بعد 33 عاماً من الأسر فى معتقلات الاحتلال: ناصر أبو سرور: السجن علمنى أن أرى العالم من ثقب إبرة

ناصر أبو سرور
ناصر أبو سرور


حوار: د. محمود بركة


بعد قرابة ثلاثة وثلاثين عامًا قضاها الكاتب والشاعر ناصر أبو سرور فى أسر الاحتلال، وُلد سطر التحرر فى الثالث عشر من أكتوبر 2025.

فى ذلك المساء رأيت ناصر، ومعه مجموعة من الأسرى المحرَّرين من السجون الإسرائيلية، الذين تم إبعادهم خارج البلاد، وصلوا فى ساعات متأخرة من الليل، إلى مصر، الوطن الأكبر والأقرب.

أبو سرور، ابن العائلة اللاجئة من قرية بيت نتيف المحتلّة، والمولود فى مخيم عايدة ببيت لحم عام 1969، اعتُقل عام 1993، وحُكم عليه بالسجن المؤبَّد.

تمكّن من الحصول على درجة الماجستير فى تخصّص الدراسات الإقليميّة من داخل سجن هداريم أصدر من الأسر كتابه الأول «حكاية جدار» عام 2022، ونال عنه جائزة الأدب العربى من معهد العالم العربى فى باريس وقد تُرجم للفرنسية بعنوان «أنا حريتى» وفى نوفمبر 2025 أنجز كتابه الثانى «على سرير الكتابة» عام 2025. 



قلت: «33 عاماً وأنا أرى العالم من ثقب إبرة» كيف رأيت العالم خلال تلك السنوات الطويلة؟

ثقب الإبرة هو ما وفره لى السجن وفرضته ظروف الاعتقال داخل غرف ضيقة ومزدحمة حيث شاركنى محاولاتى الرؤية والمشاهدة عدد كبير من الأسرى قاسمونى الحيز والفراغات القليلة المتاحة، وكان علىَّ ــ تبعاً لضيق النافذة ـــ أن أُطيل فى مشاهداتى وإطلالاتى على الوجود الواسع. ثقب الإبرة الضيق علمنى أن أجلس طويلاً أمام كل مشهد وأن أتورط فى كل تفصيلة ومن ثم أُعيد تركيب وترتيب الصور والتمثلاث الصغيرة والعديدة حتى أُشكّلَ لوحة تعكس ولو بالتقريب حقيقة ما شاهدته. بدا الكون كبيراً من خلال ثقب الإبرة وبدا مليئاً بالتفاصيل المجسدة لصورته وكان ذلك عاملاً معيقاً صعب علىَّ فهم وتفسير ما شاهدته وما رأيته مما اضطرنى إلى عزل ــ وأحياناً شطب ــ الكثير من التفاصيل، وربما يفسر هذا الفعل لغتى التجريدية وغرقى المتكرر فى عوالم الفكرة. بدا لى العالم ــ خارج حدود الفكرة ــ ضيقاً رغم وسعه ومبعثراً رغم ترتيبه ويكاد يكون بشعاً رغم ما احتوته من جماليات.

ماذا تمثل الكتابة فى مسيرة ناصر أبو سرور ما بين زمن السجن والتحرر؟

تستطيع الكتابة فى إحدى صورها المتعددة أن تكون فعلاً علاجياً يستطيع المرء عن طريقها ومن خلالها صنع عقاقير من الورق قادرة على شفاء ما يعانيه المرء من توعكات جسدية أو نفسية أو فكرية.

الكتابة دعوة للانكشاف وللتعرى الذى قد يكون فاضحاً فى أحيان عديدة وخصوصاً إذا كان الذى يكتب قد تخلى عن مكبوتاته وعُقَده وموانعه وضوابطه ومارس فعل الكتابة من نقطة أو من مكان فيه الكثير من الرضا والتقبل والتصالح.

أنا أكتب ــ أولاً ــ كى أشفى وأتعافى ليس من جروحى وأوجاعى بل من وقع وسلطة تلك الأوجاع على لحظاتى الراهنة ومن قدرة الأوجاع على شلّ الحركة وتجميد الشعور وبعثرة الخطوات وتضييق السُبُل.

