زكى عكاشة يطرد توفيق الحكيم ومحمود طاهر لاشين يجمع حروف كتابه الأول

توفيق الحكيم و طاهر لاشين و زكى عكاشة  و مصطفى ممتاز
توفيق الحكيم و طاهر لاشين و زكى عكاشة و مصطفى ممتاز


محمد الحمامصى

يُعدّ عام1924 محطة كاشفة فى تاريخ الحركة الأدبية والمسرحية فى مصر، ففيه بدأت تتبلور محاولات جادة لإرساء أدب مصرى جديد، رغم القيود التى فرضها المشهد الثقافى الرسمى على الأقلام الشابة آنذاك ومن خلال ما نشرته مجلة الجامعة، التى أصدرها ورأس تحريرها القاص والمسرحى محمود كامل المحامى، تبرز واقعتان تعكسان طبيعة تلك المرحلة وبدايات تَشكُّل مسارات ثلاثة من أبرز الوجوه: الممثل والمخرج المسرحى زكى عكاشة مؤسس زكى عكاشة وشركاه»، والكاتب الشاب توفيق الحكيم المعروف فى بداياته باسم حسين توفيق الحكيم، والقاص الطموح محمود طاهر لاشين.

يظهر الحكيم فى ذلك الزمن طالباً فى مدرسة الحقوق الملكية يسعى إلى دخول عالم الكتابة المسرحية فى لحظة كانت فيها خشبات القاهرة حكراً على عدد محدود من الكتّاب الموظفين، مثل إبراهيم رمزى ومصطفى ممتازـ رجل المسرح المعروف وأحد أبرز من اعتمدوا الاقتباس عن الفرنسية إلى جانب عباس علام وسليمان لجبيب.

وقد وجد عبر صابر ممتاز، الأخ الأصغر لمصطفى ممتاز وزميل الحكيم فى الدراسة، الباب الموصل إلى مسرح حديقة الأزبكية حيث تعمل شركة ترقية التمثيل العربى بإدارة زكى عكاشة.

وفى جانب موازٍ، كان أحمد خيرى سعيد يخوض مغامرته الصحفية بإصدار جريدة الفجر، حاضنة جيلٍ جديد من القصاصين، وفى مقدمتهم محمود طاهر لاشين الذى اصطدم بواقع نشر لا يؤمن بالأدب المصرى، فطاف على الناشرين وفى مقدمتهم مصطفى محمد صاحب «المكتبة التجارية» قبل أن يلجأ إلى جمع كتابه «يحكى أن» بيديه فى مشهد يجسّد تضحيات ذلك الجيل.

تشكّل هاتان الواقعتان، كما أوردتهما مجلة الجامعة فى 18 أغسطس 1938 صورة حيّة لجيلٍ كان يقاتل من أجل أن يضع اسمه على خشبة المسرح وصفحة الكتاب، فى زمن لم يكن يعترف بسهولة بالأدب المصرى الوليد.



وهنا نأتى على نص الواقعتين كما وردتا تحت عنوان «زكى عكاشة يطرد توفيق الحكيم ومحمود طاهر لاشين يجمع حروف كتابه»:

كان ذلك عام 1924

وكانت الفرقة المسرحية المصرية الوحيدة التى تضطلع بمهمة تغذية الجمهور بمسرحياتها هى فرقة شركة ترقية التمثيل العربى التى كانت تعمل على مسرح حديقة الأزبكية.

وبدأ (حسين) توفيق الحكيم الذى كان إذ ذاك طالبا بالسنة الثالثة فى (مدرسة الحقوق الملكية) يفكر فى أن يكتب للمسرح وأن يستيقظ ذات صباح فيجد اسمه مكتوبا بخط ظاهر تحت اسم مسرحية تقوم شركة ترقية التمثيل العربى بإخراجها وتعلن عنها بتلك الإعلانات الضخمة التى كانت تغطى جدران شوارع القاهرة والتى يطلق عليهما فى الاصطلاح الطباعى اسم affiche (أفيش)، وتبين (حسين) توفيق الحكيم أنه لن يصل إلى تحقيق حلمه فى أن يكتب للمسرح ويجد ما يكتبه طريقه إلى خشبة المسرح إلا إذا استعان باسم كاتب آخر معروف. وكانت الكتابة للمسرح آنذاك مقصورة على نفر قليل من الأدباء الموظفين هم إبرهيم رمزى بوزارة المعارف ومصطفى ممتاز بوزارة الداخلية، وعباس علام بإدارة البلديات وسليمان نجيب بوزارة الحقانية.

