بين صخور الجبال الشاهقة المطلة على خليج السويس، حيث لا يسمع سوى هدير الرياح، ترسم مصر ملامح مرحلة جديدة فى تاريخ الطاقة.
هناك، على ارتفاع 1280 مترًا فوق سطح البحر، تقف الدولة أمام واحد من أكبر رهانات المستقبل، مستفيدة من رياح تصل سرعتها إلى 15 مترًا فى الثانية، لتتحول الجبال التى كانت يومًا حدودًا للطبيعة إلى محطات عملاقة لإنتاج الكهرباء النظيفة.
الزيارة الميدانية التى قام بها الفريق مهندس كامل الوزير ود.محمود عصمت مؤخراً إلى مواقع جبل الجلالة لم تكن مجرد جولة تفقدية، بل إعلانًا عمليًا عن انتقال مصر إلى مرحلة أكثر طموحًا فى استغلال مواردها الطبيعية، فى وقت تؤكد فيه المؤسسات الدولية أن مصر تمتلك أفضل مواقع طاقة الرياح فى العالم.
وكشف تقرير حديث صادر عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة عن تصدّر مصر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى قدرات توليد الكهرباء من طاقة الرياح خلال عام 2024، فى إنجاز يعكس تسارع الخطى المصرية نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمى للطاقة المستدامة.. وخلال عشر سنوات فقط، نجحت مصر فى مضاعفة قدراتها من الطاقة المتجددة بصورة لافتة؛
إذ ارتفعت من 3658 ميجاوات عام 2015 إلى 9366 ميجاوات فى عام 2025، بينما تجاوزت القدرات المركبة لمشروعات الرياح والطاقة الشمسية حاليًا 9 آلاف ميجاوات، مدعومة بنظام تخزين بطاريات بقدرة 500 ميجاوات، مع مستهدف للوصول إلى 24 جيجاوات بحلول عام 2030.
ولا تقتصر الطفرة على القدرات الإنتاجية فقط، بل تمتد إلى حجم الاستثمارات والثقة الدولية.. فوفقًا لتقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، تصدرت مصر الدول العربية فى جذب الاستثمارات الأجنبية بمشروعات الطاقة المتجددة خلال الفترة من 2003 إلى 2024، بإجمالى 98 مشروعًا واستثمارات تجاوزت 161 مليار دولار، تمثل 46% من إجمالى استثمارات المنطقة، وأسهمت فى توفير نحو 47 ألف فرصة عمل.
وتؤكد المؤشرات أن ما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية.. فوكالة «فيتش» تتوقع ارتفاع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح من 12.6 تيراوات/ساعة فى عام 2026 إلى نحو 40 تيراوات/ساعة بحلول عام 2035، بالتوازى مع نمو متوقع لصادرات الكهرباء المصرية بنحو خمسة أضعاف خلال العشر سنوات القادمة..
كما تمتلك مصر مقومات طبيعية واستثمارية استثنائية تؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً وعالمياً لطاقة الرياح، حيث تتصدر قائمة الدول الأفريقية والعربية فى إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، وتستند هذه الرؤية إلى مقومات استثنائية قلما تجتمع فى دولة واحدة؛ فممرات الرياح الممتدة على ساحل البحر الأحمر وخليج السويس تسجل متوسطات تصل إلى 10.5 متر فى الثانية.
وفى قلب هذه المنظومة تتألق مشروعات عملاقة أصبحت علامات بارزة على خريطة طاقة الرياح.. فمحطة رأس غارب الجديدة بقدرة 650 ميجاوات تتصدر المشهد باعتبارها الأكبر فى أفريقيا، وقادرة على إمداد أكثر من مليون منزل بالكهرباء.. وتأتى محطة جبل الزيت بقدرة 580 ميجاوات، ثم الزعفرانة بقدرة 540 ميجاوات، ورأس غارب بقدرة 262 ميجاوات، وغرب بكر بقدرة 250 ميجاوات.
أما المشروع الأضخم، فيجرى الإعداد له غرب سوهاج بقدرة تصل إلى 10 جيجاوات واستثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار، ومن المنتظر أن ينتج نحو 48 ألف جيجاوات/ساعة سنويًا، ويوفر 23 ألف فرصة عمل.
وأكد د. محمود عصمت أن إجمالى القدرات المركبة لمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة من الرياح والشمس فى مصر تجاوز حاليًا 9 آلاف ميجاوات، إلى جانب نظام تخزين بطاريات بقدرة 500 ميجاوات..ومن المتوقع أن تصل إلى نحو 24 جيجاوات بحلول عام 2030..
واضاف أن الدولة عملت على تهيئة بيئة تشريعية واستثمارية جاذبة، من خلال قانون الكهرباء وتحرير سوق الطاقة تدريجيًا، وتخصيص أكثر من 40 ألف كيلومتر مربع لمشروعات الطاقة المتجددة، مع تقديم حوافز وتسهيلات، أبرزها عقود شراء الطاقة طويلة الأجل، ما عزز ثقة المستثمرين وأسهم فى تحقيق أسعار تنافسية لمشروعات الشمس والرياح .
مشروعات ناجحة تنتظر التقنين| عربات الطعام المتنقلة بالأقصر فى مهمة استكمال إجراءات التراخيص
إنقاذ التراث السيناوى| متحف يحفظ نخبة من أدوات وملابس البادية
جرثومة المعدة.. العدو الصامت| النظافة أولى خطوات الوقاية.. والتغذية السليمة الطريق الأمثل للعلاج





