في تصريحاتٍ أثارت ردّات فعلٍ غاضبةٍ، رسميًّا وشعبيّّا، وعلى نطاقٍ واسعٍ، لا سِيّما إقليميًّا، صرح السفير الأمريكي لدى إسرائيل (مايك هاكابي)، خلال مقابلةٍ له مع الإعلامي (تاكر كارلسون)، بأحقية إسرائيل، ومن منظور ديني توراتي، بضمّ أجزاء واسعة من أراضٍ عربية، حددها بالاسم، بما يضمن لها تحقيق رؤيتها، وحلمها في قيام إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات. رؤية أعلنها من قبلُ، صراحةً ورسميًّا، ممسكًا بخريطتها نتنياهو من فوق منبر الأمم المتحدة تحت مسمى (الشرق الأوسط الجديد).
غير أن المدهش في تلك التصريحات الوقحة أنها بصراحتها المطلقة تلك قد فاجأت الكثيرين؛ الأمر الذي أثار استنكارهم ورفضهم لها، جملةً وتفصيلًا. غير أن المراقب للأحداث المتنامية في منطقتنا، عامًا بعد آخر، والتي تمتد لعقودٍ، يجد أن تصريحات هاكابي تلك جاءت في سياقٍ متّسقٍ ومنسجمٍ، وكثمرةٍ ناضجةٍ من ثمار السياسة الأمريكية المنحازة بشكل سافرٍ وسافلٍ، ومعلن رسميًّا تجاه الكِفّة الإسرائيلية. سياسة أعلنها، ولخّصها في كلماتٍ لا تحتمل تأويلًا أو تحليلًا، قبل عقودٍ الرئيس الأمريكي (نيكسون 1913/1994م) في مذكراته بقوله: :" التزامنا ببقاء إسرائيل هو التزام أدبي وأبدي وأخلاقي".
تصريحات هاكابي تلك يجب أن تُقرأ في سياق نصيحة والد (جو بايدن) له بأنه ليس بالضرورة أن يكون يهوديًّا لأن يكون صهيونيًّا. وفي سياق حديث بايدن نفسه بأن الاستثمار الأمريكي في إسرائيل هو أفضل استثمار للأجيال الأمريكية القادمة، وأنه لو لم تكن هناك إسرائيل للزم العمل على خلقها، وفقًا لرؤيته تلك. وفي سياق حديث (أنتوني بلينكن)، وزير خارجية أمريكا، والذي صرح فور وصوله تل أبيب، إثر أحداث السابع من (أكتوبر 2023م)، بأنه قدم إليها كيهودي قبل أن يكون وزيرًا للخارجية.
تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياقات الدعم المطلق من الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عقود من الزمان، وعلى اختلافها، ديمقراطيةً وجمهوريةً، اختلافها فيما بينها حدّ التنابز والتراشق وتبادل الاتهامات، واتفاقها جميعًا على إظهار الولاء التام لإسرائيل، ولزوم جانبها، واسترضائها. تجلّت تلك الصورة فور اندلاع أحداث السابع من أكتوبر؛ إذ رأينا إدارة بايدن الديمقراطية عن بكرة أبيها في تل أبيب داعمةً لها، سياسيًّا وعسكريًّا، وحتى تماهيًا وترويجًا لادعاءاتها وأكاذيبها، وفيتو ثلاث مرات لإدارته ضد وقف مجزرة غزة. وأما عن ترمب الجمهوري، نفسه ودون غيره، فقد منح لإسرائيل ما لم يمنحها سواه؛ ففي مدته الأولى (ديسمبر 2017م) نقل سفارة بلاده إلى القدس في اعترافٍ رسمي منه بكونها عاصمة أبدية لها، فضلًا عن اعترافه لها بالجولان، وبقانونية مستوطنات الضفة. وخلال مدته الحالية منحها شحناتٍ من القنابل منعها بايدن عنها، استقبل نتنياهو رغم صدور مذكرة توقيف بحقه من الجنائية الدولية، دعا صراحة ونصًّا في بلطجةٍ لم يأتها أحدٌ قبله إلى تهجير الفلسطينيين من غزة إلى غير رجعة، وتحويلها إلى ريفيرا الشرق. هدد بفتح أبواب الجحيم ضد غزة، وتم ذلك فعلًا واقعًا حتى أتى التدمير على نحو (85%) من مساحتها. دعوته المتطرفة إلى ترحيل كلّ معاد لإسرائيل، ومنع التمويل عن جامعاته بدعوى أنها معادية للسامية. أمسك بقلمه ووضعه على مكتبه مستنكرًا ومتعاطفًا مع إسرائيل كونها تمثل فقط رأس قلمٍ في محيطٍ عربي تمثل مساحته حجم مكتبه بالنسبة لرأس قلمه. متسائلًا: كيف تركت إسرائيل غزة ذات المواقع الجغرافي الرائع والمتميز.
تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في ظل هجمات الولايات المتحدة ضد منظمات الأمم المتحدة ومؤسساتها وهيئاتها المنددة بمجازر إسرائيل وعربدتها في غزة، والضفة حاليًا. وحملتها الشرسة ضد الجنائية الدولية وأعضائها، ورفضها لمذكرة التوقيف الخاصة بنتنياهو وجالانت، وفرضها عقوبات على قاضيها الفارس النبيل كريم خان. تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياق رفض كلٍّ من أمريكا وإسرائيل لقرار الأمم المتحدة، (أغسطس 2025م)، والذي أقر، ولأول مرة في الشرق الأوسط، بوقوع مجاعة في غزة، وإنكارهما وقوعها. تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياق إنكاره هو، وفي أوقاتٍ سابقةٍ على تصريحه الفجّ مع كارلسون، لجرائم إسرائيل في القطاع، وتهوينه منها.
تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياق تصريحات الصهيوني (توم برّاك) الوقحة، هي الأخرى، (سبتمبر 2025م)، إذ ادّعى كذبًا وجهلًا أنه لا يوجد شرق أوسط، بل قبائل وقرى، وأن الدول القومية في المنطقة نشأت من خلال اتفاقية (سايكس بيكو 1916م)، عبر البريطانيين والفرنسيين. برّاك، هذا الذي وصف سلوك الصحفيين اللبنانيين في (أغسطس 2025م)، ومن قلب قصر (بعبدا) في بيروت، بالفوضوي والحيواني، مدعيًا وقتها أن مشكلة منطقتنا هي الفوضى. هذا التصريح الوقح يتماهى، نظرةً وقناعةً، مع نظرة وقناعة (يوآف جالانت)، وزير دفاع الكيان السابق، لفلسطينيّ غزة، عندما دعا صراحة -ونصًّا- إلى محوهم، وإبادتهم لكونهم، وفي نظره، ليسوا بشرًا وإنما حيوانات. تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياق قناعة جالات وبرّاك باعتبار شعوب المنطقة حيوانات فوضويين لا تستحق الحياة، ولا حتى الأرض التي أورثها الله لهم، ولا ما تحويه من خيرات؛ وإنما هي حق للكيان السامي، ولعِرقه الذي يشبهه زرقة عين، وحمرة خدّ، وشقرة شعر.
تصريحات هاكابي يجب أن تُقرأ في سياقٍ أوسع وأبعد؛ حيث تدمير كامل قطاع غزة، والحاصل في الضفة، ولبنان، وتهديد العراق، ونقل أمريكا لنحو (5500) معتقل داعشي من سوريا إليه، والتحرش المتنامي بتركيا، واستباحتها لسوريا بحجة الدروز، وتدمير مقدراتها، وإعلانها الجولان أراضي إسرائيلية للأبد، وتمزيقها لاتفاق (1974م)، ومهادنة الشرع المُعيَّن من قِبل ترامب، والحشود العسكرية الهائلة بالمنطقة، والحرب المرتقبة ضد إيران، لا سيما بعد تصريحات ويتكوف بأنها على بعد نحو أسبوع من امتلاكها قنبلة نووية، فضلًا عن تقليم أظافرها (حماس والحوثي وحزب الله)، واختراقها في حرب الاثني عشر يومًا، وما كان بعدها من ضربها بالقاذفات الإستراتيجية الأمريكية. بل، يجب أن تُقرأ تصريحات هاكابي في سياق اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وفي سياق تصريحات ترامب حول سد النهضة. بل، وحتى الحاصل في فنزويلا ... إلى آخره من سياقاتٍ يجب أن تُقرأ فيها تصريحات هاكابي. لنخلص إلى أن تصريحات هاكابي لم تكن أبدًا تصريحات منبتّةً في فلاةٍ، لا، وإنما هي في سياق السياسة الأمريكية المعلنة، ورؤيتها الداعمة لإسرائيل الكبرى في مختلف المحاور الإستراتيجية، سياسيًّا وإعلاميًّا وماديًّا وعسكريًّا إلى آخره. هذا من ناحيةٍ، ومن أخرى رغبتها الجامحة في الهيمنة على مراكز الطاقة، وممرات التجارة العالمية، وطرق الإمداد.
