عوليس عربيا: رحلة التيه والانتظار

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


محمد شعير

ستون عاما من الانتظار فصلت بين ميلاد رواية عوليس» لجيمس جويس وبين وصولها إلى القارئ العربي؛ وهى رحلة بدت زمنياً أطول بكثير مقارنة بمساراتها فى لغات أخرى فبينما استغرق نقل الرواية إلى الألمانية خمس سنوات فقط، وإلى الفرنسية سبعاً، طالت المدة قليلاً فى الإسبانية لتصل إلى ثلاثة وعشرين عاماً، ثم استغرقت نحو أربعين عاماً لتطل بالإيطالية والبرتغالية، ظل حضورها العربى متأخرا.

لم تكن «عوليس» فى نسختها العربية بحاجة إلى مجرد مترجم يتقن لغتين، بل كانت تحتاج إلى «قديسٍ» من طراز خاص، وهب حياته بالكامل لفك شفراتها المستعصية كان ذلك القديس هو المترجم المصرى الراحل د. طه محمود طه، الذى تفرغ تفرغاً تاماً لترجمة الرواية وتقديم سيرة جويس للمكتبة العربية خاض طه هذه المغامرة منفرداً، بلا دعم مؤسسى أو مساندة جهات ثقافية، لكن القدر كان يخبئ له مفارقة قاسية؛ فبمجرد صدور ترجمته عام 1982، ظهرت فى الإنجليزية نسخة جديدة منقحة ومذيلة بآلاف التصويبات، بعدما اكتشف الخبراء أن طبعة 1922 الأصلية كانت تزخر بأخطاء مطبعية فادحة، لم تفلح محاولات إعادة الطبع المتكررة فى تلافيها، نظراً لضخامة الرواية، وأسلوبها التجريبى المبتكر، وتراكم أخطاء «منضدى الحروف» على مدار عقود.

لم يستسلم «قديس جويس» أمام هذه الصدمة، بل عاد لترجمة الرواية مجدداً فى نسختها المنقحة، مستغرقاً اثنى عشر عاما إضافية من عمره، ليخرج للنور ترجمة جديدة عام 1994. وما إن انتهى من «عوليس»، حتى شرع فى ترجمة العمل الأكثر صعوبة لجويس «فينجينز ويك»، والتى أعلن مرارا عن قرب صدورها، لكنها لم ترَ النور أبدا؛ إذ ضاعت الترجمة وفُقدت أوراقها، كما ضاعت أيضاً مسودات تعديلاته على «موسوعة جيمس جويس» التى صدرت فى الكويت فى طبعة محدودة، وكانت تمثل كتاباً شارحا ومفتاحا ضروريا لعالم جويس المعقد.

هذا الفقد تحديداً، وهذه الفراغات الموحشة التى تركها المترجم وراءه، هى ما يحاول محمد فرج تتبعه فى كتابه «لم يُعثَر عليه: وقائع تمشيه بجوار عوليس.. بحثاً عن دكتور طه» (دار ديوان) إنها رحلة استقصائية فى أثر المترجم الذى تبخرت مسوداته.

منذ العنوان «لم يُعثَر عليه»، يضعنا فرج وجهاً لوجه أمام حقيقة الغياب، فيهيئ القارئ لملاحقة «أثر» لشيء قد لا يكون له وجود مادى الآن. يعلن فرج صراحة أننا لسنا بصدد رواية بوليسية تطارد قاتلاً أو تسعى لخاتمة حاسمة، ولا نحن أمام سر سينكشف بوضوح عند النهاية، بل نحن أمام رحلةٍ تكمن قيمتها الجوهرية فى تفاصيل الطريق لا فى لحظة الوصول. وفى هذه «الرحلة المعتمة» بحسب وصفه، يحاكى فرج بنية رواية «عوليس» ذاتها؛ فبينما كانت الرواية رحلة يقتفى فيها بطلها «بلوم» أثره الضائع وهويته المفقودة، ينطلق فرج فى رحلة موازية يقتفى فيها أثر ترجمات دكتور طه المفقودة، بل ويبحث فيها عن المترجم نفسه كإنسان وقضية، محولاً عملية البحث من مجرد غاية توثيقية إلى استكشافٍ وجودى لروح الحداثة المغيبة فى واقعنا.

