الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى

الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى
الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى


محمد البـٌرمى

يحدث أن تقودك الصدفة إلى طرق لم تتوقع أبدًا أن تسير بين جنباتها، فى وقت تظن فيه أنك تُمسك بتفاصيل حياتك، تعرف الطرق التى تريد السير منها وتجيد لعبة السيطرة، تشيد حياة على أسس تعرفها جيدًا، وتستنسخ من نفسك شخصيات تلائم تحولات الفترات الزمنية المختلفة، ثم فى لحظة عابرة، بخطأ صغير أو خطيئة مكررة، ترى حياتك تمر أمامك كشريط سينما، تدرك معها أن السيطرة على الحياة وهم، وأن الهشاشة تختبئ خلف كل قسوة.

فى هذه الظروف الغريبة والسريعة تظهر «رباب»، نسخة أخرى تشبه تمامًا البطل صاحب النفوذ الصاعد، لكنها نسخة أكثر وضوحًا تواجه الحياة بوقاحة لا تهتم بأوهام السيطرة لأنها تعرف أنها وهم، تتعامل مع الحياة بندية، تضع دستورها هى الأخرى لكنه عكسه تمامًا كأنها الشخصية التى كان يجب أن يكون عليها قبل أن يغير جلده ليعيش بشخصية أخرى تناسب العصر والحياة التى يرى أنها تناسبه، حيث أضواء السياسة والصحافة والأماكن الفخمة.

تجعله «رباب»، يضع يده على جروحه، يعيد تقييم فلسفته البائسة، يرى كيف كانت حياته قبل سنوات وكيف حلم بتغييرها من رحلة القرية إلى ميادين الثورة، ثم سريعًا على الجهة الأخرى فى محاولة للحاق بالركب.

تدريجيًا يصبح جزءًا من عالم كبير أكبر منه، لكنه سايره، كما ساير أباه فى الماضي، فى محاولة لإصلاح علاقته بأخوته، لكن الإنسان لا يختار من يحبه حتى لو كان الدم واحدًا، فقد يكون التنافر فى الدم نفسه.

رحلة يقطعها بطل «الأناشيد للآلهة»، (دار الشروق من نقطة «شيرين»، تكشف هشاشة علاقته بالعائلة التى ولد فيها، والعائلة التى اختارها يرى حياته من جديد تنهار بين يديه، يقرر إصلاحها، يقرر ألا يتنازل بعد الآن.. أن يختار الحب طريقًا، أن يصلح الحياة التى أفسدها بيده، ثم فى لحظات المراجعات والتغيير يكتشف أنه، ولمرة أخيرة، يحتاج لتنازلات جديدة يرضخ لها كى ينقذ حياته - الحياة التى تحاصرها الشياطين- وتغيب عنها الملائكة، فيبدأ رحلة جديدة، وحين يعود بحثًا عن الحب والأمن يكتشف أن القطار قد فاته، ليضع حياته من جديد بين رهانين ويترك الحكم للنهر.

كل منّا يبحث عن وسيلة فى هذه الحياة العابرة كى يعيشها بسعادة وليس رضا، أن يكون لديه فرصة لمحو خطاياه، يفهم كيف يزيل هذا اللبس بين الأشياء وعكسها، السعادة والرضا، الحب والكراهية، الخطيئة والتطهر، الغواية ومقاومتها، كيف يمكنه الوصول للأشياء التى يسعى دون تنازل وكيف يقاوم الحياة لا أن يجاريها وكيف يتمسك بالحب الحقيقى بدلًا من الظاهري.

فى «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى»، كما كنت دائمًا أرفض الأحكام وأفضل وضع الأشياء على صورتها الحقيقية، هذه الرواية أيضًا كتبت مصادفة بعد أن كنت قررت كتابة مشروع آخر وشرعت فيه وخطوت خطوات ليست بالهينة، لكنني.. وفى لحظة ما قادتنى الصدفة لتغيير وجهتي، سيطرت عليّ بالكامل حتى خرجت الرواية للنور، وهذا ما أقصده «صدفة قد تغير كل شيء، وربما للأبد».

من أجواء الرواية

كم نسخة منك تحتاج أن تستنسخ لتعيش؟ لا أعتقد أن الإنسان يستطيع العيش بنسخة واحدة هذا ما صرتُ أومن به، لذلك أحب عادةً خلق شخصيات أخرى قادرة على التكيُّف مع الحياة، وفى سنواتى الأخيرة تنقلتُ بين شخصيات مستنسخة، جميعها لا تشبهني، بعضها تواطأ معي، وبعضها عذبني، وبعضها وقف على الحياد بلا مبالاة.

لم يُنقذنى من نفسى شيء إلا حين قررتُ أن أتصالح معها، ولا أزال أحاول، كان العالم من حولى دائمًا قاسيًا، وأنا معه أزداد قسوة، الحياة نفسها لم تكن سهلة أبدًا. أبنى كما يبنى النمل أعشاشه، وتدهس الحياة ما بنى، تأخذ الجمل بما حمل وتُخرج لسانها لي.