مائة عام من الفلسفة (1926 - 2026) | فيلسوف العقل

مراد وهبة
مراد وهبة


وليد خيرى


أخطر ما يواجهه العقل البشرى ليس الجهل، بل وهم المعرفة، وتحديداً تلك اللحظة التى يظن فيها إنسان ما أنه امتلك الحقيقة المطلقة وأغلق الباب خلفه فى مواجهة هذا الوهم، قضى الفيلسوف مراد وهبة قرنا كاملا واقفا على الثغرة، حاملا مطرقة السؤال ليهشم بها أصنام الإجابات الجاهزة. لم يكن وهبة مجرد أكاديمى يدرس تاريخ الأفكار، بل كان محاربا يدرك أن الفلسفة إن لم تشتبك مع قضايا الناس، وإن لم تنزل من عليائها لتحاور بائع البطاطا، فهى محض ترف ذهنى لا يعول عليه رحل سقراط العرب بعد أن ترك لنا وصيته الأخطر: إن الطريق إلى المستقبل يمر حتما عبر جسر واحد اسمه إعمال العقل، وعدو واحد يجب هزيمته اسمه ملاك الحقيقة المطلقة.

برحيل الدكتور مراد وهبة، نكون قد ودعنا القرن العشرين بكل ثقله الفلسفى، واستقبلنا الربع الأول من القرن الحادى والعشرين ونحن يتامى الفكر مئة عام (1926 - 2026) قضاها هذا الرجل ليس كشاهد على العصر، بل كفاعل ومشاغب، ومحارب فى خندق العقلانية الوحيد لم يكن وهبة مجرد أستاذ فلسفة يعتلى المنابر الأكاديمية، بل كان فيلسوفا مشتبكا، يرى أن الفلسفة التى لا تنزل إلى الشارع، ولا تمسح دموع المضطهدين بخرقة التنوير، هى فلسفة لغو لا طائل منها.

الفلسفة.. قصة البحث عن المطلق لا امتلاكه

لعل المدخل الرئيس لفهم مشروع مراد وهبة يكمن فى تعريفه للفلسفة ذاتها فى كتابه العمدة قصة الفلسفة، لا يسرد وهبة تاريخا جافا للأفكار، بل يؤسس لقاعدة ذهبية حكمت مساره كله. يقول وهبة إن الفلسفة هى قصة البحث عن المطلق ولكن، وهنا تكمن العبقرية، يميز بحدة بين البحث عن المطلق وبين امتلاكه.

يرى وهبة أن الله هو المطلق القائم بذاته، والحكمة صفة إلهية لذلك، فإن الإنسان فيلو-سوفوس أى محب للحكمة وليس حكيما، لأنه لو ادعى الحكمة لادعى الألوهية من هنا، يؤسس وهبة لأولى قواعد التواضع المعرفي: نحن نسبيون، والحقيقة مطلقة، ومهمة الفيلسوف هى السعى الدائم نحو هذا المطلق دون أن يتوهم لحظة أنه قبض عليه.

هذا المنطلق الفلسفى جعله عدوا لدودا لكل من يدعى امتلاك الحقيقة الكاملة لقد رأى أن مأساة البشرية، ومأساة الشرق الأوسط تحديدا، تكمن فى تحويل النسبى -آراء البشر وتفسيراتهم- إلى مطلق مقدس لا يمس. هذا الخلط هو ما يغلق باب الحوار ويفتح باب العنف، لأن من يملك الحقيقة المطلقة لا يحاورك، بل يستتيبك أو يقتلك.

إنصاف الميت الحي.. معركة ابن رشد

إذا كان لكل فيلسوف معشوق أو نص مركزى يدور فى فلكه، فقد كان أبو الوليد ابن رشد هو المعشوق والنص والمعركة فى حياة مراد وهبة فى كتابه حوار حول ابن رشد، يطرح وهبة مقولته الصادمة والشهيرة: ابن رشد ميت فى الشرق، حى فى الغرب.

لم يكن هذا الشعار دغدغة للمشاعر، بل تشخيصا. يشرح وهبة كيف أن الغرب اللاتينى التقط فكر ابن رشد، وتحديدا مبدأ الفصل بين الفلسفة والدين أو بين الحكمة والشريعة، ومبدأ التأويل هذه الرشدية اللاتينية هى التى مهدت لعصر النهضة وللتنوير الأوروبى، بينما نحن فى الشرق أحرقنا كتبه ونفيناه، وبالتالى أجهضنا مشروع التنوير العربى فى مهده.

يركز وهبة بشدة على مفهوم التأويل عند ابن رشد، ويعتبره طوق النجاة للمسلمين اليوم التأويل كما يشرحه وهبة نقلا عن ابن رشد هو: إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية (الظاهرية) إلى الدلالة المجازية وذلك عندما يتعارض ظاهر النص مع البرهان العقلي. 

