أرض الخوف ..نص سينمائي لنهاية القرن

أرض الخوف ..نص سينمائي لنهاية القرن
أرض الخوف ..نص سينمائي لنهاية القرن


محمد سالم عبادة

فى منتصف المدة تقريبًا بين أول أفلام داود عبد السيد الروائية «الصعاليك» 1985، وآخرها «قدرات غير عادية» 2015، جاء فيلم «أرض الخوف» 2000 ليكون بصمة تختم سينما القرن العشرين فى مصر، بما ماج به من صراع بين القيم وانهيار لمنظومات أخلاقية وقيام لأخرى، فضلًا عما احتشد به من تيارات فلسفية قلبت رؤية الإنسان للعالم ومكانه منه. 

نحن أمام قصة ضابط مباحث يعمل فى مكافحة المخدرات، يكلف بمهمة غير عادية، بموجبها يتعين عليه أن يسلك سلوك الفاسدين تجار المخدرات، ويبقى مع ذلك فى أعمق أعماقه ضابط شرطة مخلصًا، ينقل إلى رؤسائه أخفى أسرار هذا العالم المظلم، على ألا يعرف حقيقة مهمته إلا وزيرا العدل والداخلية ومدير المخابرات العامة. 

وسنحاول فى نقاط أن نستقرئ هذا النص السينمائي، لنترك هذه النقاط فى النهاية تتمخض عن رؤية نتمنى أن تكون شاملة له.




تواريخ مقصودة أو تعمية:

 التاريخ الذى يقدمه الفيلم لبداية الأحداث هو عام 1968، ما يستدعى على الفور حدث النكسة ونهايات الحقبة الناصرية. ولعل فى اتخاذ كشف أسرار تجارة المخدرات هدفًا لمهمة بطل الفيلم يحيى المنقبادي/ أحمد زكى ما يشير من طرف خفى إلى شعور صانع الفيلم بأن الانهيار الأخلاقى الذى تجره المخدرات مرتبط على نحو ما بحدث النكسة. 

والتاريخ الثانى المهم هو مايو 1971، تاريخ ما يعرف فى تاريخنا المعاصر بثورة التصحيح، أو انقلاب نظام السادات على رموز الحقبة الناصرية. وقد أراد صانع الفيلم من خلال الحبكة أن يجعل سر بطله يحيى لا ينتقل عبر السجلات الرسمية، بل مشافهة ممن يشغلون المناصب المشار إليها آنفًا إلى خلفائهم. ولما كانت ثورة التصحيح تجسيدًا لصراع بين رجال نظامين، فقد استشعر يحيى أن مهمته على شفا حفرة من الضياع حين وصلته أخبار التغيير الوزارى من خلال الجرائد. 

ثم يطل علينا التاريخ الثالث 1981، مؤذنًا بانهيار منظومة قيم وقيام أخرى، تزامنًا مع الانفتاح الساداتى الذى كان من مضاعفاته تضخم ثروات الفاسدين ووصول الفساد إلى درجات غير مسبوقة، طبقًا لكثير من القراءات. وفى هذا التاريخ يظهر تاجر مخدرات جديد هو رجب أبو حسين/ أحمد كمال، يقدم إلى التجار الأقدم البودرة (الهيروين والكوكايين)، تلك التى تتسم تجارتها بأرباح خيالية مقارنة بالحشيش الذى ظل مهيمنًا على السوق إلى ذلك التاريخ. 

وطبقًا لهذا التسلسل، يبدو أن هناك تأويلًا سياسيًا اجتماعيًا للفيلم؛ فجيل الستينات الذى ألقى به فى أتون الحياة المصرية بعد أن تربى على قيم عتيقة واقتنع بأن له مهمة جادة فى هذه البقعة من العالم، يصحو فجأة على تغير موازين القوى، ويكتشف بمرور الوقت أن مهمته قد ضاعت سدىً.

بيد أن الفيلم يغص بإشارات ورموز أبعد مرمىً وأعمق أثرًا من هذا التأويل السياسى الاجتماعي، على أهميته؛ وإذا صادقنا على وجود هذه الإشارات وربطنا بينها، جاز أن تكون التواريخ السالفة مجرد تعمية! فلنقرأ هذه الإشارات على مهل.
أسماء وحوار محمل بالرموز:  

ابتداءً، لدينا اسم البطل (يحيى)، وهو اسم اختاره داود عبد السيد بعد ذلك لبطلى فيلميه «رسائل البحر» و«قدرات غير عادية»، ما يطرح احتمالًا مفاده أن هذه الأفلام تنطوى على ما يمكن تسميته سيرة ذاتية وجدانية لداود عبد السيد، خاصة أنه مؤلفها ومخرجها. 