الذاكرة والمصارحة تأخذان مساحة كبيرة فى كتابك الأخير «على سرير الكتابة» ما تعليقك؟

فى الذاكرة تختبئ كل مخاوفنا وتظلّ فى مخبئها لا تظهر ولا تعبِّر عن نفسها وإن فعلت فإنها تفعل ذلك فى مواقيتها غير عابئة بزماننا ومكاننا ولا بحالتنا الشعورية.

فى الذاكرة تنام العُقَد والمكبوتات والمخاوف وتظل فى نومها وغفلتها وفقدانها وعيها حتى نظن أنها تبخرت وماعادت وفقدت قدرتها على جلدنا وجرنا إلى مربعاتها الضيقة والخشنة والمؤلمة.

لكن المكبوتات والمخاوف لا تموت ولا تتبخر ولا تفقد وعيها، بل تأخذ قيلولةً ربما تطول وتنام فى قعرٍ عميق فى إحدى زوايا الذاكرة، وثم وبشكل فجائى قد يبدو مخيفاً تظهر بكل ما فيها من اَلام وروائح وأصوات وأصوات جانبية مرافقة.

تطل المكبوتات والمخاوف ليس برأسها فقط بل بكل ما فيها من جسد وتتجسد وتظهر بكامل عافيتها وربما أناقتها وتجلس قريباً من ندوبنا ومن الإشارات والعلامات التى احتفظت بها أجسادنا وأرواحنا، تطل بكلكلها وترتدى لساناً ولغةً مألوفين تخاطبان أوجاعنا ومخاوفنا وتتحرشان بنا بخشونة وربما بكثير من العنف الجسدى والنفسى، وتظل حاملة معها كل ما ظنناه ميتاً ومنتهياً وكل ما حاولنا إزالة اَثاره أو تجاهله.

فى مثل هذه المواجهة لا ينفع إلا التصارح ومواجهة المخاوف والاعتراف بالمكبوتات وتنظيف المرايا حتى نستطيع الوقوف أمامها عراة بلا فلاتر تُحسن أو تجمل أو تخفف من صعوبة المشهد وقسوة المواجهة.

فى نفس الكتاب قلت إن السجن وهبك المعارف ثم أنكرك عندما بدأت تعرف.. لماذا؟

 أمدنى السجن بكل ما احتجته من عزلة أمارس فيها طقوسى الخاصة وأطل منها على الوجود الواسع والضيق. وكما تفعل الجدران وحسب طبيعتها وما أُعد لها من أدوار وظيفية؛ أمدتنى بعديد من المعارف والانكشافات والاندهشات، وكانت رتبتْ تلك المعارف على طريقتها وكما أرتأت حتى تمظهرت تلك المعارف بصيغ وصور وتمثلات صلبة تشبه صلابة الجدران ولا تقبل أن يضاف إليها أو أن ينتقص منها.

ما كان لى أن أنجو من صلابة تلك المعارف وقدرتها على البقاء كما هى وتحديدها لقدرتى على إعادة تشكيلها وإضافة صور وتمثلات إضافية أو إزالة معانٍ معينة أثقلت علىَّ سهولة الفهم والإدراك، وما كنت سأنجو لو استسلمت للغة الجدران المُوجزة والمختزلة والخالية من فسحة الخيال، وما كنت سأنجو لو مارست عاداتى تحت وأمام عيون الجدران وأنا مُصدق لقدرتها على رؤيتى واختراقى واستراق النظر إلى عميق دواخلى.

 لقد نجوت حين تخليت عن حواسى الخمس التى استسلمت للجدران ولغتها الصلبة وقيدت رغبتى وحاجتى لإطلاق معانٍ أخرى جديدة غير التى فرضتها علىَّ أبجدية السجن وجدرانه، لقد نجوت حين أطلقت الأسماء على أشيائى ونزعت عنها صفة الصلابة حتى صارت مادة طيعة تقبل كل عوامل التأثير ولا تعاند لو غيرتُ فى ملامحها وفى أدوارها ونواياها وأغراضها منى.

