عبدالله السلايمة
لا يُقاس ثقل المثقف بما يخطُّه قلمه فى محرابه الخاص فحسب، بل بقدرته على أن يكون «ضميرًا حيًّا» لذاكرة أُمته، وجسرًا تعبر عليه المواهب الجديدة من ضفاف الحيرة إلى شواطئ التحقّق؛ إنّ الدور الحقيقى للأديب لا ينتهى عند عتبة النص، بل يمتدُّ ليصبح فعلاً تنويريًّا يسعى لاسترداد ما سقط من الذاكرة الجمعية، وحماية الهوية الإبداعية من الطمس أو النسيان.
وفى قلب هذه الرسالة، تبرز قيمة «المثقف العضوى»، ذلك الذى لا يكتفى بالتنظير، بل ينزل إلى الميدان ليأخذ بيد الأدباء الشباب، مؤمنًا بأنَّ استمرارية الثقافة رهينة بتواصل الأجيال وتلاقح الخبرات.
وفى تاريخنا الثقافى المصرى المعاصر، ثمة أسماء قليلة جسَّدت هذا الدور بفروسية نادرة؛ وفى طليعتهم يأتى الشاعر والباحث والمؤرخ الأدبى شعبان يوسف هذا المبدع السبعينيّ الذى لم يكتفِ بكونه شاعرًا وباحثًا، بل تحوَّل إلى مؤسسة ثقافية متنقلة، وحارسٍ أمين على كنوز الإبداع المنسى، ومحرِّك فاعل فى مياه الثقافة الراكدة.
مسيرة إبداعية متعددة الأبعاد
ارتبط اسم شعبان يوسف منذ السبعينيات بالحركات الأدبية الطليعية، وتميز بمسار يمزج بين الذاتى والعام. هو فنان متعدد الأبعاد، تتوزع طاقته الإبداعية بين مسارات عدة، أبرزها: الإبداع الشعرى والسردي:
أعماله الشعرية: «مقعد ثابت فى الريح» (دار سينا للنشر، ١٩٩٣) «معاودات» (دار النديم للصحافة والنشر ١٩٩٤). «كأنه بالأمس فقط (دار إلياس العصرية، ١٩٩٨) «تظهر فى منامى كثيرا» (الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٩٩) «أكثر من سبب للعزلة» ( الهيئة المصرية العامة للكتاب ٢٠٠٢) «أحلام شيكسبيرية» (دار هيفن للترجمة والنشر، ٢٠٠٨) وأصدر مسرحية شعرية «بقعة ضوء تسقط مظلمة» (المجلس الأعلى للثقافة ٢٠٠٣).
تمتاز لغة شعبان يوسف الشعرية بالبساطة الآسرة والابتعاد عن البلاغة الرنانة، وهو ما عكس انحيازه المبكر لقصيدة النثر وللجماليات اليومية المعاشة. وله العديد من الكتب النقدية فى التاريخ الأدبى والثقافى، مثل: «شعراءالسبعينيات..السيرة..الجيل..الحركة» (المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٣) «سامى خشبة... مسيرة نقدية» (الهيئة العامة لقصور الثقافة ٢٠٠٨) «خلوة الكاتب النبيل» ( الهيئة العامة لقصور الثقافة ٢٠١٢) الذى يتناول فيه سيرة الكاتب ابراهيم أصلان، «حلمى سالم ناقدًا ومحاورًا» (الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠١٢)، «بهاء طاهر ناقدًا مسرحيًا» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٢)، «صبرى موسى.. سيرة عطرة وإبداع شامخ»(الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠١٣)، «أدب السجون» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٤) «لماذا تموت الكاتبات كمدا؟» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠١٦)، فى هذا الكتاب، يسرد شعبان يوسف نتائج بحوثه التى تشير إلى ما تعانى منه المرأة من تهميش واستبعاد مقصود، خاصة الكاتبات العربيات، ويطالب بالتخلص من أفكار المجتمع الذكورى لتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقة. «ضحايا يوسف ادريس وعصره» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠١٧)، «صرخة فرج فودة» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠١٧) بالاشتراك مع الدكتورة عزة كامل، «المنسيون ينهضون» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠١٧)، «نجيب الريحانى: المذكرات المجهولة» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠١٧) والكتاب تجميع وتحقيق لحلقات كتبها نجيب الريحانى فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى. «وجوه مشرقة فى دفتر الحضور» (المطابع الأميرية، ٢٠١٩)، «فى محبة العامية.. رواية قنطرة الذى كفر» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠٢٠)، «الثقافة المصرية.. سيرة أخرى» (دار بتانة للنشر والتوزيع، ٢٠٢١) «الذين قتلوا مى» (دار أخبار اليوم، ٢٠٢٢) وفى هذا الكتاب يتناول تجربة الكاتبة مى زيادة كنموذج للمرأة العربية المثقفة التى تتعرض للتهميش والقتل المعنوى. «محمود نسيم.. رحلة عطاء نادرة» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠٢٢)
وله تحت الطبع إصدارات أخرى، مثل: «علمانية مصطفى محمود المنكسرة» ( دار ابن رشد، ٢٠٢٠) يتناول الكتاب ملامح التمرد الحادة التى ظهرت على مصطفى محمود والتى بدت فى مجموعته القصصية الأولى «أكل عيش» الصادرة عام ١٩٥٥.
وفى مجال الرواية كان إصداره الأحدث «عودة سيد الأحمر» التى استكشف فيها الواقع المصرى عبر سرد مشوّق يمزج بين السياسة والاجتماع، مؤكدًا قدرته على التنقل ببراعة بين الأجناس الأدبية المختلفة.
ولا يقدم شعبان يوسف تحليلات أكاديمية جامدة، بل مقاربات إنسانية واجتماعية. ويُعرف عنه جرأته فى اقتحام «المناطق المحرمة» فى التاريخ الأدبى، حيث لم يتردد فى مراجعة سطوة الأسماء الكبيرة دفاعًا عن مبدعين سقطوا من الذاكرة الرسمية.
مختبر صياغة جماليات جيل التسعينيات
تُعتبر «ورشة الزيتون الإبداعية» واحدة من أعرق وأهم المؤسسات الثقافية المستقلة فى مصر فى حزب التجمع شرق القاهرة. تأسست فى حى الزيتون العريق بالقاهرة ١٩٧٩، وانطلقت كجهد تطوعى مستقل عن المؤسسات الرسمية مع الدكتور والمترجم فخرى لبيب.
لم تكن الورشة مجرد صالون أدبى، بل تحولت إلى «مختبر حقيقى» صاغ ملامح جيل التسعينيات على وجه الخصوص، وتتلخص أهميتها فى: الديمقراطية الثقافية، حيث تذوب الفوارق بين «الأستاذ والتلميذ»، ويُطرح النص للنقاش الصارم بحضور صاحبه.
ولم يقتصر دور الورشة على الأدب، بل استضافت فنانين تشكيليين، وسينمائيين، وموسيقيين، مما جعلها صالونًا ثقافيًا شاملاً ورمزًا للمقاومة الثقافية ورشة لا تمنح شهادات بل «صك العبور» إلى الوسط الثقافى، فإجماع الحاضرين على جودة نص لكاتب شاب يعد بمثابة إعلان ميلاد مبدع جديد.
أبرز الوجوه التى ارتبطت بالورشة من الروائيين: إبراهيم عبد المجيد، منتصر القفاش، محمود الوردانى، وميرال الطحاوى. ومن الشعراء: محمود قرنى، رفعت سلام، إبراهيم داود، وعزمى عبد الوهاب.
ومن النقّاد والباحثين: الناقد إبراهيم فتحى، الدكتور سيد البحراوى، الدكتور فتحى أبو العينين، الدكتور صلاح السروى، الكاتبة سلوى بكر، الدكتورة فاطمة الصعيدة، الكاتب الروائى محمد إبراهيم طه، وغيرهم.