لكن لدينا اسمين آخرين بالغى الأهمية هنا، أولهما (آدم)، الاسم الحركى الذى ارتضاه ليحيى اللواء مأمون الذى كلفه بمهمته. وهو اسم حمولته أوضح من أن نفسرها، فهو ذلك الإنسان الذى نؤمن تبعًا لمصادرنا الدينية بأن الله أهبطه من الجنة إلى الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها على طاعته وشرع له منهجًا واضحًا.

وهو الاسم الذى يوقع به يحيى رسائله إلى من يعرفون طبيعة مهمته دون أن ينتظر منهم ردًا والاسم الثانى (موسى)، وهو علم على الرسول المتفق على رسالته بين أصحاب الديانات السماوية، فهو معادل اسمى للرسول، وهو هنا كذلك رسول، موظف فى هيئة البريد، لا ينى يؤكد على أنه مجرد رسول، وظيفته حمل الرسائل وتوصيلها.

ويتعقّد موقف يحيى حين يحكى له موسى أنه بعد اطراد حركة الرسائل التى كانت تصل بتوقيع آدم إلى من يرسلها إليهم عددًا من الأعوام، تظهر عقبة فى تسليم هذه الرسائل، ويستخدم التعبير البريدى الغنى بالمعنى «العين مغلقة»، أى أن عنوان المرسل إليه مغلق وخالٍ من السكان، فيحتفظ موسى بالرسائل لنفسه. وحين يقدم على فتح الرسائل ليعرف ما بها، يكتشف أن المرسل إليه اسمه هو الآخر موسى، فيترسخ فى نفسه أن المسألة قدرية ويقرأ الرسائل كلها، دون أن يفهم شيئًا.

والواقع أنّ تعبير "العين مغلقة" فى سياق حوار هذا المشهد، وعلى خلفية معرفتنا بالأحداث، قادر على أن يزرع فى حلوقنا المرارة كما زرعها فى حلق يحيى المنقبادى وهو يستمع إلى حديث موسى، فهو موحٍ بأن الصلة التى كانت قديمًا بين آدم والسماء التى سقط منها إلى أرض الخوف قد انقطعت، فأصبحت رسائله إلى تلك السماء – ممثلة فى العارفين بمهمته - بلا جدوى! 

ولعل جزءًا من حوار يحيى وموسى فى مشهد سابق - هو مشهد لقائهما الأول - يصادق على انقطاع تلك الصلة، وذلك حين يقول يحيى فى أحد أعمق حوارات السينما المصرية: «أنا لما ابتديت المهمة كنت قادر اشوف كل حاجة بوضوح. بعد كده ابتديت احس انى باشوف الصورة من ورا لوح قزاز.... لدرجة ان انا ما بقيتش شايف أى حاجة. الذكريات اختلطت مع الأحلام مع الأوهام مع الحقايق. حاسس انى متعلق بالهوا.» والشاهد أن الوضوح القديم فى علاقة آدم بالسماء التى سقط منها قد أفسح مكانه لغموض والتباس كثيفين، فلم يعد يعرف إن كان حقًا قد سقط من تلك السماء أم أن خياله قد صور له ذلك! ولا يفوتنا أن عبارة «معلق بالهواء» تجسد منطلق الفلسفة الوجودية، ولا سيما عند سارتر، إذ تفترض أن الإنسان محكوم عليه بالحرية كما قال هذا الأخير، وكذلك يحيى المنقبادى فى حياته فى أرض الخوف، فهو متحرر تمامًا من ثقل الخطيئة، لكن ما كان يفصله عن السقوط فى اللا معنى هو تذكره المهمة التى جاء بها، والتى إن ثبت بطلانها لم يعد لما يفعله أى معنى. 

وتلحق بالحوار فى كثافة رمزيته تلك الرسالة المعماة التى اقترحها يحيى فى إحدى رسائله وأنزلها موسى إعلانًا فى الجريدة الرسمية «إلى من يرغب فى تحديث معلوماته عن الساعات القديمة...». توحى الساعات القديمة هنا بذلك الزمن القديم الذى كانت فيه علاقة آدم بالسماء واضحة صافية، ومن ثم فالرغبة فى تحديث المعلومات عنها هى حنين إلى استعادة ذلك الزمن وإلى العودة إلى ذلك الوضوح، لكنه كان حنينًا محكومًا عليه بالإخفاق فى مشهد لقاء يحيى بموسى. 

