بادشاه .. مساءلة المسكوت عنه من البنى الفكرية فلسفياً وتأملياً

بادشاه
بادشاه


د. حمزة قناوى

عند تأمل الرؤية التقليدية للقصة بوصفها مجموعةً من الأحداث يرويها الكاتب، تتعلق بشخصيات إنسانية على غرار ما يحدث فى حياة البشر ؛ فإننا نجد فن القصة فى وقتنا الراهن قد تطور عن ذلك كثيراً، وفى الوقت الذى نطرح فيه التساؤل حول التنازع ما بين الفنون السردية وبعضها بعضاً، بينَ فن القصة، والقصة القصيرة، والرواية، أيها يحتل مساحةً أكبر كماً وكيفاً، وعلى ما يبدو ظاهرياً - وهو ما يحتاج إلى دراسات إحصائية أكثر تعمقاً - فإن الغلبة فى وقتنا الراهن لفن الرواية، ربما لما تتيحه من مساحة أكبر للتعبير عن وجهات النظر والرؤى النقدية والفلسفية، ومناقشة القضايا العميقة

 فى الوقت الذى يفترض فيه أن أهم سمات القصة هى التكثيف والحدث الواحد، والغرض الواحد مقارنةً بالفنون السردية ذات المساحة النوعية كالمسرح والرواية، كما أنها تميل إلى فلسفة ترك الأثر القوى فى نفس المتلقى وفق المفارقة التى عادةً ما تختتمُ بها القصّة، فإننا نجد سعد القرش فى مجموعته القصصية «بادشاه»، الصادرة عن دار الشروق، يقدم حالة متفردة فى قدرته على تحويل القصة القصيرة إلى أداة للمناقشة الفلسفية، وطرح القضايا الفكرية الكبرى، التى ربما - وفق الرؤية التقليدية - تحتاج لمساحاتٍ هائلة لمناقشة قضاياها، حيث يقوم عبر مجموعته القصصية المكونة من عشر قصص بمناقشة قضايا الوجود والحياة والعيش والطبقات الاجتماعية وغيرها من القضايا.
نبدأ مع العتبة النصية الأولى للمجموعة، والتى جاءت متقنة باحترافية تؤدى دورها التواصلى على مستويات عدة، بدءاً من تحقيق عامل الغرابة وكسر المألوف وكسر المتوقع وجذب القارئ، مروراً بارتباطها بخدمة المحتوى الفلسفى للقصة التى تحمل هذا العنوان، فالمجموعة القصصية تستمد عنونتها من القصة الأولى التى تعد أكبر القصص حجماً، والمؤلف لم يدَّخِر جهداً فى الكشف عن مصدر عنونته، فبدأ بها، وفى سياقها تلك الكلمة الفارسية، التى تعنى لقب السلطان، وهى كلمة لم تعد معتادة الآن فى الثقافة العربية، ومن هنا فإن استعارة المؤلف لها استعارة مبنية على دقة اختيار، ومع ذلك فإنها فى سياق التسمية لشخصية (مختار بادشاه) فى القصة لا تحمل تلك المعانى الهندية والبوذية مِن مَعانٍ تصلُ إلى الملك أو الحاكم أو الامبراطور إلى مرحلة المعلم الروحى أو المعبود، فهى بقدر ما فى أصولها الفارسية والهندية تحمل صفة المقدس، وهو المقصود هنا فى جوهر القصة، فإذا ما فحصنا القصة عبر المعنى الكلى المستفاد لدى المتلقى منها، بعيداً عن تفصيلاتها الجزئية ما بين (سنية) و(مبروك) وإنقاذ (مختار الصياد) لهما، ثم تصاعد الحكى حتى يصل إلى مستوى متناصٍ مع الهالات المقدسة التى يمنحها بعض البشر لمن حولهما، وكيف يتحول فعل إنسانى بسيط مثل إنقاذ البعض من غرق فى النهر، إلى مرحلة تتناص مع أفعال الدراويش فى الموالد، لنرى أن القصة فى مجملها دعوة لمناقشة أفكار المقدس والأساطير، والتسليم بالقديم، حتى أنها فى مجملها تستعير أفكاراً تتناص مع الطوفان، والتقديس والتعظيم، وكيف تتحول مجرد أفعال اعتيادية مع الوقت إلى أفعال لها طقوسية خاصة، من الناس من يستفيد منها أيضاً لتحقيق مكاسب وعوائد، ومن الناس من يقوم بها وهو مقتنعٌ معتقدٌ مؤمنٌ بها، ومن الناس من يسير مثلما سار الآخرون، وقلة أولئك الذين يبحثونَ وراء الحدث نفسه، ووراء الأفعال التى تكتسب مع الوقت قوة البقاء دون القدرة على المناقشة أو الفحص والتحليل.
