عُمر عُلَما: السينما مرجعى ومصدر إلهامى

عُمر عُلَما
عُمر عُلَما


حوار: أسامة فاروق

يقع الفتى «أمل» في الخطيئة بعد الغواية، فيُطرد من جنة الأم ويتيه في أرض جديدة لا يعرفها، باحثاً عن الأب أو المعلم؛ الشيخ والمربّي غير أنه يجده محاطاً بشخصيات مريبة وألغاز كثيفة يدفعه الفضول والرغبة في المعرفة ليخوض التجربة ويدخل عالم شيخه الجديد، وما ظنه سجناً يتحول مع الوقت إلى متاهة وبوابة لعالم مغاير يحتار بين البقاء والهروب، لكن الشيخ يأسره بطرف الحكاية التي يبحث عنها؛ طريقه الوحيد لاكتشاف حقيقته وإجابة أسئلته واستكمال الأجزاء الناقصة من قصته الشخصية يضطر إلى البقاء، فتتصاعد الأحداث وتتوالى الاكتشافات في سرد لاهث، يلتقطه عمر علما بكاميرا سينمائية واعية، تنجح في نقل وتسجيل أدق التفاصيل والإيماءات والحركات غير المرئية، خالقاً روايته الأولى «ألعاب الشيخ عامر».

عمر من مواليد الإبراهيمية بالشرقية عام 1995 درس في دار العلوم بجامعة القاهرة، وهي وإن شكلت جزءا من حياته فإنه لا يرى لها الآن تأثير كبير على كتابته «أظنني لو درست شيئا آخر كالكيمياء أو الهندسة أو الجغرافيا لصرت كاتبا أفضل، ربما!».



ورغم ذلك يتذكر أن البداية كانت من هناك، ففي سنته الجامعية الأولى عام 2013، وجد إعلانا لمسابقة «الشارقة إبداع 2» معلقا داخل رعاية الشباب في المدينة الرياضية، بدافع غامض سأل شخصا عن الموعد النهائي للتقديم.

وعرف أنه بعد عشرة أيام. فقال إن الفرصة ضاعت وأنه لن يتمكن من المشاركة، لكن الشخص سأله عن اسمه، وأخبره بسرور أن ابنه اسمه عمر أيضا، وقرر تشجيعيه بطريقة بدت غريبة بالنسبة له: «أنا واثق إنك تقدر تعملها!» وقرر عمر الدخول في هذا التحدي، وفعلها وتقدم بروايته فعلا. بعدها بأسابيع هاتفه الدكتور حسين حمودة الذي أعجب بالرواية وسأله عن كتاباته المفضلة قال: «الحرافيش وموسم الهجرة إلى الشمال والحارس في حقل الشوفان أحدث مفضلاتي، وأحب المخزنجي وإبراهيم الكوني، وتشيكوف وماركيز ويوسا، واخترت نجيب محفوظ ليكون أبي». أثنى حمودة على ذوقه، وقال إن الرواية أعجبته جدا. 

لم ينشر عمر هذه الرواية، لكنه يعتبرها محاولته الأولى للكتابة، التعبير الأول عن الشغف الذي حركه رواية «زقاق المدق» التي أحضرتها له أمه من مكتبة مدرستها، حين كان في الصف الثاني الثانوي، وهي ما أحدثت هذا الفارق في حياته: «أردت حقا أن أعيش حالة الكتابة التي تجعل أشخاصا يتركون عالمهم، ويعيشون في خيال شخص آخر».

تواصلنا معه في السويد حيث يعيش حاليا فكان هذا الحوار..

 تقول النبذة التعريفية على غلاف الرواية أنك تعمل في مجال «تقاطع الثقافة والسينما والاقتصاد». هل يمكن أن توضح لنا طبيعة هذا العمل؟ وكيف ينعكس عمليا على كتابتك ورؤيتك الثقافية عموما؟

باختصار شديد، أنا أعمل على إقامة مهرجان سينمائي هنا في المدينة التي أقيم بها في شمال السويد أعتقد أن العمل يؤثر بطبيعة الأمر على الرؤية الحياتية، لكن حين تقول الرؤية الثقافية، فسأقول إنها جعلتني أفكر كثيرا في المال، وهو أمر أكنّ له احتقارا عميقا.

 ربما يكون من الصعب تحديد الزمن الفعلي الدقيق الذي تدور فيه أحداث الرواية وإن أشرت من طرف خفي للثورة وما تلاها من أحداث وهو اختيار تبدو معه الرواية كمشروع مؤجل! إلى أي حد تصح هذه الرؤية؟ 

بطريقة ما أنا كتبت هذه الرواية لأول مرة في 2014، وكتبتها مرات في دماغي، وأنا أتخيل أنها نفس الرواية، لكن الواقع هو أنني كتبتها هنا، في السويد، في أغسطس 2024 ثم أرسلتها مباشرة إلى النشر.  