 أغضبتْ نجاتى جدران السجن وأنكرت علىَّ تفردى واستفزتها وقاحتى وجرأتى على تحدى أدوراها المعدة مسبقاً، لكنها استسلمت فى النهاية وراحت ترقص معى على وقع أنغام كونية.

صار السجن يرافقنى فى جولاتى وشطحاتى وتحليقى. لقد صدّق الجدار ما أطلقت عليه من ألقاب ومن صفات وراح يتصرف تبعاً لما صدقه، ثم زاد من اقترابه منى والتصق بى وحمل معى أثقالى وأحمالى حتى صار شريكى فى مشوار بدأ قبل ولادتى حين كان فى انتظارى فى زقاق المخيم يُعد لى أول صراخ للاجئ المولود، ولا يزال يشاركنى منفاى ويسابقنى إلى عثراتى وتعثرى فلا أسقط وحيداً.

بين كتابك الأول الصادر عام 2022 وكتابك الثانى الصادر حديثاً عام 2025. مسافة زمنية بين السجن وعوالمه، ماذا تقول فى هذه المسافة وزمن الكتابة. وأنت الاَن فى فضاء الحرية؟

الزمن هو مقدار الحركة وهو نسبى يعانى من تأثيرات السرعة المتفاوتة حوله، والزمن يحدث بلا اعتبار لتموقعاتنا أو حركتنا قبله أو بعده، إنه دلالة على الإدراك رغم أنه لا يدرك ذاته ولا يدعى ذاتاً متفردة.

زمن الكتابة مرتبط بالضرورة بالمكان (الجغرافيا) ولكل جغرافيا زمنها الخاص والمرتبط بقدرة المكان على الحركة ووتيرة تلك الحركة وفوارق التواقيت بين الأمكنة.

وللسجن زمن خاص به وملازم له وهو زمن موازٍ لكل زمن قفز عن أسوار السجن وصار حراً، ويمكن لزمن السجن أن يتسلل من بين الأصابع أو أن يتخذ من مُزامنيه موقفاً عدائياً، ويمكنه أن يكون ودوداً فلا يتوقف عند الأوجاع ولا يطيل فى أعمارها.

وللحرية زمن يخصها هى الأخرى لأنه يمكن للحرية أن تكون مكاناً تسكنه أو تقيم فيه قصيراً أو مطولاً، وقد تتخلى الحرية عن عدالتها ولا تساوى فى توزيعها للزمن وتفرض حصصاً متفاوتة حتى تجعل (فى حالتى) من الكتابة فعلاً احتجاجياً قد يعرض صاحبه للخطر.

الكتابة فى فضاء الحرية الضيق تشكل لى تحدياً حيث تتحدى حركتى وسرعتى ووعيى للحاضر وما سيأتى وإدراكى لما كان ومالا يزال حاضراً ونياتى فى سلب أكبر عدد ممكن من اللحظات ودسها فى جيبى عميقاً. ساعاتى الحاضرة عبارة عن لحظات وهمية ولا يمكن تصديقها إلا بعد فواتها، وأنا أكتب الاَن كى أجمد أكبر قدر ممكن من اللحظات الوهمية وأحبسها كما تُحبس الأنفاس عند الغرق.

تسلمت جائزة معهد العالم العربى للأدب فى باريس من خلال الاتصال الإلكترونى.. كيف كان خطابك إلى العالم؟

أردت أن أقول لباريس المضاءة إنها تحتاج لأن تعود مستنيرة كما كانت، إن باريس اليوم كباقى العواصم الأوربية قررت أن تضىء ونسيتْ حين كانت تزينها معانى وألفاظ التنوير.