الأمر هنا إذاً ليس مجرد حكاية، فالحكاية لا يبدو بها أية أمور غريبة خارجة عن المألوف، بالعكس، الثيمة المصرية والهوية المصرية واضحة تماماً فى هذه الحكاية، نعاين هنا أشخاصاً عاديين ممن نلتقيهم فى الحياة اليومية، الوقائع العجائبية والغريبة لا تعدو فعلاً أو اثنينِ فى ثنايا القصة، أما باقى تفاصيلها فهى من الوقائع اليومية المعتادة فى الحياة المصرية، وملمح المصرية هنا واضح جداً فى مختلف قصص وحكايات سعد القرش، وسوف أعود لذلك بشكل أكثر تفصيلاً عند مناقشة قصة «ذاكرة المرايا»، بيد أننى أشير هنا إلى الخاتمة التى تأتى مفتوحةً، تُشيرُ إلى انزياح ما هو أصلانى لصالح ما هو غريب ووافد، فينتهى الأمر بالأغراب يبيعون أصحاب البلد المقارع التى يقرعون بها.
فى قصة «البحث عن الشيطان»، وبأسلوب درامى متراكب، يَتناولُ معضلةَ العلاقة العكسية بين الفضيلة وتوظيف الفضيلة، بمعنى استغلالها لكى تكون أداةً للدعايةِ والتكسب من خلالها، ترى ذلك الذى يتكسب من الدعوة إلى الفضيلة.. هل مصلحته فى استمرار وانتشار الفضيلة؟ أم فى الرذيلة؟ يبدو الأمر كالسؤال عن الطبيب، ترى لو أصبح جميع الناس أصحاء ومعافين، هل يكون ذلك فى مصلحة الطبيب؟ هل يحلم الأطباء حقاً بكامل وموفور الصحة للجميع، على نحو قد يهدد إمكانية تكسبهم وربحهم من معالجة المرض؟ هل يعنى ارتباط ربحهم بالمرض؟ سؤال فلسفى قد يبدو للوهلة الأولى بسيطاً، أو ربما ليس من الصواب طرحه، لكن عند التأمل فيه أكثر سوف نجد الأمر يحتاج إلى تفكيرٍ عَميق، دعونا نُعِد طرح الأمر عن خطيب الجمعة، ترى لو أصبح جميع الناس على معرفةٍ كاملة بدينهم على النحو الذى يغنيهم عن سؤال غيرهم فى مسائلهم الفقهية، أو يغنيهم عن احتياجهم لمن يعظهم، لو أصبح الجميع صالحين، هل يعد ذلك فى مصلحة الدعاة؟ أم أنه ينطبق عليهم المثل السابق ذاته أنه ليس من مصلحة الأطباء تعافى جميع الناس؟ فى هذه القصة يحكى عن رجل فقير، حصَّلَ بالكاد قدراً من العلم، أسماه (رمضان)، شاهدَ بعينه تعرُّض زوجته للإهانة والتعدى من الباقيات، ولم يملك أن يتدخل، وصل به الحال من البؤس والفقر لأن يعاين مؤخرة ابنه الدامية من التقاط الدجاج، وشغل زوجته بالروث لتصنع منه أقراصاً يمكن بيعها والتكسب منها، ثم فجأة، وبعامل المصادفة عندما يسوقه القدر ليقدم خطبة الجمعة ينقلب الحال، ويتحول إلى ما يشبه نجم المجتمع، تغدق عليه الأموال والهدايا، لكن دوام الحال من المحال.
لقد كان (رمضان) ناجحاً فى وعظه وفى خطبه لدرجة أنها أثرت على مجتمعه، فلم تعد هناك حاجة لهذا الوعظ، دون أن يدرى ساهم فى التضييق على نفسه! يُذكِّرُنا ذلك بحالة نجوم مشايخ الفضائيات الذين وصلت بهم الأمور لسكنى القصور واقتناء سيارات فارهة لا يمتطيها إلا الرؤساء والملوك، هل حقاً يؤدى العمل فى مجال الدعوة إلى ربح ومراكمة كل هذه المكاسب؟ أم أن فى الأمر شيئاً؟ بطريقةٍ تَحليليةٍ هَادئة، وعبرَ قِصة قصيرة، يطرح (القرش) الأمر للنقاش، منهياً القصة بمفارقة أن الشيخ الذى يدعو للفضيلة يقوم بتلفيق حادث سرقة مفبرك، حتى يجد هناك حاجة إلى استمرار الوعظ، وحتى يجد موضوعاً جذاباً لخطبة الجمعة القادمة، ورغم أن الظروف فى القصة تتجاوز حالة الواقعية التى يمكن معها أن تتحقق أركان القصة، لكن لا ننسى أن الهدف الأساسى للقصة تقديم المفارقة، وهنا يختار المفارقة على نحو فكرى تحليلى تأملي.
