رئيس جامعة مركز الثقافة السنية بالهند:الأزهر نقطة تحول أسهمت فى ترسيخ قيم الوسطية فى حياتى

د. عبد الحكيم الأزهرى الكاندى
د. عبد الحكيم الأزهرى الكاندى


على درب الوسطية يسير الدكتور عبد الحكيم الأزهرى الكاندى رئيس جامعة مركز الثقافة السنية بالهند والتى تعد من أكبر الجامعات الإسلامية جنوب البلاد.. يعتز القائد الشاب بانتمائه للأزهر، مؤكدا أنه أسهم فى ترسيخ الوسطية والاعتدال لديه، كما يعتز بوالده الشيخ أبو بكر أحمد مفتى الهند فى دعوته إلى الوسطية والتآخى بين الأديان.. فى حواره لـ «الأخبار» يتحدث عن العديد من الموضوعات والمشاريع التى يتوق لتنفيذها ومنها مشروع مدينة المعرفة..

نخاطب الشباب بلغتهم ونعمل على ربط الدين بالحياة العملية

■ كيف كانت بدايتكم مع طلب العلم، وما الذى قادكم للدراسة فى الأزهر الشريف؟
- بدأت رحلتى مع طلب العلم منذ الصغر بحفظ القرآن الكريم فى مدرسة تحفيظ القرآن التابعة لجامعة مركز الثقافة السنّية. بعد ذلك واصلت الدراسة فى الحلقات المسجديّة تحت إشراف الشيخ محيى اللسنة، الشيخ عبد القادر مسليار الفنملى - حفظه الله - حيث تعلمت أصول التجويد والقراءات وفنون التفسير الأولية. بعدها التحقت بالدراسات العليا على يد والدى الشيخ أبو بكر أحمد، فى جامعة مركز الثقافة السنّية، وحصلت على الإجازات العلمية والأسانيد فى الحديث والتفسير وسائر العلوم الشرعية، إضافة إلى إجازة الإفتاء من الجامعة. واصلت مسيرتى العلمية بحصولى على الدكتوراة فى اللغة الأردية من جامعة إنديرا غاندى القبلية بالهند، ثم أكملت دورة التخصص للأئمة فى جامعة الأزهر الشريف، التى كانت محطة علمية وفكرية متميزة، إذ أضافت بعدًا عمليًا وتطبيقيًا لفهم العلوم الشرعية وتعميق النظرية مع مراعاة الواقع المعاصر.
■ ماذا أضافت لكم تجربة الأزهر علميًا وفكريًا؟
- تجربة الأزهر كانت نقطة تحول فى حياتى العلمية والفكرية، إذ منحتنى معرفة متعمقة فى العلوم الشرعية واللغة العربية، ووسعت مداركى حول التنوع الفقهى والمدرسى فى الإسلام، وأسهمت فى ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال فى التفكير الدينى. كما علمتنى كيفية الجمع بين الأصالة الفكرية والمنهج النقدى، إضافة إلى تعزيز قدرة العلماء على ربط النصوص الدينية بالقضايا المعاصرة، مما يجعل العلم الشرعى أداة فاعلة فى حياة الفرد والمجتمع.
■ بمن تأثرت فى مسيرتكم العلمية؟
- كان والدى، الشيخ أبو بكر أحمد، من أهم المؤثرين فى حياتى العلمية، لما يتمتع به من معرفة متعمقة بالعقيدة الإسلامية ودعوة إلى الوسطية والتآخى بين الأديان، كما كان مناضلاً ضد الأفكار الضالة. كذلك كان للشيخ عبد القادر مسليار تأثير بالغ علىّ، خاصة فى علوم الفقه والحديث والتفسير، فقد نشأت على يديه قدرة كبيرة على الانضباط الفكرى والدقة العلمية.
■ ما أبرز الأهداف عند بدء العمل الدعوى فى بلدكم، خاصة ما تخططون له حاليًا؟
- هدفنا الأساسى هو نشر العلم الشرعى المرتبط بالواقع اليومى للمجتمع، وتعزيز قيم الوسطية والتسامح، ومواجهة التشدد والانحراف الفكرى. من خلال جامعة مركز الثقافة الإسلامية، التى تُعد من أبرز الجامعات الإسلامية فى جنوب الهند، نسعى لتوفير برامج تعليمية متقدمة تجمع بين الدراسات الشرعية التقليدية والعلوم الحديثة، وإعداد أجيال من العلماء والدعاة القادرين على ربط الدين بالحياة العملية.، ولقد حققت الجامعة سمعة دولية لما تقدمه من مساهمات فى التربية الإسلامية والمجتمع المدنى، حيث تشرف على أكثر من 50 مؤسسة تعليمية ومراكز فرعية تشمل دور الأيتام، مدارس القرآن، كليات الشريعة، المدارس الثانوية، المعاهد الطبية والفنية، المستشفيات، المساكن الطلابية، والمساجد، لتخدم أكثر من 20000 طالب مباشر وآلافا آخرين بشكل غير مباشر.. ومن أبرز مشاريع الجامعة مدينة المعرفة، وهى مدينة متكاملة على مساحة 125 فدانًا تقع فى كايتابوييل على بعد 40 كم من كاليكوت، صُممت لتكون نموذجًا حضريًا يجمع بين المعيشة، التعليم، الرعاية الصحية، والتجارة، مع مزج الحداثة بالتقاليد.. ويقع فى قلب المدينة جامع الفتوح، أكبر مساجد الهند، بسعة 25٫000 مُصل، ويتميز بمزيج من الفنون المعمارية الهندية والفارسية والإسلامية.