أردت أن أقول للعالم (من خلال باريس المضاءة) أن يتحمل مسؤوليته تجاه كل دم يراق فى غزة وفلسطين المحتلة، وأن يتوقف عن رؤيته لنا كمخلوقات شفافة يرى من خلالنا ولا يرانا، لا يرى شعبنا المذبوح ومدننا المقتولة، لا يرى رغبتنا فى حياة عادية نمارس فيها طقوس الحياة المملة والمتكررة ولا نعود نموت بألف طريقة ولا تقتلنا إلا الشيخوخة.

قلت للدول الداعمة لإسرائيل أن تتوقف عن تمويل قتلنا وذبحنا وتهجيرنا وإن توفر أموالها لأغراض إنسانية أكثر قلت فى خطابى إن فى الشرق حضارة عريقة ومستعدة لأن تكون جزءاً أصيلاً من الهوية الكونية، وقلت أيضاً إن الكون متعدد وفيه فضاءات تكفى لثقافة أو هوية جامعة لا تقصى عن متنها أى ثقافة محلية فقط لأسباب تموقعها الجغرافى أو السياسى.

لقد نلت الجائزة لأن لغتى كانت كونية رغم أصالتها وارتباطها بكل ماهو شرقى جميل، وكتبت كذلك كالذى يعلن عن نفسه وخصوصيته وجاهزيته لاستعاب كل معانى الحق والجمال والخير بلا اعتبار للسياسة والجغرافيا، وفعلت ذلك كممثل لهذا الشرق المقهور والمقتول والمسلوب والفقير والجائع والشفاف.

لقد شكلتْ هذه الجائزة وعبرتْ عن اعتراف بأدب السجون وبجغرافية السجن كجغرافيا متفردة لها أبجديتها الخاصة ولغتها الوعرة التى تحتاج إلى مهارات القفز بين الأسطر مع إمكانية التورط والوقوع أو السقوط إلى قيعان عميقة وأحياناً كثيرة مظلمة.
 

من المؤكد أن للسجن اَثاره التى يمكن الحديث عنها؟

ترك السجن فىَّ اَثاراً عديدة، منها ما يمكن تتبعه بلا حاجة لأى عدسة مكبرة، فعلاماته تبدو كالوشم حفرته ولونتْ تفاصيله يدٌ لم تتحقق من درجة حرارة الجلد أو قساوة الألوان حين تصطف بلا ترتيب يفسر غايتها من التموقع على مساماتى وكأنها محاولة مراهقة لإنسان بدائى لم يكتشف بعد حدود كهفه ولا روعة ودهشة الألوان.

ومن هذه الاَثار ما لا يمكن رصده لشدة عمقه الذى يحتاج إلى أطنان من الأنفاس للغوص والوصول إلى مخابِئه حتى يبقى على نفسه سراً يخشى لو كُشف أن يصير أثراً عادياً يمكن تشخصيه وعلاجه بحبة أسبرين أو بوصفة من عطار يبيع إلى جانب التبغ الرخيص خلطات عجيبة تدعى قدرتها على التسرب عميقا.

ومنها اَثار مجهولة لا تملك صاحباً كأنها وقعت بفعل الصدفة حين كنت مشغولاً بترتيب سريرى أو بأعداد طبق عشاء لا يستحق اعتنائى به وصنعته على سبيل العادة والجوع.

تم إطلاق سراحك مع العديد من الأسرى.. هل يرمز هذا لفصل جديد فى نضال الشعب الفلسطينى بالنسبة لك ولهم؟

تفرض جغرافيا السجن على قاطنيه تموقعاً ثورياً يكون امتداداً لمشوار نضالى طويل، بحيث لا يُشكل السجن قطعاً أو قطيعة مع المشهد السياسى والنضالى داخل الأراضى المحتلة، وينبغى لهذين الموقفين الواضحين أن يكونا دافعاً وسبباً يجعل الأسرى قادرين بل وملتزمين بصياغة خطاب وطنى جامع يُعيد ترتيب مفردات الصراع مع الاحتلال ويشكل مظلة أو بوتقة تندمج فيها كل العقول والأيادى فى سبيل تحقيق الهدف والتحرر والانعتاق.