هل راودك أي تخوف من أن تُستقبل الرواية بوصفها «حكاية قديمة»، أم أنك ترى أنها ما تزال راهنة وقادرة على مخاطبة القارئ اليوم؟

يُخيّل إليّ أحيانا أن من الأفضل أن أحكي عن أشياء أعرفها حقا، وعن تجربتي الشخصية أتحدث، فإن كل الحكايات التي عرفتها حقا، عرفتها بعد أن مر عليها سنوات. كما أن هناك قصص لا تسقط بالتقادم إذا جاز التعبير! 

هناك تجهيل متعمد للمكان على أي أساس اخترت الفضاء المكاني للرواية؟ 

ليس تجهيلا، أشعر أن كثيرين ممن سيقرأون الرواية سيجدون أنفسهم داخل إحدى تلك المساكن الشعبية التي تجسد هذا الإحساس. تلك المصفوفات الصفراء المتراصة كأن من بناها ضغط على Duplicate  لينسخ القبح وينشره قدر الإمكان.

قلت إنك كتبتها في السويد إلى أي حد يؤثر مكان الكتابة في طبيعة النص نفسه؟

- أظن هذا أمر يختلف من شخص لآخر. المكان الذي أكتب فيه لا يؤثر كثيرا على ما أكتبه خاصة أنني أعيش هنا أيضا في المساكن الشعبية! 

 ومن أين تستقي شخصياتك؟

التعرف إلى الناس أمر يثير اهتمامي، وقد قابلت مئات الأشخاص الذين تحدثت معهم عن قرب وعرفت عن حياتهم الشخصية والعملية وربما بعض أسرارهم، وأعتقد أنني كلما رأيت شيئا مثيرا في شخص ما، أفكر في ماذا لو كان شخصية سينمائية؟

 يعد الاختصار والتكثيف من السمات البارزة في النص، في مفارقة لافتة مع النزوع السائد حالياً إلى الاستطراد والاتساع. هل كان هذا الخيار مقصوداً منذ البداية، أم أنه تبلور تدريجياً مع تطور الكتابة؟

نعم أحب أن تُقرأ روايتي بالاندفاع نفسه الذي تُشاهد به الأفلام، قراءة متصلة لا تقبل التقطيع، تنتهي في جلسة واحدة، في نفس الوقت الذي ستشاهد فيه فيلماً مثيراً. 

كما أنني نفسي لن أغامر بقراءة رواية ضخمة طالما لم يمر عليها مئة سنة من النقد والتمحيص والتمجيد المتواصل فيها، لا أريد لقارئي ولا لنفسي أولا، أن نشعر بالملل أو أن يضع الكتاب، أو يشعر بالإرهاق من تقليب الصفحات. 

 تنجح الرواية في نقل إحساس بضيق الحيز الذي تتحرك فيه الشخصيات، مقروناً بإيقاع لاهث للأحداث. ويبدو أثر السينما حاضراً بوضوح، سواء على مستوى المشهدية، أو تقطيع اللقطات، أو توظيف الفلاش باك بأشكال متوارية داخل السرد. هل جاء هذا الحضور نتيجة تأثر واع بالسينما فعلاً؟ وكيف تنظر عموماً إلى مسألة تأثر الكتابة السردية بالسينما وحدود هذا التأثر؟

أنا محب مخلص للسينما هي مرجعي الحياتي لكل شيء أفعله وأبنيه ومكون رئيسي في شخصيتي. وعندما يسألني أحدهم سؤالا عن ماذا أفعل في حياتي أجيب دائما أن الحياة بالنسبة لي فيلم، وهذا الفيلم، محطتي الحالية في الحياة، مثير جدا، لهذا أنا لا أفكر في أي شيء آخر. لنرى كيف ستكون نهاية هذا الفيلم، مع يقيني أنه مع نهاية كل فيلم أبدأ فيلماً جديداً.. لهذا أقول نعم، أظنني كتبت هذه الرواية لأنني لا أجيد كتابة السيناريو.

هل يمكن القول إن السينما أكثر إلهاما من الأدب بالنسبة لك؟ وما المدارس السينمائية، محلياً وعالمياً، التي تجد فيها مصدر إلهام حقيقي؟ وكيف يتجسّد هذا الإلهام في رؤيتك أو في طريقة اشتغالك الإبداعي؟

هذا صحيح، تستطيع أن تقول إن ثقافتي في المقام الأول بصرية  متحركة! وأنا أنتمي إلى هذا العصر بكل ضجّته البصرية المزعجة والفاتنة، وأرى في السينما مصدر إلهام حقيقي، لأنها تجعلني أكثر فضولاً، وهي فضيلة أقدّسها. شخصياً، أشاهد كل أنواع الأفلام، وأؤمن بأن الإلهام يأتي من الأعمال الفردية أكثر من انتمائه إلى مدرسة بعينها.