لا يؤمن سعد القرش بوجود سقف للإبداع، ولا محظورات أمام الكاتب فى طرح ما يراه، ومن هذا المنطلق يستمر فى النهج الداعى إلى تحليل الثوابت والتفكير فى المقدسات من وجهة نظر عقلانية، أو الإجابة عن الفجوات المفتوحة التى يمكن لأحد أن يلحظها، وفى قصة «مناجاة»، يقدم استبطاناً من زاويةٍ جديدةٍ، يخالف فيها المألوف التاريخي، والمستقر الثابت فى التفكير المقدس، فيتبنى وجهة نظر (وحشي)، الذى قتل عم النبى صلى الله عليه وسلم، وإعراض النبى عنه بعدما أسلم، ويعقد مقارنةً بينه وبين (بلال)، مستبطناً الحالة النفسية التى قد تكون أثرت عليه، على أية حال هى منطقة شائكة عبَّرت القصة عنها، وربما كان الواجب أن يستقصى القرش جوانب أخرى للموضوع، فلا يجوز الحكم، فى رأيي، من وجهة نظر وحشى فقط، ماذا عن المكانة والأثر اللذين كان يشغلهما عم النبى صلى الله عليه وسلم عنده؟ ماذا عن إمساك النبى لقدرته على إهدار دم (وحشي) وهو المتسبب فى قتل عمه؟ على أى حال هى منطقة شديدة الخصوصية وأتصور أنها من الصعوبة النقدية التحليلية بمكان.
فى قصة (الداخل) يبدو أنه يقوم بعمل معادل موضوعى لفكرة الحياة ذاتها، ودخول الإنسان إليها، وغروره بملذاتها واستمتاعه بمباهجها، ثم يُفاجَأَ فى النهاية بأنه محاسب عن كل ما فعله فيها، لينتهى الأمر به دفعةً واحدة فى تناص مع ما يشبه القبر والحساب وفتح كوة على الجنة أو النار، يختتم القصة بقوله: » ينغلق الباب فجأة، وتنفتح نافذة، حيث لا جدار، على حريق بلا حدود.»، ويطول الحوار فى هذه القصة مقارنةً بسابقتيها، ويحاولُ هنا عبر الحوار أن يصوغ الأمر كدلالة على عدم قدرة الإنسان الحقيقية على فعل حقيقي، إنه على ما يبدو مُسَيَّر فى أمره المحتوم، ومن ثم يطرح (القرش) بطريقة فانتازية، التفكير فى مدى المنطقية الممكنة من هذا، عبر الدعوة إلى حوار الذات، والتفكير فى الأمور الباطنة من قِبل الإنسان نفسه وبنفسه، هنا نشاهد كيف يتم استخدام البنية السردية نفسها كوسيلة دلالة، بيد أن هذا التمايز قد لا يظهر فى القصة بمفردها، بل اتضح فى الطريقة التى تختلف بها هذه القصة عن باقى القصص.
نمضى مع قصة «الفرارجي» التى يطرح فيها فكرة تصنيف الناس وفق أنسابهم، وهو الأمر الذى ليس لهم دخل به حقيقةً، فليس من إنسان مسئول عن نسبه، ولا يمكنه مهما فعل أن يغيره، ومن هنا وبطريقة تمزج ببين الفانتازيا والحكمة وتأمل الحياة، وعلى نحو من الحكمة، يعلم الأب ابنه (عبده) «نظرية البيض»، فيقول: » ... البيض حسّاس يا عبده، والناس بيض، والبيض ينفجر إذا صبّ عليه ماء ساخن، حتى دون الغليان، لكنه يحتمل الغليان لوقت طويل ما دام فى صحبة الماء البارد، (...) افهم يا عبده، الناس كذلك تزنهر وتغضب، تشتعل وتثور إذا فاجأها شيء فوق الطاقة، (...) خذ الناس باللين، خطوة خطوة، لا تطلب الشيء مرة واحدة...»، هنا نشاهد نوعاً من النقاش الذى يحلل واقع الناس، ورؤية المؤلف للأشياء من حوله، ويصوغها لنا بطريقة توحى بأنها نصيحة، بيد أنها فى الحقيقة دعوة للتأمل فى الكثير من مسارات الحياة وطرائق التفكير من حولنا، إعادة توجيه للعقل فى النظر إلى طلبات الناس، أو ضغوط الإعلام، الإعلانات، كافة الأمور التى توجه أفعال العامة، إنها تتم بهذه الطريقة عبر مجموعة من السبل المُمهِّدة، ثم الضغط المتوالي، ومتى زاد الضغط عن حده أدى إلى ما لا يحمد عقباه.