وكان للأديب مصطفى ممتاز الذى حيا جمهور ذلك العهد أكثر من مسرحية مصرية ومقتبسة له تحية طيبة - أخ فى مدرسة الحقوق يزامل حسين توفيق الحكيم إلى نفس السنة الدراسية هو صابر ممتاز. 

وتقدم الطالب حسين توفيق الحكيم إلى زميله صابر ممتاز أن يتوسط برجاء فى تقديمه إلى شقيقه الأديب المعروف ورجل المسرح الظاهر - وقتئذ - مصطفى ممتاز. وحقق صابر ممتاز رجاء زميله..

واتصل حسين توفيق الحكيم بمصطفى ممتاز اتصال هواية للمسرح ورغبة عنيفة فى الكتابة له. وتحقيق الأحلام عن طريقه.

وعرض طالب الحقوق (الكاتب الناشئ) على رجل المسرح أن يشتركا سويا فى كتابة مسرحية واحدة تحمل اسميهما معا.

وقبل مصطفى ممتاز أن يؤدى تلك الخدمة ويسدى تلك اليد إلى الطالب الملتهب تشوقا فى أن يرى شيئا يكتبه ممثلا على المسرح. ولم تكد تنقضى أيام حتى ذهب مصطفى ممتاز إلى الموسيقار المطرب زكى عكاشه الذى كان يدير شركة ترقية التمثيل العربى إذ ذاك يحمل مسرحية «خاتم سليمان» ... (بقلم الأستاذين مصطفى ممتاز وحسين توفيق الحكيم).



وكانت مسرحية مقتبسة عن الفرنسية، وقد صاغها الأديبان المقتبسان لكى تساير نوع (الأوبرا كوميك) الذى كانت فرقة ترقية التمثيل العربى تتقن إخراجه أيامئذ.

وظهرت إعلانات شركة ترقية التمثيل العربى تحمل للمرة الأولى اسم حسين توفيق الحكيم الطالب المجهول إلى جانب اسم مصطفى ممتاز الذى كان اسمه يدوى بين دوائر مقاهى الفن فى شارع عماد الدين والذى كانت مسرحياته تمثل على أكثر من مسرح ومن بينها مسرح رمسيس الذى كان يمثل يوسف وهبى عليه مسرحيته «المرحوم» .



وتحقق حلم حسين توفيق الحكيم...

وبدأ يفكر فى أشياء أخرى غير المجد الأدبى فخطر له أن يسأل «شريكه» مصطفى ممتاز عن المبلغ الذى تقاضاه ثمنا المسرحيته «خاتم سليمان». وتواعد الاثنان على اللقاء فى حديقة الأزبكية لكى يقبضا ذلك الثمن سويا.

وذهب الاثنان فى الموعد. واتضح بعد مناقشة حادة بينهما أن الاتفاق كان قد تم على أن يتقاضى مصطفى ممتاز الكاتب المعروف ذو الماضى المسرحى الطويل ثلثى المبلغ وأن يتقاضى طالب الحقوق حسين توفيق الحكيم الثلث الباقى.. ولكن .. ولكن الطالب لم يشأ أن يسلم بذلك الاتفاق وطالب بحق النصف! وارتفع صوت الأديبين وتجمع موظفو المسرح والممثلون والممثلات الذين كانوا يجربون «البروفة» على مسرحية «خاتم سليمان"!.. وخرج زكى عكاشة من غرفته فرأى ذلك المنظر.. وعرف أسباب الخلاف. وعندئذ تقدم مسرعا إلى توفيق الحكيم وقال له وهو يدفعه دفعا إلى خارج حديقة الأزبكية:

ـ يا أفندى أنا ما أعرفكش أنت.. اللى جاب لى الرواية واللى اتفق معاى هو الأستاذ مصطفى بيه.. أنا حا ادفع له الفلوس وأنت اتفضل اطلع بره.. يلا اطلع بره!

وخرج طالب الحقوق يومئذ وهو يغلى غيظا وعمد إلى بعض كتب المرافعات التى كانت مقررة عليه يحاول أن يستخرج منها ما يعينه على مقاضاة (شريكه) الذى مكنه من الظهور!

ولما ذهب إلى مدرسة الحقوق فى صباح اليوم التالى هرع إلى بعض أساتذته يستشيرهم فى أمر الدعوى التى كان يفكر فى رفعها وإلى بعض زملائه يفضى إليهم بما اعتزمه بشأن تلك الدعوى، ولكنهم نصحوه بعدم رفعها ولمحوا إلى فضل ذلك الشريك عليه!