كما استضافت الرموز الكبيرة مثل صنع الله إبراهيم وإدوار الخراط ولطيفة الزيات إبراهيم أصلان لخلق جسر مع الشباب.
مجلة «كتابات» ورئاسة «عالم الكتب»
أسس شعبان يوسف مجلة «كتابات» عام ١٩٧٩ مع الشاعرين الراحلين رفعت سلام ومحمود نسيم، التى مثلت متنفسًا للمبدعين المهمشين، وكان لها دور فى تسليط الضوء على التجارب غير المألوفة. وفى منصبه السابق كنائب رئيس تحرير مجلة «عالم الكتب»، وبرئاسة تحرير الدكتور زين عبد الهادى، استمر فى توسيع آفاق الثقافة، مشرفًا على نشر بحوث نقدية توازن بين روح التجديد وبين الحفاظ على التراث الأدبى، محولاً المجلة من مجرد وعاء للنشر إلى أداة لتشكيل الوعى.
ويمكن القول أن مشروع شعبان يوسف الفكرى، هو إحياء الأرشيف المفقود، يرتكز مشروعه البحثى على مفهوم «إعادة قراءة التاريخ الأدبي» ونقد المركزية الثقافية، ومن أبرز محاوره: الأدب النسوى، فقد أحيا بجهد استثنائى نتاج الرائدات المهمشات فى كتابه الهام «لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟».
أما أرشيف شعبان يوسف فهو دائم البحث عن الكتب النادرة، ونقاشه بجرأة سطوة العمالقة وتأثير ذلك على المهمشين، كما فى كتابه الجدلى «ضحايا يوسف إدريس وغيره».
وإذا تحدثنا عن التوثيق الوطنى، فقد رصد التلاحم بين الفن والسياسة فى كتابه «ثورة ١٩١٩.. مئة عام من الفن والسياسة».
لم يكتفِ شعبان بالعمل الأكاديمى أو الصالونات المغلقة، بل نقل الثقافة إلى الشاشة عبر برامج مثل «عصير الكتب» و»سور الأزبكية» هذه البرامج لم تكن مراجعات عابرة، بل كانت مساحة لتثقيف الجمهور العام وإعادة الاعتبار للكتّاب الذين لم ينالوا حظهم من الشهرة، مما ساهم فى زيادة اهتمام الشباب بالأدب المصرى الرصين.
دعم المبدعين والإرث الإنسانى
يُعد دعم المبدعين المهمشين السمة الأبرز فى مسيرته، فهو لا يمارس النقد بتعالٍ، بل كفعل رعاية. وتظهر إنسانية شعبان يوسف فى كونه متاحًا دائمًا للشباب، يحفزهم ويوجههم، مما جعله «راعيًا» للحركة الأدبية المصرية الحديثة.
يمثل شعبان يوسف نموذجًا للمثقف الذى يجمع بين الشعر والنقد والسرد والتأسيس الثقافى، وهو جسر حى بين جيل السبعينيات والأجيال الطالعة.
ختامًا، يبقى شعبان يوسف شخصية محورية، لا يمكن اختزالها فى لقب واحد. إنه «حارس الذاكرة» الذى كرمته وزارة الثقافة المصرية مؤخرًا كواحد من «صنّاع الهوية». وهو تقدير يأتى من دوره فى حفظ التراث وربط الشباب بجذورهم، لأنه يثبت يومًا بعد يوم أن المثقف الحقيقى هو من يهب حياته لإنارة الطريق للآخرين، محولاً الأدب من مجرد كلمات إلى وسيلة لفهم العالم وإحداث التغيير الاجتماعى.
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية
صدر له مؤخرًا «بدايات المسرح فى صعيد مصر»
برشلونة تفتتح أول مكتبة فى العالم مخصصة لفلسطين