وهذا ما يمنح السينما فرادتها؛ فكل عمل عظيم هو عمل فريد، حتى وإن اتبع القالب نفسه، كما في أفلام النوار مثلاً. في السينما المصرية أحب أفلام مثل الزوجة الثانية، باب الحديد، اللص والكلاب، الكيف، عمارة يعقوبيان، وربما يكون الناظر هو الفيلم المصري المفضل لديّ! ربما أتمسمّر أمام فيلم لا يعجبني لساعة، لكنني لا أطيق أبدا قراءة عشر صفحات من رواية لا تعجبني.

ربما هذا هو الفارق أيضا، وهو ما يجعلني متمسكا بالسينما، أنها تعطيني مساحة لأكون «ميديوكر» وأنني ربما أتقبل بسهولة، إذا كنت مخرجا متوسطا، عن أن أكون روائيا متواضعا. 

الأمر قد يختلف بعض الشيء مع السينما الأجنبية، فهناك مخرجون سأرغب في مشاهدة /أعيد مشاهدة كل شيء لهم. منهم؛ لويس بونويل، ديفيد لينش، هيتشكوك، سكورسيزي، بي تي أندرسون، براين دو بالما، تاركوفسكي، لينا فيرتمولر وغيرهم كثر وأظن أن مخرجي المفضل حاليا هو فيرنر هيرتزوج وهذا يرجع ببساطة لأنه أكثر المخرجين فضولا في رأيي. كيف يتجسد هذا الإلهام؟ في رغبتي في كتابة شيء مسلًِ بالدرجة الأولى، شيء ممتع ويقنعك ألا تترك الكتاب بعد عشر صفحات.

 الرواية ليست عصية على القراءة، لكنها في الوقت نفسه لا تفصح عن طبقاتها كلها من القراءة الأولى، وتستبطن أفكاراً أعمق قد لا تبوح بأسرارها إلا عبر إعادة القراءة. لكن ماذا لو توقف القارئ عند مستوى الحكاية الظاهرية فحسب؟ وكيف تنظر عموماً إلى مسألة الفهم والتأويل: هل يزعجك ألا يلتقط القارئ بعض المعاني أو الدلالات غير المعلنة؟ وأخيراً، كيف تفكر في القارئ وأنت تكتب النص؟

الحقيقة هي أنني أفكر في نفسي كقارئ وأشعر بأن عليّ أولا إرضاء نفسي كقارئ وكمتذوق. وأنا شخص يصعب ارضاؤه عموما. لا أحب حقا «جيد إلى حد ما» ويلا ننشر. لكن زوجتي ضاقت بي وقالت: ما تنشر بقى وتخلّصنا، وهذا ما فعلته مع هذه الرواية نشرتها وخلصت. مسألة الفهم والتأويل لا تشغلني كثيرا. أنا أريد من القارئ أن يشعر بكل ما أكتبه، وهذا يعني أنني نجحت بطريقة ما.  أما التفكير والتأويل فذلك شأن القارئ الذي لديه الوقت لذلك.

 من أول من يطلع على مسوداتك عادة؟ وما الحدود التي تسمح بها فيما يتعلق بالملاحظات والتدخلات التحريرية قبل وصول النص إلى صورته النهائية؟

زوجتي «أمل» دائما هي قارئي الأول، حتى قبل زواجنا. وأنا شخص مرن جدا، وأحب أن يقنعني الآخرون بتغيير خطتي، وحتى كتاباتي. فكل من أشاركهم عملي يصبح لهم الحق، بطريقة ما، في تحسين شكله وجعله أفضل.. قبل النشر طبعا!

ما الجديد لديك ومتى يصدر؟

أنا لا أشعر بأن الكتابة أمر ملحّ بالنسبة لي. أكتب كثيرا في رأسي وأحادث نفسي بصوت عال، كأنني أتحاور مع الشخصيات التي اختلقتها. لكن هذه الشخصيات لا تستحق التدوين إلا إذا كانت مثيرة للاهتمام فعلا اهتمامي الأكبر يتجه نحو السينما. أفضل أن أصنع فيلما على أن أكتب رواية.

هل يعني ذلك أن مشروعك القادم قد يتجه إلى السينما؟

في الحقيقة، أعمل بالفعل على فيلم، وقد صوّرت بعض المشاهد هنا لكنني لا أستطيع الجزم بأنه سيرى النور، فأنا تنقصني كثير من المهارات التقنية التي تمكنني من إخراج عمل متماسك، غير أنني أتعلم، وأقضي وقتا ممتعا.