حضور دينى ذو وجهين:

يظهر الدين محركًا رئيسًا لشخصيتين. أولاهما شخصية موسى/ عبد الرحمن أبو زهرة، ذلك الرسول الملتصق برسوليته؛ فهو يرى فى تشابه اسمه واسم المرسل إليه إشارة قدرية، ولا يتحرك لينزل الإعلان فى الجريدة قبل أن يصلى صلاة الاستخارة، ويقابل يحيى فى المشهدين اللذين يجمعانهما عند جامعى السلطان حسن والرفاعي، وحين يتقابلان للمرة الثالثة يكون على فراش الموت.

والملاحظ أن موسى شخصية بريئة من الخطيئة تمامًا، وربما لهذا جعل داود عبد السيد مشاهده كلها نهارًا خارجيًا، عدا مشهد لقائه بعمر الأسيوطي/ عزت أبو عوف، ومشهد موته؛ فهو استثناء من قاعدة الإضاءة الخافتة التى هيمنت على معظم الفيلم لتكرس الإحساس بالغموض والالتباس. ويبدو أن موسى هو الحالة النقية للدين، قبل أن يتلبس الدنيا؛ فكأنه الدين حال تنزله! 

أما الشخصية الثانية فهى المعلم هدهد/ حمدى غيث ولا يفوتنا ما فى الاسم من حمولة الحكمة الآتية أساسًا من موروثنا الدينى وحكاية هدهد سليمان وقد جعله صانع الفيلم يسكن مكانًا مغرقًا فى انتمائه إلى العمارة الإسلامية، ما يوحى بانتمائه إلى منظومة قيم محتلفة تمامًا عن تلك التى ينتمى إليها رجب أبو حسين تاجر البودرة، وباشتراكه مع موسى فى كونه وجهًا للدين.

لكن مشاهد هدهد فى بيته تتسم بتراكيب الظل والنور، رامزة إلى التباس الدين عنده بالدنيا وخطاياها، مع بروز جوف القبة الذى يتخلله نور السماء دائمًا، فى إشارة إلى أن سلوكه متصل بالسماء فى مجمله. ويعضد هذا الانطباع حديث هدهد الذى لا يخلو أبدًا من الإشارة إلى الله والقدر والمقدسات.

ولعل أبرز جملة قالها هى «ربنا عمل علينا واجبات وحمول لازم نشيلها، منها أننا أحيانًا لازم نقتل»، فهى جملة كأنها لسان حال الدين حين ينزل إلى الدنيا ويضطر إلى العيش فى أرض الخوف! والخلاصة أن نموذج المعلم هدهد - الذى يبدو يحيى مستريحًا إليه - ربما يمثل طريقة التعايش الوحيدة الممكنة للدين فى أرض الخوف، فهو لا بد أن يلوث يده بشيء من الدماء فى سبيل تحقيق شيء من العدالة السماوية على الأرض. 

ثلاثة وجوه للمرأة: 

لدينا ثلاث شخصيات نسائية مهمة، أولاها الراقصة رباب/ صفوة، تلك التى بدأ يحيى رحلته فى أرض الخوف حارسًا شخصيًا لها ولملهاها الليلي. ويجدر بنا أن نتذكر أنه قد وافق على الزواج منها لتكون وسيلته إلى دخول هذا العالم المظلم، وذلك على الرغم من رفضها القاطع لتجارة المخدرات، ما يعنى أن مكانها فى سياق الفيلم هو أرض الخطيئة والخوف. والثانية هناء/ زينة، وهى زوجة فوجئ يحيى بالمعلم هدهد يزوجه منها دون سابق معرفة! فهى تبعًا لمنظومة قيم هدهد تمثل المتعة الحلال، والطريقة الوحيدة الصالحة للعيش فى الدنيا؛ ويعضد ذلك أنها الزوجة التى رزق منها ابنه، ما يعنى أنها مثال الزيجة الأكثر اتساقًا مع القيم الدينية. أما الثالثة فهى فريدة/ فيدرا، وهى هنا نموذج متعالٍ على عالم الظلام الذى غرق فيه يحيى، فهى معمارية مخلصة لفنها، نستمع فى محترَفها إلى إنشاد صوفى مغربى وأغانٍ أوربية لا نسمعها إلا عندها، ما يعنى أنها تمثل نزوع يحيى إلى العالم النقى الذى أهبط منه، وحنينه إلى العودة إليه؛ تمامًا كما أن إعلان الساعات القديمة يمثل هذا النزوع من جهة أخرى. 

اختيارات تكمل الصورة:

لا يمكن أن نحيط بفنيات الإخراج فى هذا النص السينمائى الساحر فى مقال قصير كهذا، غير أن هناك اختيارات يحسن بنا أن نشير إليها قبل أن ننتهى إلى نتيجة استقراء الظواهر السابقة. 

