محمد خير
حدث أننى اخترت اللغة الفصحى لكتابة قصيدة عن أبي، هى «يظن أنه لا يزال حيا»، كتبتها – كما هو واضح من العنوان- بعد موته بقليل، ومع ذلك؛ حين كنت أستعد لنشر الديوان السابق على الديوان موضوع هذا المقال، وكان اسمه ديوانا بالعامية اسمه «المستحيل» (المرايا- 2023)، شعرتُ فجأة أن القصيدة ستكون أفضل تعبيرا باللغة العامية، هكذا لم يتحول النص إلى اللهجة المحكية فحسب، وإنما انزاحت القصيدة إلى صورة جماعية أشبه بحلم «فى الصالة/ قاعد بيفرّ الجرايد/ على ضوء الذكرى/ ومستغرب إن العناوين ما ببتغيّرش/ واحنا ساكتين حواليه/ بنبص لبعض/ خايفين نحكى له/ إنه مات».
بعد عامين، وأنا على مشارف نشر الديوان الجديد «شاعر أسود فى مدينة بيضاء» (الكتب خان- 2026)، وجدت القصيدة تعود إلى الفصحى مجددا، واكتسبَت، بالتبعية ربما، شيئا من مهابة تسللت نصًا إلى القصيدة «نزور البيت/ فى عين شمس/ فى حلوان/ فنجد أبى هناك/يقرأ الجريدة/ ويشكو من الأخبار التى توقفت فى الزمن/فنخشى-حتى فى الحلم- أن نخبره الحقيقة/ ونتطلع إليه/ كما اعتدنا/ بمهابة فى النهار/ وشفقة فى الليل».
لست معتادا – ولا غيرى فيما يظن – على تبديل النصوص نفسها بين الفصحى والعامية، كانت تجربة غريبة خرجت عن القاعدة التى تقول أن النص يفرض لغته، حتى وإن كانت تلك القاعدة لا تقصد اللغة بمعنى الأبجديات أو اللهجات. ويعرف كل شاعر، خصوصا فى زمن عدم الترحيب المؤسسى بنشر الشعر، أن القصائد تنتظر وتنتظر حتى تختلط ببعضها بعضا، أو ينسخ بعضها البعض الآخر، أو حتى تسقط كاملا فى النسيان، وقد حدث هذا إلى حد كبير مع قصائد «شاعر أسود فى مدينة بيضاء».
لأكون أمينا، لم يكن انتظار قصائدى للنشر قسريا، وإنما أخذتنى الرواية واندمجتُ فى القصص وروحت عن نفسى بكتابة الأغنيات، فضلا عن كفاح «لقمة العيش». وبين هذا وذاك كانت زخات الشعر تتساقط من حين لآخر فتبلل هذا الدفتر أو ذاك، حتى انتبهتُ، العام الماضي، أن عشرة سنين قد مرت على ديوانى الأسبق – بالفصحى- «العادات السيئة للماضي» (الكتب خان- 2015). حان وقت فتح الأدراج وتجفيف الدفاتر. وربما أيضا – بما أن الشعر يأتى من القلب- النظر لما جرى بداخلى فى هذه السنوات العشر. والتى ساهم فى تأخرى عن نشر الشعر خلالها، أننى لم أتصور أبدا أننى كتبت ما يمكن أن يكمل ديوانا للنشر. ولكن كانت تنتظرنى مفاجأة!
لقد أدهشتنى دائما علاقة الشعر بعدد الكلمات والمساحات البيضاء فى الصفحة. ديوانى النثرى الأول «هدايا الوحدة – ميريت 2010» لم يتجاوز حجمه كاملا أكثر من 900 كلمة! مساحة قد لا تزيد عما يحتاجه مقال متوسط الحجم على الإنترنت، لكنها – بالشعر – قد تصنع عالما وتعكس تجربة إنسانية، أو هكذا نرجو.
وهكذا، فى الأسابيع الأخيرة قبل معرض الكتاب الماضي، وجدت التجارب فى الدفاتر، مقسمة إلى ثلاث أقسام رئيسية على الأقل، بالطبع، حين تفصح الأوراق المتربة والمنسية عن أسرارها، فإنها لا تقدمها فى صيغة فصول وأبواب، وإنما يمكن لقارئها، وقبل ذلك كاتبها، أن يرى تمايز التجارب فيها، كما يّرى التمثال داخل الحجر.
اكتشفت إذن، أن ثمة ديوانًا، كنت قد جهزت عنوانه فى ذهنى قبل أن أعرف أنه اكتمل، «شاعر أسود فى مدينة بيضاء»، وهى عبارة تملكتنى حين كنت أمشى فى مدينة بيضاء للغاية هى آيوا الأمريكية، قبل ثلاثة أعوام أثناء منحة البرنامج الدولى للكتابة، إنها مدينة بيضاء بالثلج فى مقتبل الشتاء وبيضاء ببشرة سكانها وبيضاء بنظافة طبقتها المتوسطة. كنا نحن – المشاركون الأجانب/ الملونون والسمر/ نلمع بلوننا القاتم فيسهل تمييزنا بوضوح فى المدينة الناصعة، لكنى هناك أيضا لم أنسَ أننى غريب فى كل وأى مكان، كبقية الشعراء الذين أعرفهم هنا والذين التقيتهم هناك، ومنهم ومنهن من كانت «بسبب تاريخها فى الفقر/ تنظف غرفها فى الأوتيلات»، ومن كان عليه «أن يتخلى عن الإله/ كى يستطيع تقبل نفسه». هناك أيضا جربت لأول مرة شعور الشوق إلى ابنتى وبيننا المحيط، وكنت أجهز المزيد من «الأكاذيب» لها كى تصبر على أيام لم تكن تجيد عدّها بعد، تحول جزء منها فى الديوان إلى «أكاذيب من أجل الصغيرة»، أما حين عدت، فقد اكتشفت مرة جديدة كم هو يخدع الحب صاحبه حين «لم ينتبه فى حينها/ ثم وجد أنهما/ كانا متجاورين/ فى الصور الجماعية».
داروين طنطا: الشخصية بوصفها وعاء الأفكار
الرجل الذى لا يُقطع لسانه .. رؤية اجتماعية انتقادية وتشكيل جمالى
بادشاه .. مساءلة المسكوت عنه من البنى الفكرية فلسفياً وتأملياً