ينطلق الكتاب من مفهوم «التمشية»، تلك الممارسة التى لا تتوقف عند حدود الحركة الجسدية فى الشوارع، بل تمتد لتصبح موقفاً فلسفياً تجاه العالم. هنا يستدعى النص مفهوم «الفلانير» (المتسكع) كما صاغه شارل بودلير وطوره فالتر بنيامين؛ فالمتسكع هو «شاعر المدينة الحديثة» وعينها اليقظة، هو القناص الذى يلتقط جماليات الحياة اليومية الهاربة، ويعيش التناقض المدهش بين عزلة الذات وانغماسها فى زحام الحشود. بالنسبة له، المدينة ليست كتلاً صماء من الحجر، بل هى عمل فنى مفتوح، يعيش حاضره فى أعماق تفاصيلها الصغيرة. ومن خلال هذا التأمل، يتحول المكان إلى مرآة داخلية تعكس صورة الكاتب وصورة العالم معاً؛ فتصبح المدينة «نصاً بصرياً وتاريخياً»، ويتحول المشى فيها إلى فعل قراءة وتأويل.

خلال تمشيته فى المدينة بصحبة طيف جويس، وبحثا عن د.طه الذى يمثل المحرك المركزى للسرد، يرصد فرج التحولات العمرانية المتسارعة والمشوهة فى مدينة كالقاهرة، والوضع المزرى للأرشيفات الصحفية، كما يرصد تحولاته الذاتية تجاه المكان، ورحلته الخاصة فى قراءة وتأويل نص جويس، الذى يتحول فى نهاية الرحلة من نص مغلق إلى نص قابل للفهم والاستيعاب؛ نص لم يعد يحمل تلك الصعوبة المتوهمة بعد فك شفراته.

وفى عمق هذه «التمشية» النقدية، يبرز السؤال الجوهري: لماذا احتاجت «عوليس» إلى ستين عاماً لتنطق بالعربية؟ يشير فرج إلى محاولة مبكرة جرت فى الأربعينيات لترجمة الرواية أنجزها محمد لطفى جمعة لكنها لم تكتمل، ويستعرض كيف تباينت رؤى المثقفين العرب تجاه جويس؛ فبينما وصف توفيق الحكيم الرواية بـ «الكتاب العجيب» فى رسالة لصديق فرنسى، اتخذ سلامة موسى موقفاً متذبذباً، فتارة يراها رواية تافهة وتارة يعتبرها فتحاً جديدا فى فن السرد.

تبدو هذه المواقف متسقة تماماً مع تاريخ الرواية العربية ذاته؛ فعندما صدرت «عوليس» عام 1922، كانت النخبة المصرية «فرانكفونية» الثقافة، إذ تلقى معظمهم تعليمه فى فرنسا، وكان ينظر إلى الإنجليزية آنذاك باعتبارها لغة المستعمر. فى ذلك الوقت، كانت الرواية العربية لا تزال فى طور الطفولة، حيث لم يتجاوز عمرها تسع سنوات منذ أصدر «مصرى فلاح» رواية «زينب» (الذى سنعرف لاحقاً أنه محمد حسين هيكل الذى خجل من وضع اسمه صراحة على العمل). لسنوات طويلة، لم يكن الهم التجريبى يشغل بال الفن الروائى العربى، بل كان الهدف «تنويريا» أو لتوطين الفن الروائى ليصبح جزءا أصيلا من نسيج المجتمع.

ورغم ظهور ملامح التجريب لاحقاً مع عادل كامل ونجيب محفوظ، إلا أن تجريبهما كان ينبع -كما صرّحا- من ضرورات فنية ومجتمعية محلية. أما جيل ما بعد محفوظ، فقد كان جيلاً مسيساً بامتياز، اعتبر نفسه فى مهمة ثورية لتغيير العالم، لذا كان من الصعب عليه اتخاذ جويس أباً روحياً له، وربما كان كافكا هو الأقرب لروح ذلك الجيل لا جويس.

لذا، عندما صدرت ترجمة «عوليس» متأخرة، جاءت بعيدة عن سياقها العالمى بعقود، ولم تُستقبل نقديا بما يليق بأهميتها كحدث ثقافى هام. وهكذا أصبح د. طه محمود طه -الذى لم يُعثر عليه- هو الوجه الآخر لرواية «لم تُقرأ»؛ لقد ظل فى الهامش، تماماً كما ظلت «عوليس» فى ثقافتنا مجرد أيقونة يُردد اسمها، بينما تظل تجربتها مجهولة وعصية على الاقتحام.

إن كتاب «لم يعثر عليه» ليس مجرد رحلة للبحث عن مترجم غائب، بل هو مرثية لجيل كامل من المثقفين الذين خاضوا معاركهم الكبرى فى صمت، وانتهوا إلى نسيانٍ يشبه ضياع مسودات طه محمود طه. إنه دعوة لاستعادة «عوليس» لا كأيقونة صعبة المنال، بل كفعل قراءة مستمر، يحررنا من وهم الصعوبة ويفتح لنا أبواب المدينة على مصراعيها، لنكتشف أن البحث عن جويس فى شوارع القاهرة هو فى الحقيقة بحث عن ذواتنا التائهة فى زحام التاريخ، وبحث – أيضا- عن حداثة مبتسره لم تكتمل!