فى قصة «ذاكرة المرايا» والمهداة إلى روح القائد العسكرى «سعد الشاذلي» كأنه يبعث من جديد، ويناقش فى هدوء قضية حرب أكتوبر، ومآلاتها، ووجود قوات الأمم المتحدة فى سيناء، أما قصة «لو» فتمثل ذروة التكثيف السردى فى هذه المجموعة، حيث لا تتعدى بضعة أسطر، وتناقش وجع فراق الأم، ثم يعود (القرش) فى أقصوصته «سكين» لمناقشة وجع الفقراء، حيث الطفل الذى يحلم بأن يكون له حذاء خاص به، وأمام رغبته الجامحة تستجيب الأم لبيع الخروف فى الموسم الذى يمكن أن يربحا فيه بشكل أكبر، وبعد سرد معاين لوقائع تفصيلية، بطريقة تجعلنا نشعر بأننا نعيش مع هؤلاء البؤساء، تنتهى القصة بسرقة الأموال منهما، وضياع حلم كل من الطفل وأمه، بدلاً من النجاح فى تحقيق الحلم الذى طال، يتبخر كل شيء، وكأن الحياة ترسل مزيداً من العقاب على الفقراء، ربما لأنهم فقراء، ليستمر الطفل فى مواجهة الحفاء، وشعوره بالنقص أمام معلمته وزملائه.
 والحال نفسه كذلك فى قصة «عيد» حيث عالم من الناس الذين يعيشون معاناتهم الخاصة مع الفقر وعدم القدرة على العلاج، ويبرز المكان هنا بوصفه أساساً جوهرياً حيث وصف القرية ببعدها عن المدينة وخصوصية «سمنود» كما تظهر فى عدة قصص هنا، كما أن هناك ثمة ملاحظة جوهرية لا بد من الإشارة إليها متعلقة بالزمن، ليس الزمن الداخلى فى القصص، الذى يمكننا التوقف أمامه كثيراً فى طريقة بناء القصص التى عادةً ما تتبع الأسلوب الدائري، من البدء فى نقطة معينة، ثم العودة لنقطة أقدم منها، ثم العودة للنقطة الحالية التى عادة ما تكون قبل الختام الزمنى بقليل، ثم تقديم المفارقة الخاصة باختتام القصة، وإنما الزمن المتعلق بكتابة القصص نفسها، حيث حرص المؤلف على تدوين وقت تأليف كل قصة من هذه القصص، ليس ذلك فحسب، بل فى حالة نشرها، فإنه يوضح أين ومتى نشرت، وهناك قصص نشرت عدة مرات، بيد أن اللافت هنا هو الاتساع الزمنى الكبير بين أقدم قصص هذه المجموعة متمثلةً فى قصة «لو» عام 1987، والتى سنلاحظ أنها أصغر قصص المجموعة حجماً كما أشرت، وقصة «البحث عن الشيطان» فى أكتوبر 2025، والتى هى من أكثر القصص حجماً، فالفارق الزمنى هنا يصل إلى 38 عاماً بين أول قصة من حيث الكتابة، وبين أحدث قصة فى المجموعة، فما الذى دفع الكاتب فى هذا التوقيت – الذى ربما اشتهر فيه بالكتابة الروائية الطويلة أكثر من غيرها – لكى يقوم بإعادة نشر هذه المجموعة فى التوقيت الراهن؟ وإن كان هناك اختلاف واضح من حيث الصنعة الفنية، والبناء السردى والحبكة وغيرها من تقنيات السرد، تشير ولا شك إلى مدى تملك المؤلف لأدواته التى يستعملها فى عملية الخلق التعبيري، إلا أن الملاحظ وجود ثبات فى الرؤية الفلسفية، وفى كون (سعد القرش) ينظر للإبداع بوصفه عملية إعادة تحليل للقيم المجتمعية والروحية والدينية وتفكيكها، وإعادة النظر والتحليل فيها من جديد، إنه منذ طرحه الأول يميل لمناقشة المسكوت عنه، ووضعه – بهدوء – تحت المجهر، على نحو يجعل المتلقي، مثلما يعيش تجربة التشويق والجاذبية والاستمتاع بتقنيات السرد من وصف وشخصيات ومكان وأحداث وتوقع وتنبؤ وغيره من عناصر السرد، إلا أنه يعيد التفكير أيضاً من جديد فى القيم والمطلق والحياة والتراتبية الاجتماعية، حتى المكان يعيد النظر إليه من جديد فى ظل الطرح الفكرى والفلسفى والتأملى وهو ما زخرت به قصص المجموعة.