■ كيف تحاولون ربط العلم الشرعى بواقع الناس وحياتهم اليومية؟
- أرى أن العلم الشرعى لا يكتمل إلا إذا تم ربطه بالواقع العملى للمجتمع، بحيث يصبح أداة فعّالة لتوجيه السلوك الفردى والجماعى وفق تعاليم الإسلام السمحة. لذلك أركز على تقديم الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية بطريقة قابلة للتطبيق فى الحياة اليومية، سواء فى الأسرة، المدرسة، أو سوق العمل. ويشمل ذلك تعليم الناس كيفية اتخاذ القرارات اليومية وفق القيم الشرعية، وإظهار العلاقة بين الدين والأخلاق فى حياتهم العملية، بما يعزز الانضباط الشخصى والاجتماعى.
كما أعمل على دمج العلم الشرعى مع المعارف الحديثة والتربية المدنية، بحيث يُصبح طلب العلم أداة لتحسين جودة حياة الإنسان، وحل المشكلات اليومية، وتعزيز الوعى الأخلاقى والاجتماعي. الهدف هو أن يرى الناس فى الدين مرشدًا عمليًا يوجه حياتهم ويعزز التوازن بين الروح والمجتمع، وليس مجرد معرفة نظرية أو حفظ نصوص بدون فهم واستيعاب للتطبيق العملى.
■ ما أهم القضايا الدينية أو الفكرية التى ترونها بحاجة لمعالجة اليوم؟
- من أبرز القضايا المعاصرة التى تحتاج إلى معالجة عاجلة : التشتت الفكرى والانقسامات المجتمعية، حيث يسهل على الشباب التأثر بالأفكار المتطرفة أو المغلوطة بسبب عدم توفر التوجيه الصحيح، إلى جانب محاولات التفريق بين الأديان والمذاهب، والتى تؤدى إلى الصراعات الاجتماعية والفكرية وتضعف الروابط الإنسانية بالإضافة إلى التشدد الفكرى والتحجر على النصوص، مما يجعل الشباب عرضة للانعزال الفكرى والبعد عن روح الإسلام الوسطى والمعتدل. ولمواجهة هذه القضايا، من الضرورى تعزيز قيم الوسطية، والحوار بين الأديان والثقافات، والتربية على التسامح والتفاهم. كما يجب التركيز على تطوير المناهج التعليمية والدعوية لتصبح أكثر توافقًا مع الواقع المعاصر، بحيث تتناول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بروح إسلامية معتدلة وواعية.
■ كيف يمكن للعالم الأزهرى أن يخاطب الشباب فى هذا العصر؟
- العالم الأزهرى اليوم يحتاج إلى أن يكون قدوة فى الوسطية والاعتدال، مثالًا حيًا على الأخلاق والسلوك الإسلامى الصحيح. كما يجب أن يستخدم وسائل التواصل الحديثة، بما فى ذلك الإعلام الرقمى والمنصات الاجتماعية، والبرامج التعليمية الإلكترونية، للوصول إلى الشباب فى بيئاتهم اليومية بطريقة تفاعلية وجذابة. وينبغى أن يقدم العالم الأزهرى خطابًا عقلانيًا وواقعيًا، يربط بين النصوص الشرعية وقضايا الشباب اليومية، مثل التعليم والعمل والأسرة والمسئولية الاجتماعية، مع التركيز على قيم التسامح، والحوار، والوعى الدينى العملى. الهدف أن يشعر الشباب بأن الدين شريك فى حياتهم اليومية، وليس عبئًا ثقافيًا أو عقليًا، وأن يجدوا فيه توجيهًا عمليًا يمكنهم من مواجهة التحديات المعاصرة بروح إيجابية ومتوازنة.
■ ما الرسالة التى تحملونها لأهل وطنكم من خلال علمكم؟
- رسالتى لأهل وطنى هى تعزيز الوحدة الوطنية والاعتدال، ونشر ثقافة التعايش بين الأديان والثقافات المختلفة، مع الالتزام بالقيم الإسلامية السمحة التى تشجع على الأخلاق، التضامن المجتمعى، والسلام الفكرى والاجتماعى. أحث على الابتعاد عن التطرف والانقسامات الفكرية، وأؤكد على أن الدين يجب أن يكون أداة للتفاهم والمصالحة بين الناس، وليس سببًا للانقسام أو الصراع. كما أننى أوجه رسالة مفادها أن العلم والدين يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب، بحيث يعمل كل فرد على نقل المعرفة والفهم الصحيح للدين بطريقة عملية تؤثر إيجابًا فى المجتمع، مع احترام حقوق الآخرين ومعتقداتهم، وبناء مجتمع متماسك ومتوازن.
■ ما النصيحة التى توجهونها لطلاب العلم وللشباب عمومًا؟
- أنصح طلاب العلم والشباب عامة بـ الاجتهاد والمثابرة فى طلب العلم الشرعى والدنيوى على حد سواء، والحرص على تطوير مهاراتهم الفكرية والعملية. يجب أن يكون العلم وسيلة لخدمة المجتمع وتعزيز القيم الإنسانية والأخلاقية، وأن يسهم فى بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات العصر. كما أؤكد على أهمية الوسطية والصبر والتواضع، واحترام جميع الثقافات والأديان، مع الاستفادة من تجارب الآخرين.