بعد وصول روايتها «فوق رأسى سحابة» للقائمة القصيرة للبوكر العربية

دعاء إبراهيم: أنحاز للهشاشة الإنسانية.. وأتمنى أن أحصل على التقدير

دعاء إبراهيم
دعاء إبراهيم


حوار: إسراء إبراهيم


أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة باسم «البوكر العربية»، قائمتها القصيرة لدورتها التاسعة عشرة لعام 2026، والتى ضمّت رواية «فوق رأسى سحابة» للكاتبة المصرية دعاء إبراهيم.

تدور أحداث الرواية حول حكاية الممرضة «نهى»، التى تركها أبوها وهى طفلة ليتزوج من سيدة يابانية. تعيش الفتاة مع أمها التى تتنقل من زيجة إلى أخرى، لتتركها فريسة للاغتصاب الأسري.
 
مع تطور الأحداث نجد بطلة الرواية «نهى» تقوم بقتل مرضاها وكل من يحاول أن يكون صديقًا أو حبيبًا تنتقل إلى اليابان هربًا من جرائمها، لكنها لا تهرب من «نهى» نفسها. 

رواية نفسية تطرح العديد من التساؤلات حول قضايا الاستغلال الجنسى للأطفال، وتتناول العديد من الرؤى حول مفهوم الخير والشر، تدفع القارئ لإعادة التفكير بأسرار النفس البشرية ومصائرها المعقدة.

وبمناسبة وصولها للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، أجرت «أخبار الأدب»، حوارا مع الكاتبة والروائية دعاء إبراهيم.



حدثينا عن شعورك بوصولك إلى القائمة القصيرة للبوكر فى بداية مشوارك الأدبى ككاتبة شابة؟

الوصول إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية كان لحظة امتنان خالصة، وخصوصًا أننى كنت أمرّ بظروف حياتية صعبة. لم أتعامل معه كانتصار، بل كمسئولية. شعرت أننى مطالبة بأن أكون أكثر صدقًا مع نفسي، وأكثر وفاءً للصوت الذى أكتب به.

هل يمكن للجوائز أن تؤثر فى مستقبل الكاتب وتجربته بالإيجاب أو السلب؟ وهل تنعكس على أسلوب كتابتك؟

الكاتب ابن بيئته وظروفه الحياتية، وهو يكتب من واقع خبراته. الجوائز فى هذه اللحظة لم تعد ترفًا أو تفصيلة زائدة عن المشهد الثقافي. ففى ظل نظرية «موت المؤلف» التى ظهرت بقوة فى ستينيات القرن العشرين، وترتبط أساسًا بالمقال الشهير الذى كتبه الناقد الفرنسى رولان بارت عام 1967  وهى لا تعنى موتًا حرفيًّا، بل موت سلطة المؤلف على تفسير نصّه وكذلك مع تفكيك احتكار الناقد للمعنى، واعتبار القارئ عنصرًا مكملًا ومشاركًا فى عملية التلقي، والحديث عن أن الناقد يشهد اليوم موتًا شبيهًا بموت المؤلف كما يوضح رونان ماكدونالد فى كتابه «موت الناقد» (ترجمة فخرى صالح)، صارت الجوائز جسرًا يعبر بنعومة بين النص والقارئ دون أن تمتلك سلطة مباشرة.

وأذكر هنا أن الجوائز تقدم طرحًا فنيًا قد يختلف أو يتفق حوله القراء، وهو ما يجعل مسئوليتها مضاعفة؛ لأنها قد تنتصر للفن على حساب الرواج أو القبول المجتمعي. وربما عليها أيضًا أن تساهم فى تطوير وصناعة ذائقة جديدة، تعتمد على مساهمة القارئ والناقد «خارج اللجنة»، والكاتب أيضًا، الذى هو قارئ فى الأساس.

أما عن أثر الجوائز فى حياة الكاتب، سلبًا أو إيجابًا، فأعتقد أن الإجابة البسيطة ترجح إنها تؤثر إيجابًا؛ إذ تضعه تحت الأضواء وتمنحه التقدير الذى يستحقه. هذه إجابة مباشرة ومنطقية إلى حد كبير.

لكن السؤال هنا أكثر تعقيدًا  وخصوصًا حين نناقشه فى إطار واقع الفنان الهش شديد الحساسية الذى يتأثر أحيانًا بالتقدير والإشادة، كما يتأثر بغيابهما، وكأن لهما الأثر نفسه.

ولا أتحدث هنا عن أثر اللحظة الآنية للجائزة، بل عن أثرها الممتد عبر سنوات. بعض الكتّاب عانوا من صعوبة فى تجاوز أثر الجائزة أو العودة إلى أنفسهم بعيدًا عن الجموع، والبعض الآخر ارتاب وتشكك فى مشروعه، وسيطر عليه الخوف من العمل الآتى بعد جائزة رفيعة. وأذكر فى ذلك قصة الكاتب الكبير إرنست هيمنجواى مع جائزة نوبل؛ فقد حصل عليها عام 1954، ورغم المجد العالمى عانى فى سنواته الأخيرة من اكتئاب حاد وتدهور صحى وشعور بأن قدرته الإبداعية تخونه، وفى عام 1961 أنهى حياته بنفسه.

هذه المفارقة  بين ذروة الاعتراف العالمى والهاوية النفسية  جعلت تلك القصة جزءًا من أسطورته الأدبية. فى النهاية، أتمنى أن أحصل على ما أستحق من تقدير واعتراف، دون أن أفقد نفسى فى الطريق ذاته.

