محمد جادالله
هذا ليس مقالًا عن أديب، بل عن لحظة إنسانية سرقها منه رمضان بعد التراويح مباشرةً كان حى الحسين يتبدّل، كأن الليل يخلع عباءته الثقيلة ويرتدى أخرى أكثر دفئًا الضوء يتكاثر فوق الوجوه، لا ليكشفها، بل ليمنحها سرًا إضافيًا، والمقاهى تشتعل بنورٍ أصفر خافت يشبه وهج الذاكرة.
صوت الملاعق يرتطم بالكؤوس فى إيقاعٍ منتظم، كأن المدينة تعزف موسيقاها الخاصة، والأطفال يركضون بفوانيسهم الصغيرة فتتمايل ظلالهم على الجدران العتيقة.
رائحة القهوة تمتزج بدخان السجائر، والهواء نفسه يبدو كأنه مشبع بحكايات تنتظر من يلتقطها. تخيّل أنك تقف هناك الآن، تراقب المشهد من زاويةٍ قريبة، وفجأة تمرّ خطوات هادئة، ليست مستعجلة ولا متباطئة، خطوات تعرف الطريق كما تعرف اليد طريقها إلى القلب.
لا ضجيج فى حضوره، ولا استعراض، لكنه حين يجلس يصبح للمكان مركز ثقل جديد، كأن الطاولة الخشبية المتآكلة صارت نقطة انطلاقٍ لعالمٍ كامل.
هنا لم يكن رمضان عزلة، بل حياة كاملة تمشى على قدميها. لم يكن يجلس إلى المكتب ليكتب، بل يجلس إلى الناس ليستمع.
المقهى لم يكن استراحة عابرة، بل مختبرًا سريًا للرواية، تتكوّن فيه الشخصيات كما يتكوّن العجين فى فرنٍ قديم، بحرارةٍ وصبرٍ وانتظار.
بين ضحكةٍ عالية واعتراضٍ حاد، بين حكايةٍ تُروى على استحياء وتعليقٍ ساخرٍ يمرّ سريعًا، كانت البذور الأولى لعوالم كاملة تُزرع دون أن يشعر أحد.
لم تُكتب الروايات بالحبر أولًا، بل بالإنصات؛ كان يصوم عن الضجيج المصطنع ليأكل من ضجيج الناس الحقيقى، يلتقط ارتعاشة يدٍ متعبة، نظرة قلقٍ فى عين شابٍ يبحث عن عمل، صمت امرأةٍ تخبئ وراءه عمرًا من التعب. تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن عنده هامشًا، بل كانت المتن، وكانت الحياة نفسها.
رمضان عنده كان زمن المشى. كان يمشى فى الأزقة الضيقة كأن قدميه تفكران بدل عقله، كأن الأرض تُملى عليه ما لا يُقال على الطاولات. كان يعرف أن الكتابة التى لا تلامس التراب تظل معلّقة فى الهواء بلا جذور.
لذلك كان يمشى طويلًا، يراقب الوجوه فى ضوء المصابيح القديمة، يسمع بائع العرقسوس وهو ينادى بصوتٍ مبحوح، ويرى الأطفال يضحكون ببراءةٍ تشبه المعجزة.
كان يخاف عليهم، كأن كل طفلٍ يركض فى الحارة هو شخصية لم تكتمل بعد، وأن العالم إن لم يُكتب كما ينبغى قد يبتلعهم دون أن يترك أثرًا. كان يرى فى الشارع مسرحًا، لكن المسرحية لم تكن خفيفة، بل مشحونة بأسئلة الفقر، والكرامة، والعدل، والرحمة.
فى تلك الليالى، بعد أن تهدأ الأصوات قليلًا ويستقر الجدل فوق الطاولات، كان الزمن يتباطأ كأنه يمنح الجميع فرصة إضافية للفهم.
لم يكن يتعجل الفكرة، ولم يكن يفرض على الحكاية نهايةً جاهزة كان ينتظرها حتى تنضج فى الداخل كما ينضج التمر فى أواخر الشهر.
الصيام لم يكن عنده امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناعًا عن التسرع وعن الأحكام السريعة.
كان يترك المشهد يمر عبر قلبه أولًا، ثم يستقر فى ذاكرته، ثم يتحول فى هدوءٍ إلى سطرٍ على الورق. هكذا ولدت الحارة من جديد، لا كديكورٍ أدبى، بل ككائنٍ حيٍّ يتنفس ويغضب ويحب ويخطئ.