فمنها اختيار المخرج لعزت أبو عوف لدور الضابط عمر الأسيوطي، فى مقابل اختياره أحمد زكى لدور يحيى. فبغض النظر عن نجومية أحمد زكى واقتداره الأدائي، يبدو أن هناك ملامح جسدية فيه تجعله مناسبًا لهذا الدور، فى مقابل أبو عوف؛ منها سمرته المناسبة لتجسيد الغموض والالتباس، مقابل بشرة أبو عوف الموحية بالوضوح وربما السطحية فى سياق الفيلم. ومنها اعتلال صوت أحمد زكى فى هذه المرحلة من عمره بحكم حالته الصحية، ما يجعله يبدو مثقلًا بأحمال لا قبل لأحد بها منذ بداية الفيلم، مقابل انطلاق صوت أبو عوف الذى يخدم المعنى نفسه كبشرته وهناك اتكاء المخرج على تاريخ أدوار حمدى غيث وأبو زهرة الذى لن يلبث المشاهد أن يستدعيه حين يراهما فى الفيلم، فكلاهما مرتبط على نحوٍ ما بالدراما الدينية إن جاز التعبير، ما يجعل تجسيدهما هذين الوجهين للدين مقبولًا ومرحبًا به. 

ومنها استعانته بموسيقى راجح داود، وهى هنا تقوم أساسًا على موضوع موسيقى يعزفه الپان فلوت فى مقام الحجاز على درجة (لا) نسمعه مخفوضًا نصف درجة، أى على (صول دييز)؛ ويبتدئ الفيلم بآهات يؤديها صوت رجالى فى المقام نفسه، فكأنها تعبير عن اللوعة الخالصة والرثاء العميق لحال الإنسانية المحكوم عليها بالضياع فى أرض الخوف وبفقد الاتصال بالسماء. 

ومنها تتابع اللقطات، فنجد مثلًا فى بداية الفيلم لقطات قريبة لبرتقالة يتناولها اللواء مأمون ويقشرها وهو يتحدث عن تشريح شخصية يحيى قبل أن يختاره رؤساؤه لهذه المهمة، فتكون اللقطة معادلًا بصريًا لهذا التشريح. وهناك اللقطة القريبة لمنحوتة الأطفال/ الملائكة الذى يحملون طبق فاكهة ثقيلًا، تزامنًا مع عبارة اللواء «لمهمة غير تقليدية وغاية فى الأهمية».

ولدينا بعد مشهد لقاء يحيى باللواء مشهد نرى فيها يحيى يتقلب فى فراشه مستمعًا إلى جزء من أغنية منسية، هى أغنية «وطنى وصباى وأحلامي» لعبد الرؤوف إسماعيل، من شعر أحمد مخيمر وألحان محمود الشريف. وهو جزء فى مقام العجم الفرح، كأنه يمثل بوجوده خلفية لهذا المشهد وداع يحيى لحياته فى السماء قبل أن يهبط إلى أرض الخوف.

كذلك هناك لقطة فى منزل هدهد، تنزل بأعيننا من تصميم الشهادتين المكتوبتين بخط عربى أنيق إلى المشربية العتيقة التصميم، على خلفية صوت المرأة المستغيثة التى تقبض الشرطة على زوجها، أحد صبيان المعلم هدهد فى تجارة المخدرات؛ ليقول هدهد ما معناه إن الشرطة ومن قبضت عليهم الشرطة لهم رزق معلوم، ولا بد أن يعود كلٌّ منهم مجبور الخاطر، ثم يتكفل هدهد بأمر بيت المقبوض عليه إلى أن يخرج من السجن، متسقًا مع قيمه، ومتوافقًا مع الروح الإسلامى المهيمن على اللقطة المذكورة.   

وأخيرًا، فإن قراءة الفيلم تجعلنا لا نجحد التأويل السياسى الاجتماعى لفكرته وأحداثه وحبكته، لكنها فى الوقت ذاته تحاصرنا برموز موغلة فى العمق، وإشارات بالغة اللطف، ترمى بنا فى أتون التأويل الوجودي. والخلاصة أن داود عبد السيد بهذا النص السينمائى الخالد قد قطّر الهم المصرى والهم الإنسانى معًا، مخرجًا لنا عملًا فنيًا جديرًا بأن يكون ختامًا لرحلة السينما المصرية فى القرن العشرين، متجاوزًا بفنياته العالية ظرفه التاريخي، ليحفر لنفسه مكانًا راقيًا فى ذاكرة الإنسانية.