المدهش في تصريحات هاكابي أنها جاءت وبصفةٍ رسميةٍ، من ممثل الدولة الراعية للسلام، ومبدأ حلّ الدولتين، لعقود من الزمان، والتي ارتضى الجميع وساطتها في ذلك، رغم أن الواقع يدحض ذلك، وفقًا لبعض النقاط سالفة الذكر، وقطعها اليوم هاكابي بتصريحاته تلك؛ لأعيد ما خلُصت إليه منذ نحو عشر سنوات في مقالةٍ لي إثر تصريحٍ مزلزلٍ للبيت الأبيض في (نوفمبر 2015م)، نصّه: " حلّ الدولتيْن الإسرائيلية والفلسطينية أمرٌ غير ممكن التحقق في الشهور الأخيرة من ولاية أوباما ". وخلصتُ في نهايته نصًّا إلى أن أمريكا لم تنفض يدها من عملية السلام وقتها لسببٍ بسيط جدًّا أنها لم تدخلها أساسًا. ويُعضد ذلك اليوم تحذير (ماركو روبيو)، وزير خارجية أمريكا الحالي، وفي صفاقةٍ لا حدّ لها، قُبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر2025م)، والتي اعترفت فيها دولٌ وازنة دوليًّا، كفرنسا وبريطانيا وكندا وغيرها بفلسطين، أن يكفّوا عن السعي للحصول على اعترافٍ بدولتهم. يُضاف إلى أمريكا راعٍ آخر، وأحد ممثلي الرباعية الدولية لعملية السلام الموؤدة، بريطانيا، والتي خرج علينا وزير خارجيتها ديفيد كاميرون في أواخر (ديسمبر 2023م)، أي بعد أحداث السابع من أكتوبر، بتصريحٍ قطع به قول كل خطيبٍ، قال فيه نصًّا: "الأحداث الأخيرة جعلت حلّ الدولتين أمرًا بعيد المنال". لنكون بذلك، وهو واقع، أمام ذئابٍ لا رُعاة للسلام.
في (يناير2025م) نشر ترامب عبر حسابه بموقع (Truth social) خريطة تظهر فيها غرينلاند جوار كندا وأمريكا باللون نفسه، وذلك بعد نشره تعليقًا له على صورة تظهر خريطة موحدة لأمريكا مع كندا تحت العلم الأمريكي قائلًا: أوه كندا. وربما تزامنًا مع نشر ترامب لخريطته، ورؤيته لأمريكا الجديدة، والتي أسميتُها في مقالةٍ لي (أمريكا الكبرى)، نشر نتنياهو، هو الآخر، خريطته ورؤيته الجديدة للشرق الأوسط، والتي تعني في عمقها (إسرائيل الكبرى). لنكون أمام اتساق في الرؤى والتوجه والهدف والأسلوب لكلا القوتين الإمبريالتين في بلوغ أهدافهما الكبرى إلا أن أمريكا ترامب وإزاء موقفٍ أوروبيٍّ موحّد وحازمٍ، وتحدٍّ كان ينذر بتفكك حلف الناتو نفسه، رفضًا لضم غرينلاند اتخذ ترامب خطوةً إلى الوراء قليلًا؛ إذ توارت أطماعه شيئًا ما، وهدأت لغتُه، ولانت كلماتُه. فهل تُرانا، جميع دول المنطقة دون استثناء، ونحن إزاء خطرٍ وجوديٍّ حقيقي لن يسلم منه أحدٌ أن ننحو نحو الغرب فنتخذ موقفًا حازمًا وصُلبًا تجاه تلك الأخطار الوجودية المحدقة، والحالّة، بنا جميعًا، لردع هؤلاء اللصوص، لا سيما وأننا لم نعُد في إطار نظرية المؤامرة، وإنما أصبحنا في إطار التصريحات الرسمية الفجّة، وعين المدفع، لا سيما وأن ما يجمعنا جميعًا أكثر وأكبر مما يجمع أوروبا، وإلا أصبحنا، دون استثناء، لا قدر الله، عربًا، وغيرَعربٍ، مواطنين في إسرائيل الكبرى. وفي الأخير، وكما ذكرتُ في مقالةٍ لي (ديسمبر 2024م) كانت بعنوان (الإمبراطورية اليهودية بين الوهم والواقع) إلى أننا ومن المؤكد أمام تحولاتٍ تاريخيةٍ كبرى، وانعطافاتٍ إستراتيجيةٍ فارقةٍ.
حفظ الله مصر.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