رواية «فوق رأسى سحابة» مليئة بالحزن والمأساة، كيف استطعتِ التعبير عن هذه المشاعر بهذا القدر من الدقة؟

حاولت أن أتجسد الشخصية قدر المستطاع، وأتلبس صوتها ووجهة نظرها فى الحياة كنت أستمع إلى «نهى» داخلي. وفى لحظة ما، بعد أن انتهيت من الرواية، شعرت بالرعب وسألت نفسي: كيف وصلت إلى تلك النقطة الحالكة شديدة السواد داخل الشخصية؟

تدور أحداث الرواية حول قضية اعتداء جنسى على طفلة فى الثانية عشرة؛ هل تأثرتِ بتكرار مثل هذه القضايا فى الواقع؟ وكيف ينعكس ذلك على حياة الضحايا؟

بالتأكيد تأثرت. فالاعتداء لا ينتهى عند اللحظة نفسها، بل يتحول إلى سحابة ثقيلة فوق رأس الضحية، ويؤثر عليها فى نواح عدة، فى الثقة، وفى صورة الجسد، وفى القدرة على الحب. حاولت فى الرواية ألا أتعامل مع الحادثة كواقعة عابرة، بل كخلفية تعيد تشكيل الروح. كانت الكتابة محاولة لفهم آثار الصدمات. 
 

بصفتكِ أمًا، هل قرأ أطفالك العمل أم خشيتِ من تأثيره النفسى عليهم؟ وهل ترين أن الواقع، بعد قضية إبستين، أصبح أكثر قسوة وفزعًا من الرواية؟

الرواية ليست للأطفال. قد أدعوهم لقراءتها حين ينضجون ويصبح لديهم الوعى الكافى للتعاطى مع موضوعاتها.

أما عن الواقع، فقضية «إبستين» كشفت أن الرعب ليس خيالًا أدبيًا، بل منظومات كاملة تدير الشر وتبرره، أحيانًا يكون الواقع أكثر قسوة من الرواية؛ لأن الفن يحمل فى جوانبه صورًا جمالية حتى وهو يصف القبح، وهو ما يصعب إيجاده فى الواقع حين يكون قبيحًا.

ما كواليس كتابة الرواية؟ وما سر ارتباطها باليابان؟

اليابان فى الرواية ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل حالة شعورية انجذبت إلى الفلسفة اليابانية فى التعامل مع الموت والانتحار، وكانت بالنسبة إليّ بوابة عبور إلى عالم يُنظر فيه إلى الانتحار بوصفه شرفًا أو تكفيرًا عن خطيئة ما.

هل لديكِ مشروع أدبى واضح المعالم؟ وما الذى تتمنينه له بعد عدة سنوات؟

مشروعى الأدبى  إن جاز التعبير هو الانحياز للإنسان فى لحظته الهشة. أكتب عن تلك اللحظات فى محاولة لفهمها. أتمنى بعد سنوات أن أجد نفسى لازلت مخلصة لهذا الصوت ، وأنه صار مع الوقت مدوّيًا ومسموعًا.

هل يؤثر العيش فى أكثر من بلد على أسلوب الكاتب وطريقته فى الكتابة؟

بالتأكيد. الغربة تمنح الكاتب رؤية مزدوجة؛ يرى الأشياء بصورة أعمق وأبعد المسافات تعيد تعريف الهوية، واكتشاف اللغة باعتبارها سؤالًا نحن نحمل أوطاننا معنا فى حقائب سفرنا ونحاول فى كل أرض نذهب إليها أن نمد جذورنا فى تلك الأرض كأننا نخلق الوطن من جديد ونعيد تعريفه. 
 

 كيف أثّر عملك فى مجال الطب والجراحة على تجربتك الأدبية؟

الطب علّمنى الإصغاء. فى التعامل مع المرض هناك لحظة صمت كثيفة تشبه لحظة الكتابة. كلاهما يتعامل مع الهشاشة والضعف البشري فى الطب نحاول إنقاذ الجسد بديناميكية اللحظة، دون مساحة للتأمل، أما فى الأدب فأحاول فهم وتأمل ما عشته كطبيبة، وكأننى أعيد معايشة الحياة بصورة أدق وأعمق وأكثر شجاعة.

فى الكتابة يمكننى أن أقول على لسان الطبيب: «أنا خائف» أما فى الواقع، فسأخفى هذا الخوف عن عيون المرضى المتشبثة بى كأننى أملهم الأخير.

فالطب بالنسبة إليّ هو الحياة، والكتابة هى تأملها بلا مواربة أو خوف.

كيف رأيتِ ردود فعل القرّاء على الرواية قبل ترشحها للجائزة؟ وهل كانت مؤشرًا توقعتِ من خلاله وصولها إلى قوائم الجوائز؟

ردود الأفعال كانت عميقة ومؤثرة؛ فالنص يخرج ناقصًا حتى يكمله القارئ. 

حين يخبرك قارئ أن الرواية أربكته، وأنه لم يستطع النوم حتى أنهى قراءتها، وقتها تشعر أن العمل وصل إلى غايته.


أما الجوائز، فلا أتعامل معها كتوقع. أكتب لأن الكتابة بالنسبة إليّ مسألة حياة أو موت. سأكتب إن حصلت على جوائز، وسأكتب إن لم أحصل عليها. وأرى فى تفاعل القراء جائزة قائمة بذاتها، وربما كان إيمانى العميق بالفن هو ما مهّد الطريق إلى الجوائز دون قصد.