تأمل لحظة الجلوس حول الطاولة: رجلٌ يضرب بكفه على الخشب احتجاجًا، آخر يضحك ساخرًا، ثالث يصمت كأن الصمت حجته الوحيدة.
شابٌ يندفع فى الكلام لأنه يخاف أن يُقاطَع، وعجوزٌ يتكلم ببطء لأنه يعرف أن أحدًا لن يستعجله. كل حركة يد، كل تغيّر نبرة، كل التفاتة عين كانت تُخزَّن بعناية.
لم يكن يسرق حكاياتهم، بل يمنحها عمرًا أطول مما يحتمله الجسد كان يعرف أن الرواية ليست اختراعًا من فراغ، بل إعادة اكتشاف لما نعيشه كل يوم ولا نراه. ومن هنا جاء سؤاله الذى كان يلاحقه فى صمت الليل: هل نكتب الناس... أم نعيش بينهم حتى يكتبونا؟
رمضان غيّر علاقته بالوقت كما غيّر علاقته بالناس النهار مساحة هدوء وتأمل، والليل حياة متدفقة لا تنام. كان يشعر أن الليل بعد التراويح هو الوقت الحقيقى للرؤية، حيث تسقط الأقنعة، ويجلس الناس كما هم بلا تكلّف.
هناك فقط تظهر الحكايات فى أكثر حالاتها صدقًا كان يدرك أن المدينة التى تبدو صاخبة نهارًا تتحول ليلًا إلى قلبٍ مكشوف، وأن الكاتب إن لم يجلس إلى هذا القلب فلن يسمع دقاته.
ولأن الحارة كانت عالمه الأول، لم تكن شخصياته مجرد أسماء على الورق، بل وجوهًا يعرفها جيدًا.
البقال الذى يفتح دكانه قبل الجميع، الشاب الذى يحلم بالهجرة، الفتاة التى تخبئ كتبها تحت الوسادة، العجوز الذى يروى حكايات الماضى كأنه يحرس الذاكرة.
هؤلاء لم يكونوا مادة خامًا، بل بشرًا يخاف عليهم. كان يخشى أن يتحول الشارع إلى قسوة، وأن تضيع البراءة فى زحامٍ لا يرحم. لذلك كتبهم بشيءٍ من الحنان الخفى، كأنه يمدّ لهم يدًا عبر الصفحات ويقول: لن تذهبوا سدى.
وعندما جاءت العاصفة ذات يوم، وحاولت يدٌ غادرة أن تُسكت صوته، لم يكن الصراع مع رجلٍ بعينه، بل مع فكرة. فكرة أن الحكاية قد تكون أخطر من الرصاصة، وأن الأدب إذا خرج من قلب الشارع يهزّ ما نظنه ثابتًا.
لكنه نجا، وكأن الحارة نفسها قررت أن تحميه. النجاة لم تكن بطولةً صاخبة، بل استمرارًا للرواية، واستمرارًا للإيمان بأن الناس يستحقون أن يُكتبوا كما هم.
فى عمق الليل، حين تخف الأصوات وتبقى أنفاس المدينة وحدها، كان يدرك أن الرواية بدأت فعلًا. ليست على الورق بعد، بل فى تلك اللحظة التى يرى فيها الإنسان أخاه الإنسان بلا أقنعة هناك، بعد التراويح، تبدأ الحكاية.
هناك يتغير معنى الصيام؛ لا يعود امتناعًا عن الطعام، بل امتناعًا عن القسوة وعن الغفلة. كان رمضان عنده كشفًا داخليًا ومصالحةً مع الناس، وتذكيرًا بأن الأدب إن لم يحرس الضعفاء فلا معنى له.
وربما لهذا لم يكن رمضان عنده موسمًا عابرًا فى الذاكرة، بل اختبارًا صامتًا للصدق.
اختبارًا يسأل فيه الكاتب نفسه قبل أن يسأل العالم: هل رأيت الناس حقًا، أم مررت بجوارهم كما نمرّ بجوار واجهات مضاءة ثم ننسى ما فيها؟ فى ليالى الحسين بعد التراويح تعلّم أن الرواية لا تُكتب لكى تُعجب النقاد، بل لكى تحمى ذاكرة الشارع من النسيان، ولكى تقول للوجوه البسيطة التى لا يلتفت إليها أحد: أنتم مركز الحكاية، لا هامشها.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







