاجات بما هو مسكوت عنه إذ تنكشف السرائر وما يخفيه الباطن خلاف الظاهر.
 وتذكّرنا قصة «الغابة» فى كتاب «كليلة ودمنة» الذى ترجمه ابن المقفع عن الفهلوية واحتوى على مجموعة من القصص الخرافيّة لأغراض إصلاحيّة تربويّة وأخلاقيّة، وشخصياته من الحيوانات؛ فالأسد يلعب دور الملك فى الغابة ويرمز للإنسان المُتعجّل وخادمه ثور يرمز إلى التابع، وكليلة ودمنة هما اثنان من الحيوانات يرمزان إلى المكر والخديعة، وفى هذه القصة يستولى الحمار على عرش الأسد، ينازعه الأمر الفيل والتمساح والدب ويؤازره الذئب، وتنقسم حيوانات الغابة بين مؤيد لثورة الحمار ومنافس له على السلطة فى الغابة، وجاء الرأى السّديد على لسان السلحفاة التى حاولت إقناع الحيوانات بأحقيّة الحمار بهذا الموقع لمزاياه العديدة، وما أسلفه من خدمات لحيوانات الغابة، والسلحفاة كما وقد استسلم الجميع لرأيها ولكن الحمار ظل فى موقع المستخذى «وهو يرمز إلى الغباء» فشجّعته السلحفاة وأقنعته بمجرد النهيق ليفرض سطوته، وترمز السلحفاة إلى الصبر والحكمة والاستقرار ويضاف إلى ذلك الغدر أيضاً، وليس من شك فى أن الكاتب فى هذه القصة يقدم أمثولة رمزية جديدة يومئ بها إلى المرحلة التى مر بها الوطن العربى إبان «الربيع العربي»، ولعل المتلقى يفسر رموزها وفق ما يراه فى السياق الذى يفسّره، ولكن من الواضح أن ثمة معايير دلالية تومئ إلى تمثيل ذلك الواقع الذى بدأت أحداثه فى بداية العقد الثانى من هذا القرن، وفيه استلهام لما تمثله الحيوانات من معان فى تراثنا العربي؛ بل والعالمى أيضاً، ولا أظن أنه تجاوز محددات هذا الفن القصصى فمبدأ التوتر والتأزّم ماثل فى القصة فضلاً عن وحدة الانطباع، وكذلك السمة الفانتازية التى تتجلى فى تشخيص الحيوان الذى استبدله بالإنسان؛ وكذلك السمة التجريدية للرؤية والطابع التاريخى للحدث.
 أما تقنية اللقطة فى القصة القصيرة التى تقف على تخوم الفن القصصى القصير جدا فى قصة «حلم فتاة» تبدو أقرب إلى الغموض المُلغِز؛ فثمة مايدعو  إلى الالتباس فى الموقف؛ فهذا الاجتماع العائلى والشرح الذى تتولى تقديمه الفتاة وموافقة الأب، كل ذلك يوهم بأن المسألة تتعلق باختيار فى شأن مصيري؛ ولكن العبارة الختاميّة تخالف كل التوقّعات؛ فإذا بالأمر لا يعدو أن يكون بضاعة مزجاة، وهنا تتبدّى المفارقة بوصفها أداة فنيّة تكشف عن ظاهرة التفاهة والسطحية، والغموض سمة حداثيّة، ويبقى باب التأويل مفتوحاً بلا قيود.
 وأما المنحى الآخر فى التشكيل الجمالى فى هذه المجموعة فيتمثّل فى تقديم النموذج الذى يختزل جملة من الصفات تصوّر واقعاً ماثلاً أو سمة بارزة لنماذج من الشرائح الاجتماعية وثقافة الهيمنة وسلطان الشهوة، ويتبدّى ذلك فى قصة «عضو مبتور» حيث الحدث يُروى على لسان البطلة الأنثى التى تعرّضت للتحرّش؛ فإذا بها تُفاجأ بأن هذا الفعل يمثل ثقافة اجتماعية رجولية، حتى لمن تُناط به مهمة مقاومتها وهذه مفارقة أخرى؛ فالقاضى يصرُّ على أن تتولّى الفتاة الضحيّة سرد قضيّتها على الرغم من حَرَج موقفها؛ فيقوم هو والحضور بالتحديق فى مؤخرتها التى عبث بها المتهم، ويحملقون فيها بما يساوى الواقعة الى اشتكت منها الفتاة «إذ يتساوى القاضى والجاني» التى تتمنى لو تُبتر لتنجو من هذا التحرّش الذى تحوّل من جريمة إلى ثقافة، وفى ذلك تصوير لأقصى حالات اليأس من نيل العدالة المتوخّاة، والحبكة هنا دائرية تنتهى من حيث تبدأ وتومئ إلى إشكالية محورية تبقى بلا حلٍّ منظور. ومهما يكن من أمر فإن هذه المجموعة تنطوى على رؤية واضحة وتلتزم بمحدّدات هذا الفن وتنهل من معين التراث، وتستشرف بعض ملامح الآفات الاجتماعيّة وماهو مسكوت عنه، ويستثمر فيها الكاتب الغرائبية والفانتازيا والمفارقة عبر موقف انتقادى يتلمس فيه بعض جوانب الثقافة المجتمعية السائدة.