وانقضت الأعوام.. وتخرج (حسين) توفيق الحكيم من مدرسة الحقوق ثم التحق بوظائف النيابة وانتقل إلى إدارة التحقيقات بوزارة المعارف، وقفز مرتبه إلى ما يقرب من أربعين جنيها وأصدر بضعة كتب تحمل اسم «توفيق الحكيم» بعد أن استبعد منه «حسين».. أما مصطفى ممتاز فقد انتقل إلى إحدى الوظائف الإدارية فى أرياف مصر. وقد هجر الكتابة للمسرح ولم يعد جمهور هذه الأيام يعرف منه شيئا...!

وحوالى ذلك الوقت ايضا أى فى أواخر عام 1924 وأوائل عام 1925 كان يجتمع نفر من الأدباء الشبان الذين يجمعهم الإيمان بفكرة خلق أدب مصرى أصيل فى بعض مقاهى شارع عماد الدين وخاصة «قهوة الفن» التى كانت تواجه مسرح رمسيس و"قهوة ريجينا» التى كانت تواجه سينما أمبير. وكانت الصحف المصرية المنتشرة إذ ذاك لا تشارك أولئك الأدباء إيمانهم برسالة الأدب المصرى أو «تقليعة». ذلك الأدب المزعوم كما كان يخيِّل إلى عجائز صحافه ذلك العهد!

وحوربت جهود القصصيين المصريين الشبان محاربة حفزت واحدا منهم هو الأديب أحمد خيرى سعيد إلى إصدار جريدة باسم «الفجر» وضعها تحت تصرفهم ينشرون فيها ما يعن لهم نشره، وكان أغزرهم إنتاجا محمود طاهر لاشين الذى كان إذ ذاك حديث التخرج من مدرسة الهندسة وقد عهد إليه بعمل فنى فى مصلحة التنظيم.

وظل محمود طاهر لاشين يتابع نشر قصصه على صفحات «الفجر» حتى تجمعت لديه مجموعة منها تصلح لكى تكون كتابا محترما!

وحاول القصصى الشاب أن يقنع ناشراً من ناشرى الكتب بـ (التزام طبعه ونشره) فلم يفلح. فقد كان أكبر ناشرى ذلك العهد هو مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية بأول شارع محمد على. وكانت مطابعه منهمكة ليل نهار فى طبع قصص «جونسون» و«ملتون توب» و«اللص الشريف» التى كان يكتبها «حافظ نجيب» المعروف. وكان غيره من الناشرين يسخرون من فكرة الأدب المصرى ولا يسلمون بإمكان نجاح قصة إلا إذا كانت على نمط القصص التى كان ينشرها مصطفى محمد لـ"حافظ نجيب» و«يشحنها» داخــــــل آلاف الصحاحير إلى فلسطين وسوريا والعراق وجاوه وبلاد الملايا..

وضاقت الدنيا فى وجه محمود طاهر لاشين وهو يحمل أصول كتابه «يحكى أن» الذى يحتوى على أول مجموعة قصصية له.

ويطوف به على أبواب المطابع فلا يوفق إلى من يقبل طبعه ونشره وقيل له إن تكاليف طبع الكتاب تهبط إلى النصف إذا تمكن من شراء ثلاثة أو أربعة صناديق من صناديق حروف المطابع وتولى جميع حروف كتابه بواسطة عمال يستخدمهم وتحمس القصصى المهندس للفكرة، وتوجه توا إلى مسبك من مسابك الحروف فاشترى كمية من الحروف المطلوبة وانتهز فرصة خلو دكان فى منزل تملكه أسرته بمنطقة البغالة فوضع فيه الصناديق ثم بدأ فى جميع كتابه «يحكى أن».

وكانت المارة فى شارع الخليج من أصدقاء محمود طاهر لاشين يرونه من بعيد وقد وقف أمام صندوق من صناديق حروفه و"البيبة» فى فمه، وقد حاول أن يساعد العمال الذين استحضرهم لجمع كتابه بجمع سطر أو سطرين بنفسه، فلما انتهى جمع الكتاب وطبعه اتضح لطاهر لاشين أن تكاليفه ارتفعت إلى ضعف التكاليف التى كان يمكن أن يدفعها لو أنه كلف مطبعة بتولى طبع كتابه. وبيعت حروف مطبعة «يحكى أن» بتراب الفلوس. وكانت تضحية أخرى من التضحيات العديدة التى بذلها القصصيون الشبان فى ذلك العهد لإخراج قصصهم الأولى إلى النور..!