هذا المبدأ البسيط فى صياغته، الثورى فى تأثيره، هو ما يجعل الدين صالحا لكل زمان ومكان، لأنه يحرر النص من قيد التفسير الحرفى الجامد الذى يضعه الأصوليون لقد أراد وهبة أن يقول لنا: لا تخافوا من العقل، فالعقل هو الرسول الداخلى كما يسميه المتصوفة، ولا يمكن لصريح المعقول أن يعارض صحيح المنقول، وإذا حدث التعارض الظاهرى، فالحل هو التأويل، لا تكفير العقل.

جرثومة التخلف.. لماذا نحن هنا؟

فى كتابه المثير للجدل جرثومة التخلف، يتقمص وهبة دور الطبيب الجراح الذى لا يخشى رائحة الدم أو القيح يسأل بوضوح: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن؟

إجابة وهبة لا تذهب إلى الاقتصاد أو السياسة مباشرة، بل تغوص فى البنية الذهنية. يرى وهبة أن التخلف ليس مجرد نقص فى الموارد أو التكنولوجيا، بل هو موقف عقلى يحدد وهبة الجرثومة فى غياب تيارين أساسيين عن تاريخنا الحديث: الإصلاح الدينى الذى الذى يكسر احتكار المؤسسة الدينية للحقيقة، والتنوير الذى يحرر العقل من سلطان النقل.

يربط وهبة بين التخلف وبين سيادة ثقافة الذاكرة على حساب ثقافة الإبداع. فى مجتمعاتنا، الطالب النجيب هو الطالب الحافظ، والمثقف هو الراوية أما عند وهبة، فإن الإبداع هو قدرة العقل على تكوين علاقات جديدة. التخلف إذن هو العجز عن رؤية علاقات جديدة، هو التكرار والاجترار، هو الدوران فى حلقة مفرغة من قال الأولون.

لقد حارب وهبة هذه الجرثومة فى قاعات المحاضرات، وفى كتبه، محاولا زرع فيروس التساؤل والشك المنهجى فى عقول تكلست بطبقات من اليقين الموروث.

الفلسفة ورجل الشارع.. كسر البرج العاجي

لم يقبل مراد وهبة الصورة النمطية للفيلسوف المنعزل فى برجه العاجى، المتأمل فى سماء المجردات كان يؤمن بديمقراطية المعرفة. ومن هنا جاءت فكرته الرائدة بعقد مؤتمر دولى تحت عنوان الفلسفة ورجل الشارع.

تخيل المشهد: كبار فلاسفة العالم يجتمعون فى القاهرة، ويصر وهبة على أن يجلس بينهم بائع بطاطا وماسح أحذية ليحاوروهم. سخر منه الأكاديميون التقليديون، لكنه كان يوصل رسالة عميقة: الفلسفة التى لا تستطيع أن تخاطب الرجل البسيط، ولا تستطيع أن تغير من وعيه بوجوده وبحقوقه، هى فلسفة عاجزة.

كان وهبة يرى أن البسطاء والمهمشين هم أحوج الناس للفلسفة، لأن الفلسفة هى أداة التحرر. هى التى تقول للإنسان المقهور: وضعك ليس قدرا محتوما، والظلم ليس إرادة إلهية، بل هو نتاج علاقات اجتماعية قابلة للتغيير لقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وجعلها تشتبك مع قضايا الفقر، والعدالة، والحرية. كان نصيرا للمضطهدين ليس بالشعارات، بل بمنحهم سلاح النقد.

العنف والمقدس.. تفكيك الألغام

فى كتابه العنف والمقدس، يلامس وهبة العصب العارى لواقعنا المعاصر. يطرح سؤالا جوهريا: لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان باسم الله؟

يحلل وهبة العلاقة العضوية بين الأصولية والعنف الأصولية، بتعريف وهبة، هى التوهم بامتلاك الحقيقة المطلقة بمجرد أن يعتقد شخص أو جماعة أنهم يملكون مراد الله حصريا، فإنهم يسحبون الشرعية من وجود الآخرين. الآخر هنا يصبح باطلا، والباطل يجب أن يزهق.

هنا يظهر وهبة كداعية للسلام والتعايش، ولكن ليس السلام الساذج، بل السلام المؤسس فلسفيا. السلام القائم على النسبية يقول وهبة فى كتابه الأصولية والعلمانية: العلمانية هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق.

لقد تعرض وهبة لهجوم شرس بسبب دفاعه عن العلمانية، لكنه كان يصر على توضيح المفهوم العلمانية عنده ليست إلحادا، ولا معاداة للدين، بل هى وضع الأمور فى نصابها: الدين علاقة مطلقة بين الفرد وربه، أما السياسة والمجتمع فهما مساحات نسبية تخضع للتجربة والخطأ والنقاش البشري.