وقد حدث وأن صاغ الأسرى وثيقة وطنية جمعت الكل الفلسطينى وحازت على ثقة وموافقة كل الفصائل الفاعلة على الساحة الفلسطينية، سواءً الوطنية أو الإسلامية، وينبغى لمشهدية النصر التى رسمها الطوفان والتى توجت بالإفراج عن العديد من الأسرى أن تجعلهم اعتماداً على ما يشكلونه من رمزية نضالية ونماذج يحتذى بنضالها وتضحياتها ملتزمين بميثاق وطنى يخاطب ما تعانيه القضية الفلسطينية من أزمة على الصعيد السياسى والاجتماعى والثقافى والاقتصادى. وأى تخلٍ عن هذا الدور سيُفسر ويجب أن يُفسر كتخلٍ وتجاهل للتضحيات التى قُدِّمت فى سبيل إبقاء قضيتنا حيَّة وفى سبيل تحرير الأسرى. لقد أكد الطوفان أن شعبنا الفلسطينى رغم ما يعانيه من انقسام وتشرذم لن يقبل بتسويات تجرده من حقه فى المقاومة وتجرم أفعاله النضالية وتفرض حلولاً مؤقتة لاحتلال يسعى للدوام.

وعلى الأسرى المحررين أن يتمسكوا بمفردات هذا النصر وأن يصيغوا منها خطاباً واضحاً وواعياً لتعقيدات المشهد السياسى محلياً وإقليماً ودولياً، وجامعاً لعناصر الكل الفلسطينى الذى بعثره الانقسام الداخلى مسبباً ضياع البوصلة وتشوه الفواصل واتساع الفجوات بين فلسطين ووعى الإنسان الفلسطينى..
 

وليد دقة حالة نادرة فى النبل والفكر، ماذا تروى عن وليد وكانت قد جمعتكما لقاءات ورحلة فكرية وإنسانية؟

رافقته وفارقنى؛ عرفت وليد الطفل وكيف كان يعود إلى طفولته دون أن يبذل أى جهد يُذكر، فعل ذلك بعفوية الطفولة، رأيته ينسحب عند أوراقه ويبدأ فى سرد بعض الخطوط ثم يعود يلونها وقد غطت أصابعه فوضى الألوان، ورأيته يُعد لوحاته، ويَعدها كالذى يَعد أعوامه ويسابق لحظاته الفانية عله يجمد بعضها على الورق. عرفت وليد العاشق والمحب.

رأيته يحلق وجهه قبل كل زيارة ويجتهد كى يبدو وسيماً فى عين الزوجة والحبيبة سناء، رأيته يدمع فى كل مرة راح يتحدث فيها عن سناء أو جاء على ذكرها فى كلام عابر وسريع، ورأيته يخرج الصور من خزانة الثياب ويعرضها أمامه مستشكفاً ذاكرته القريبة والبعيدة.

رأيت وليد الأب وهو يبكى وليدته ميلاد وهى ترتب ــ بعيداً عن زمانه ــ أيامها وسنينها الأولى، بكى حين وُلدتْ وحين بَكتْ وحين مَشتْ أول مرة، وبكى كل لحظة فرَّقت بين وجه ميلاد وبين صدره التواق لاحتضانها، بكى وليد لقاءها الأول والثانى وبكى لقاءها الأخير.

رافقت وليد المفكر والمثقف العضوى والملتحم والملتصق باَمال واَلام شعبه، رافقته قارئاً شرهاً لا يهدر وقته أبداً ولا يساوم على ساعاته المعدودة، رافقته كاتباً يُحسن تطويع الأبجديات حتى كاد يزيد عليها حروفاً من عنده، ورافقتُ وليد الأستاذ والمعلم والمربى والمحاط بالمُورّدين، كثيرون جلسوا حوله ونهلوا من فكره وضحكوا ملء صدورهم فى كل مرة فاجأهم بدعابته وفكاهته.

رافقت وليد دقة فى كل فرصة وفارقنى هو مع سابق إنذار طويل وموجع، تخلى وليد عن جسده الفانى وتعلق بروحه وصار فكراً وذِكّراً، تخلى وليد عن قيده أخيراً وصار حراً.