بهذا المعنى، تكون العلمانية هى الضامن الوحيد للتعايش بين الأديان والمذاهب المختلفة، لأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، وترفض أن يفرض طرف واحد حقيقته على المجتمع بأسره.

الإبداع والكونية.. رؤية للمستقبل

رغم سوداوية الواقع، كان مراد وهبة مستقبليا بامتياز. كان يرى أن البشرية تسير حثيثا نحو الكونية فى عصر العولمة، لم يعد ممكنا الانغلاق داخل الهويات الضيقة.

كان وهبة يدعو لأنسنة العولمة، وتحويلها من هيمنة اقتصادية إلى تلاق حضارى. كان يحلم بمجتمع كونى تسوده قيم العقل والعلم والإبداع.

الإبداع عند وهبة هو الحل فى مواجهة الجمود الدينى والسياسى، الحل هو الإبداع، أى خلق صيغ جديدة للحياة كان يرى أن المبدع هو بالضرورة متمرد، لأنه يكسر المألوف، ولذلك غالبا ما يكون المبدعون عرضة للاضطهاد فى مجتمعاتنا المحافظة لكنه كان يقول لطلابه دائما: ادفعوا ضريبة الإبداع بشجاعة، فالتاريخ لا يذكر المقلدين.

الأسلوب الأدبى والملمح الفلسفي

تميزت كتابات وهبة بأسلوب السهل الممتنع كان ينحت مصطلحاته بدقة الجواهرجى عباراته قصيرة، قاطعة، تشبه الشذرات الفلسفية. لم يكن يميل للحشو أو الاستعراض اللغوى، بل كانت لغته وظيفية تخدم الفكرة، ومع ذلك كانت تحمل شاعرية خفية، شاعرية العقل الذى يرقص فرحا باكتشاف الحقيقة.

فى كتبه نجد نفسا حواريا. هو لا يملى عليك رأيا، بل يأخذك فى رحلة يبدأ بالسؤال، ثم يستعرض الإجابات المختلفة، ثم يفندها واحدة تلو الأخرى حتى يوصلك إلى النتيجة وكأنك اكتشفتها بنفسك. كان سقراطيا فى أسلوبه، يؤمن بأن الحقيقة تولد من خلال الحوار (التوليد)، ولا تمنح جاهزة.

الوصية الأخيرة

رحل مراد وهبة، بعد قرن كامل من المعارك. رحل وجسده مثقل بالسنوات، لكن عقله ظل حتى اللحظة الأخيرة نضرا كطفل يدهشه العالم.

لقد ترك لنا إرثا ثقيلا، ومسؤولية جسيمة. ترك لنا مفاتيح الخروج من النفق المظلم، لكنه لم يفتح الباب نيابة عنا قال لنا: هذا هو الطريق: ابن رشد، التنوير، الإبداع، وقبول نسبية الحقيقة، وإعمال العقل والجدل الخلاق.

ولعل البرهان الساطع على أن فلسفة مراد وهبة لم تكن يوما «ثرثرة فوق النيل» أو ترفا أكاديميا معزولا، هو ذلك الصخب الهادر الذى رافق صمت جسده فمنذ أعلن نبأ الرحيل هذا الشهر، لم تهدأ المعارك على منصات التواصل الاجتماعى وفى أعمدة الصحف؛ حيث تحول فضاء الإنترنت إلى ساحة حرب حقيقية تعيد تمثيل الصراع الذى أفنى الفيلسوف عمره فى تشريحه.

انقسمت الساحة -كما تنبأ تماما- إلى خندقين لا ثالث لهما: خندق ينعى سقراط العرب الذى حاول تحرير العقل من أسر القرون الوسطى، وخندق آخر لم يتورع، حتى فى حضرة الموت، عن ملاحقة روحه بسهام التكفير والتشفى، مدفوعا بتلك الأصولية التى حذر الراحل من توغلها.

هذا الاشتباك العنيف حول جثمانه هو، للمفارقة، أكبر وسام استحقاق ناله مراد وهبة؛ فهو يثبت أن مبضعه قد وصل بالفعل إلى العصب العارى للمجتمع، وأن أفكاره لم تكن حبرا على ورق، بل كانت قنابل تنويرية انفجرت فى وجه الجمود إن المعركة التى استعرت فوق قبره تؤكد أن جرثومة التخلف لا تزال شرسة ومقاومة، وأن الفيلسوف قد رحل جسدا، لكنه تركنا فى قلب المعركة التى أرادنا أن نخوضها: معركة الدفاع عن حقنا فى الاختلاف، وحقنا فى السؤال.